خلافات النجوم والمشاهير من رجال الأعمال والرياضيين وأبطال السينما والمسرح، باتت هي المادة الرئيسية على المنصات الإلكترونية ومواقع الإثارة والنميمة. فلم يكتف المعنيون بجمع الوقائع وحصرها بالمشاكل اليومية الجديدة والطارئة، ولكنهم يفنون الوقت والجهد في إشعال الفتن بتجديد الأحداث القديمة والنفخ في نار الماضي لتظل المعارك بين الأنداد في مجالات السياسة والصحافة والفن مُستمرة وعلى أشدها كأنها وليدة اللحظة، ولا يُستثنى من ذلك أحد، فرجال الدين والسُلطة والزعماء والرؤساء جميعهم محل اهتمام الآلة الإعلامية الجهنمية التي تبث موادها المُلتهبة على مدار الساعة ولا تكترث بما يحدث من مُشكلات وردود أفعال.
وكالعادة تأتي حُجة المواقع الإلكترونية واليوتيوب في استثمار القضايا السياسية والاجتماعية وجلسات النميمة بين الأطراف المُتصارعة بأنها لم تصنع هي بذاتها الأحداث، وإنما فقط تقوم بحفظها وتوثيقها، وقد يكون في ذلك بعض المنطق في ما يتصل بالأحداث الكبرى، كالحروب والمظاهرات والخطب السياسية وغيرها، لكن الخلاف الأصلي ليس على توفير المادة الأرشيفية بقدر ما هو على الاستغلال التجاري الرخيص للمواد الأخرى كخلافات الفنانين والرياضيين ومُشكلاتهم وأسرارهم الخاصة التي أصبحت تُذاع على الملأ بلا حساب أو عقاب ومُعظمها تسريبات تستوجب المحافظة والسرية، لا سيما أن الكثير منها شخصي وحساس.
ففي آخر أزمة فنية تسببت فيها المنصات الإلكترونية والمواقع كان البطلان هما عادل إمام ونجلاء فتحي، حيث تم تسريب حوار قديم مضى عليه أكثر من عشر سنوات انتقدت فيه نجلاء فتحي مسيرة زميلها عادل إمام الفنية والسينمائية وعاتبته من باب الحرص على سمعته الفنية على ما قدمه من أعمال رأتها الفنانة آنذاك أنها دون المستوى ولا تناسب مكانة البطل ولا نجوميته.
وقد أخذ الجدل حول هذا الموضوع وقتاً طويلاً وتدخلت فيه أطراف أخرى وكاد أن يتحول إلى مُشكلة وحرب كلامية بين النجمين، لولا عقلانية عادل إمام وترفعه من ناحية، وسرعة تبرير نجلاء فتحي وتوضيحها لموقفها من ناحية أخرى مع تشديدها على احترامها لزميلها النجم الكبير، وهو ما قضى على الفتنة ووأدها في مهدها.
ولم تمض شهور على هذه الواقعة حتى انتشرت تسجيلات أخرى لنجوم في نفس المستوى يُهاجم بعضهم البعض على خلفية مشاكل مهنية وأدوار تمثيلية مُتنازع عليها، وأهمها ما تكرر مع عادل إمام أيضاً، حيث كان النظير في المنافسة والخلاف في الواقعة الثانية الفنان الراحل محمود عبد العزيز إبان قيامه بتجسيد شخصية رأفت الهجان في المسلسل الشهير المعنون بنفس الاسم والذي كان مُقرراً أن يقوم ببطولته عادل إمام حسب ما ذُكر في حينه، وهو خلاف قديم أبدى فيه محمود عبد العزيز وجهة نظره في إحدى الحلقات التلفزيونية التي تم التنقيب عنها لتوضع على المواقع الإلكترونية مُجدداً لتُحقق نسبة مشاهده بالملايين.
وقياساً على الحالتين المذكورتين تُطالعنا الأنباء والأحداث يومياً بما هو جديد ومُثير حول الجاد والهزلي من الحلقات المُسجلة لشخصيات كبيرة وصغيرة، فهذا لاعب كرة وهذه راقصة وهذا مونولوجست وهذه مطربة، إلى آخره. فلم تنته السجالات والمُداولات والمراهنات حول الغث والسمين من الحكايات والحواديت، ولم تقتصر مُسليات اليوتيوب على مشاهير الفن والتمثيل وكرة القدم ولكنها تمتد إلى السياسيين أيضاً وتتطرق إلى وقائع مهمة ترتبط بالسير الذاتية للملوك والرؤساء والزعماء وفي بعض الأحيان المُغامرات العاطفية والنزوات والزيجات المُتعددة.
وتحتل فترة حُكم الملك فاروق وعائلته موقع الصدارة في هذا الشأن. فهناك من الوثائق ما هو جدير بالقراءة والاطلاع وهناك من الأساطير والحكايات المُلفقة ما لا يليق بعملية التوثيق، حيث تتضارب المعلومات وتختلف القصص وطُرق السرد والعرض، أما المواد الأرشيفية المُسجلة بالصوت والصورة، والخاصة بحفل تنصيب الملك الصغير على العرش وطقوس الفرح والتهليل والاستقبال الشعبي لفاروق في بداية حُكمة لمصر فهي بذاتها المواد والوثائق التاريخية المهمة.
وكذلك لم تتجاهل المواقع المعنية الفترات والحقب التالية لحُكم الملك والمُتعلقة بثورة يوليو ورجالها وصراع عبد الناصر ومحمد نجيب، فقد أتاحته أمام الراغبين في الاطلاع علية ليتسنى لهم الإحاطة بتفاصيله. لكن ما يُثير الدهشة والامتعاض هو ذلك الاجتزاء الذي يحدث لبعض الوقائع فُيغيب الحقيقة التاريخية الكاملة، إما تبنياً لوجهة نظر معينة أو نتيجة تلف في بعض أجزاء من التسجيلات النادرة التي يتم وضعها على اليوتيوب بدون مُعالجة تقنية للأجزاء التالفة والمُنتهية صلاحيتها.
وإذا تخطينا أزمة العيوب التقنية الموجودة في بعض المواد والتسجيلات القديمة، فإن الأحدث والجديد بالمحتويات الأخرى لا يتضمن في معظمه قيمة تُذكر، غير أنه يُستخدم كمادة للتسلية وقتل الوقت فقط أو يُستغل كمستندات قوية في حالات الحرب بين الشخصيات المُتصارعة ويساعد بشكل كبير في تأجيج نار الحقد والغضب وتعظيم الفتنة على مستويات كثيرة بين أطراف وجهات وشخصيات ومُجتمعات وفئات، حيث تنتفي ثقافة الاختلاف عند الكثيرين فتتسع دوائر الشر والتآمر إذا ما سنحت الفرصة بامتلاك أسلحة من هذا النوع الإعلامي الخطير، وهو ما تُشكله بالفعل ظواهر التهديد والوعيد التي يشهدها الجمهور يومياً على الشاشات وفي بعض برامج التوك شو!