قد يخطىء من يعتقد أن الأزمة الخليجية بين قطر وجيرانها وبالأخص السعودية، بدأت بحادثة اختراق وكالة الأنباء القطرية وفبركة تصريحات نسبت لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فالعلاقات القطرية – السعودية مرت بمراحل مختلفة عرفت فترات من المد والجزر، أحيانا تتصف بالاستقرار والتفاهم الانسجام، وأحيانا أخرى يسودها التوتر واللاتجانس وعدم الاتفاق.
إلى أمد ليس ببعيد، قبل خمس سنوات فقط، وبالضبط في مارس/آذار 2014، طفحت إلى السطح أزمة سحب السفراء من قطر، حيث سحبت كل من السعودية والبحرين والإمارات سفراءها لدى قطر بسبب ما وصفوه بعدم التزام الدوحة بمقررات تم التوافق عليها سابقا بمجلس التعاون الخليجي، يعُتقد أن أبرزها هو الموقف القطري من عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي بعد أحداث 30 يونيو/حزيران الذي يراه الاعلام المحسوب على قطر بأنه انقلاب 3 يوليو/تموز في مصر، ودعم دولة قطر لما اعتبروه “الفوضى وعدم الاستقرار” بالمنطقة، وما تراه الدوحة ثورات الربيع العربي وعلاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين “المحظورة” و”المتطرفة” من وجهة النظر الاماراتية السعودية، والتعاطي الإعلامي لقناة “الجزيرة” مع بعض الأحداث، وهو ما تراه الدول المحتجة بأنه تحريض وإعلام موجه، وكذا الخلاف حول طريقة مكافحة الإرهاب وعدم بذل دولة قطر ما يكفي لمكافحته او الإتهام بتمويله واعطاء جماعات العنف منابر فضائية للتعبير عن افكارها، بالإضافة طبعا إلى طبيعة العلاقات مع إيران.
ويؤكد العديد من المصادر الإعلامية والسياسية والشخصيات الدولية أن السبب وراء التوتر بين السعودية وقطر في العشر سنوات الأخيرة على الأقل، يعود إلى رغبة ومحاولة دول الحصار سحب تنظيم كأس العالم 2022 من الدوحة، موضحة أن تلك البلدان شعرت بغيرة كبيرة بأن أهم حدث كروي في العالم ستنظمه دولة عربية (صغيرة)، ولذا قامت بـ”افتعال أزمة” كذريعة للمطالبة بإلغاء الحدث برمته.
وحذرت هذه المصادر من أن أزمة تهدد كأس العالم تقف وراءها بلدان الحصار الأربعة، بعدما قطعت العلاقات التجارية والدبلوماسية مع قطر، معتبرة أن تأمين هذا الحدث العالمي الكبير يستدعي قيام تلك الدول برفع حصارها عن الدوحة.
ويشير مقال كتبه آنتوني هاوورد في صحيفة “الإندبندنت”، أن الإمارات وقطر تخوضان منذ سنوات منافسة كبيرة لنيل النفوذ بالمنطقة، مضيفا أنه اتضح من رسائل بريد مسربة للسفير الإماراتي بواشنطن، يوسف العتيبة، أن البلدين في 2011 تسابقا على من سيكون أول من يفتتح مكتب حركة “طالبان”، حتى يكون لاعبا رئيسيا في المنطقة حينما يتعلق الأمر بمحادثات السلام مع الولايات المتحدة الأميركية. وعندما اختار الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، قطر لاحتضان مكتب “طالبان”، اعتبرت الإمارات أن وجود ذلك المكتب بالدوحة يعد “دليلا على دعم قطر للإرهاب”.
وفي موقف إماراتي آخر، كتبه مسؤول الشرطة والأمن في دبي، ضاحي خلفان، الذي كان صريحا إلى أبعد الحدود، وقال في تغريدة له على “تويتر”، “يمكن حل الأزمة الخليجية إذا تخلت قطر عن استضافة بطولة كأس العالم عام 2022”.
لكن الحكومة القطرية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحريض، حيث أكد مدير مكتب الاتصال الحكومي في قطر، الشيخ سيف بن أحمد آل ثاني، أن “استضافة الدوحة لكأس العالم أمر غير قابل للنقاش أو التفاوض”. وأشار إلى أن “طلب دولة الإمارات العربية المتحدة بتخلي دولة قطر عن استضافة كأس العالم يبيّن أن الحصار غير قانوني وقائم على الغيرة المحضة”. فيما أكد أمين عام اللجنة العليا للمشاريع والإرث القطرية المسؤولة عن مشاريع الملاعب والبنية التحتية الخاصة بالمونديال، حسن الذوادي أن محاصرة بلاده “لن تشكل خطرا” على البطولة.
ترفض قطر الاتهامات وتؤكد أنها “ملتزمة” بميثاق مجلس التعاون الخليجي و”تضطلع بواجباتها في مكافحة الارهاب والتطرف
ويذهب البعض إلى اعتبار أن أسباب وخلفيات الأزمة الخليجية تعود أساسا إلى الموقف مما حدث في بعض دول الربيع العربي، فضلا عن تحديد العلاقة مع إيران ومع الإسلاميين . فالمعروف أن دول الخليج دعمت أطرافا مختلفة خلال التغيرات السياسية التي أعقبت ما يعرف بـ”الربيع العربي”. لكن الدوحة على وجه الخصوص اعتُبرت مؤيدة للإسلاميين الذين استطاعوا تحقيق مكاسب سياسية في بعض الدول. فدول الحصار ترفض توفير قطر الحماية لكثير من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين بعد عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، أحد قادة الجماعة المحظورة حاليا من قبل الحكومة المصرية، والمصنفة بأنها “إرهابية” من طرف الإمارات والسعودية. كما تتهم دول الحصار قطر رسميا بأنها “تتبنى مختلف الجماعات الإرهابية والطائفية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) والقاعدة”. وبشأن إيران تتهم السعودية الدوحة “بدعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف” وهي منطقة ذات غالبية شيعية تقع شرقي السعودية. كما تتهمها بدعم المتمردين الحوثيين في اليمن. في حين يتهم خليفة حفتر، القائد العسكري الليبي الذي تدعمه مصر والإمارات، قطر بدعم “الجماعات الإرهابية”.
وترفض قطر كل هذه الاتهامات وتؤكد أنها “ملتزمة” بميثاق مجلس التعاون الخليجي و”تضطلع بواجباتها في مكافحة الارهاب والتطرف”. كما تشدد الدوحة التي شاركت في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن على أنها “تحترم سيادة الدول الأخرى ولا تتدخل في شؤونها الداخلية”.
احتلال قطر وظلام دبي
وذهب مسؤول قطري بعيداً في رد اتهامات دول الحصار، كاشفا عن الأسباب الحقيقية للأزمة الخليجية، حيث قال عبد الله العطية نائب رئيس الوزراء ووزير الطاقة والصناعة القطري السابق في حوار مع جريدة “لوسيل” إن دول الحصار كانت تهدف إلى غزو قطر والاستحواذ على ثرواتها. وتحدث العطية عن دراسة في السعودية قامت بها جامعة الرياض ثم سحبتها، مفادها أن المملكة في 2032 لن تستطيع بيع برميل نفط واحد من النفط للخارج، فقررت احتلال أكبر منتج للغاز في العالم، وهي قطر. ويقول العطية أن السعودية والإمارات حاولتا تمرير هذه المؤامرة لإقناع العالم، وحاولتا الحصول على الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية الجديدة لكنهما فشلتا. ويؤكد العطية أنه بعد سقوط هذا الخيار راهنت دول الحصار على سقوط وانهيار الاقتصاد القطري من خلال الحصار البري والجوي والبحري، والذي بالضرورة سيسقط الدولة التي تصبح جاهزة للانضمام للسعودية. لكن حدث العكس فقد خسرت دول الحصار السوق القطرية إلى الأبد.
وذهب رئيس مجلس الشورى القطري، أحمد آل محمود، إلى أبعد من ذلك بكثير، عندما قال أن الإمارات قاطعت كل شيء مع قطر، ما عدا الغاز القطري. وتابع آل محمود: “لو قطعنا الغاز على الإمارات، وهذا من حقنا وفقا للقوانين الدولية، لأنهم هم من بدؤوا الحصار، لغرق ثلث دبي وثلث أبو ظبي في الظلام”، مشيرا أن توجيهات أمير البلاد كانت بأنه لا يريد للناس أن تعاني.
عقود من الخلافات
وعموما فإن الأزمة الحالية التي تمر بها العلاقات بين قطر والسعودية وبعض دول الخليج الأخرى، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلافات بين الرياض والدوحة يرجع تاريخها إلى عدة عقود من الزمن.
ولا يعود الأمر إلى الموقف من الإسلاميين ومن إيران فقط، بل يعود أيضا إلى نزاعات حدودية وسياسية، فمسألة الإسلاميين، ليست السبب الرئيسي في الخلافات، لأن السعودية نفسها كانت من أشد داعمي الجماعات الاسلامية السنّية بكافة أطيافها واستعملتهم لتعزيز مواقعها في صراعاتها مع منافسيها الاقليميين وضد الاحزاب اليسارية وحتى ضد قوى عظمى مثل الاتحاد السوفييتي السابق.
مسألة الإسلاميين، ليست السبب الرئيسي في الخلافات، لأن السعودية نفسها كانت من أشد داعمي الجماعات الاسلامية السنّية بكافة أطيافها واستعملتهم لتعزيز مواقعها في صراعاتها مع منافسيها الاقليميين
في عام 1965 تم توقيع اتفاق ترسيم الحدود بين السعودية وقطر، إلا أن الحدود ظلت دون ترسيم. وكانت السعودية قد تنازلت لصالح الامارات عن أجزاء من واحة البريمي مقابل تنازل الأخيرة عن الشريط الساحلي المعروف بخور “العديد”، ولم تعد هناك حدود مشتركة بين قطر والامارات وبات لزاماً على القطريين المرور عبر السعودية للوصول إلى الامارات. وعبرت قطر عن تذمرها وعدم رضاها عن ذلك مراراً.
وفي عام 1992 وقع صدام مسلح على الحدود بين البلدين أدى إلى مقتل شخصين. وتعرف هذه المواجهة باسم معركة “الخفوس” وأدت الى مقتل ضابط سعودي وجنديين قطريين وسيطرة السعودية على منطقة “الخفوس”.
في عام 2002 استدعت السعودية سفيرها لدى قطر بعد ظهور معارض سعودي على قناة “الجزيرة” القطرية انتقد الأسرة الحاكمة في السعودية.
وفي عام 2005 ربحت زوجة أمير قطر السابق ووالدة الأمير الحالي الشيخة موزا دعوى تشهير رفعتها ضد صحيفة “الزمان” التي كانت تصدر في العاصمة البريطانية حيث اتهمت الصحيفة الشيخة موزة بالتعامل مع اسرائيل. وخلال المحاكمة أبرز محاميها وثيقة تثبت “تمويل المخابرات السعودية للصحيفة وعمل الصحيفة كوسيلة إعلام للتشهير بقطر والأسرة الحاكمة”.
وفي عام 2007 تتحسن العلاقات بين البلدين بعد زيارة مفاجئة قام بها أمير قطر ورئيس الوزراء إلى السعودية، تلاها حضور العاهل السعودي قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في الدوحة. لكن العلاقات سرعان ما عادت إلى مسار التوتر بين البلدين مع اندلاع أحداث الربيع العربي، خاصة في مصر، حيث وقفت قطر مع المتظاهرين وسخرت قناة “الجزيرة” التلفزيونية لهذا الغرض بينما وقفت السعودية الى جانب نظام مبارك.