يرى العديد من المحللين أن قطر بعد سنتين من الحصار المفروض عليها من طرف السعودية والإمارات والبحرين ومصر، انتقلت من احتواء تداعيات هذا الحصار إلى بناء منظومة سياسية واقتصادية مستقلة، وبنت شراكات جديدة ووسعت من تحالفاتها القائمة وفتحت آفاقاً جديدة في التعاون مع منظمات ودول وقارات العالم. كما يجمع الكثيرون أن هذه الأزمة جعلت قطر توظف إمكاناتها الحقيقية، وتسعى للاستقلال في قرارها السياسي والإقتصادي بعيداً عن دبلوماسية الهيمنة التي تمارسها السعودية على دول الخليج.
ويتفق العديد من المحللين أن كل طرف من أطراف الأزمة الخليجية أصيب بآثار سياسية أواقتصادية أواجتماعية لهذه الأزمة، ولكن بدرجات مختلفة. لكن أكثر الأضرار هو ما تعرضت له المجتمعات الخليجية التي تأثرت معنويا بشكل كبير وغير مسبوق نتيجة قطع الأرحام.
الكاتب القطري عبد العزيز آل محمود لم يتفاجأ بالسلوك السعودي والإماراتي، وقال لـ”القدس العربي” أن الصراع بين البشر على المصادر أزلي لن يتوقف ، ولكن يجب أن نحاسب أنفسنا على الشعور الوهمي بالأمان ، وكأننا لا ننتمي لهذا العالم المتوحش ، يجب أن نستعد ونعلم أطفالنا إننا في عالم متوحش ، عالم يجب أن نكون مستعدين فيه لكل شيء. ويضيف إن العالم من حولنا متفجر وكأننا في منطقة براكين لا نعلم متى ستخرج حممها ،إن بقاءنا ساكنين مستمتعين بما في أيدينا من خيرات هو وهم عابر وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وما حدث هو درس قاس لنا أتمنى أن نستفيد منه.
ويتحدث آل محمود عن تجربته الشخصية مع دول الحصار، فيقول “قبل الحصار بسنوات طويلة تم منعي من دخول السعودية وبعدها منعت من دخول الامارات، عندما كنت اعمل في صحيفة العرب سألني صحفي ان كانت زيارة الملك عبدالله الى قطر (أظنها عام 2007) هي نهاية المشاكل بين البلدين ، فقلت له لا ، لأننا نعتمد على دبلوماسية حب الخشوم لحل مشاكلنا الخليجية وهي دبلوماسية ليس لها معايير ولا أسس ولا تصلح لحل الخلافات بين الدول ،هذه الدبلوماسية يجب ان تنتهي”.
ويضيف “آخر مشاكلي مع دولة الإمارات كانت عندما نشرت قصة تعذيب عيسى بن زايد للعامل الأسيوي في الصفحة الأولى في الصحيفة ، وهي قصة نشرتها الصحافة العالمية حينها ، ثم نشرت في الصفحة الأولى أيضا نص تقرير نشرته الواشنطن بوست عن خطورة بيع المفاعل النووي للامارات ،وقد اتصل بي السفير الإماراتي في الدوحة غاضبا وحاول معرفة وجهة نظري”.
من محنة إلى منحة
ويقول المحلل السياسي وعضو رابطة رجال الأعمال القطريين، جابر الحرمي لـ”القدس العربي” أن قطر بعد عامين من افتعال الأزمة الخليجية من قبل السعودية الامارات والبحرين ودعوة مصر للانضمام إلى هذا الحلف، انتقلت من احتواء تداعيات هذا الحصار وهذه الأزمة إلى بناء منظومة جديدة مستقلة تتعامل مع المستقبل بعيدا عن الإلتفات إلى الماضي. حيث استطاعت قطر خلال عامين أن تبني منظومة متكاملة داخليا، فيما يتعلق بالجبهة الداخلية والرهان الاقتصادي والإكتفاء الذاتي. ليس هذا فقط وإنما البدء في تصدير العديد من المنتجات التي كنا في السابق نعتمد كليا على دول مجاورة لاستيرادها وتوفيرها للمستهلك القطري.
قطر بنت تحالفات وشراكات جديدة ووسعت من تحالفاتها القائمة وفتحت آفاق جديدة في التعاون مع منظمات ودول وقارات العالم المختلفة
وأضاف أن قطر خلال هذه الفترة بنت تحالفات وشراكات جديدة ووسعت من تحالفاتها القائمة وفتحت آفاق جديدة في التعاون مع منظمات ودول وقارات العالم المختلفة، وهذه التحالفات والشراكات، يقول الحرمي، أن قطر لن تتخلى عنها قطر في المستقبل حتى وإن انتهت الأزمة التي استطاعت قطر من خلالها أن تقدم نموذجا مميزا في الإدارة وفي التعاطي والتعامل مع مختلف المجالات. ويؤكد الحرمي أن بلاده تعاملت مع الأزمة برقي عالي وهو ما أكسبها مصداقية وثقة لدى المجتمع الدولي. كما يشير أن قطر لم تتصرف مع دول الحصار بردات فعل فورية غير مدروسة، وإنما ضلت متماسكة بعيدا عن الإنجرار وراء ما أرادت دول الحصار أن تدخل قطر فيه، ولجأت إلى المنظمات الدولية سواء كان ذلك في الجانب الإقتصادي او الاجتماعي او الحقوقي والرياضي والثقافي.
ويؤكد الحرمي أن قطر بعد عامين من الحصار خرجت أقوى مما كانت، وبعلاقات أوثق من قبل، تعاملت مع الأزمة تعاملا أخلاقيا بالدرجة الأولى، فلم تتخذ أي خطوات معادية لدول الحصار التي طردت القطريين الذين يتواجدون على أراضيها بما فيهم الحجاج والمعتمرين.
ويعرج عضو رابطة رجال الأعمال القطريين على الجوانب الإقتصادية، خاصة مسألة الإكتفاء الذاتي، ويؤكد الحرمي أن قطر استثمرت في الأزمة التي حولتها من محنة إلى منحة في كل القطاعات لكي تتحول إلى مكاسب حقيقية. فخلال سنتين من الحصار تم إنشاء أكثر من 32 ألف شركة جديدة، بزيادة تقدر بـ 34% مقارنة بالسنتين اللتين سبقتا الحصار، كما أصدرت قطر أكثر من 250 رخصة صناعية لمصانع مختلفة، وأعادت هيكلة مؤسساتها وطورت من تشريعاتها وحدثت قوانينها وكيفتها لتوجد بيئة اقتصادية صحية ومميزة تستقطب الاستثمارات المختلفة. ويضيف أنه على سبيل المثال، الألبان ومشتقاتها كانت قطر تستورد 95% من احتياجاتها خاصة من السعودية والإمارات، اليوم لم تحقق قطر الإكتفاء الذاتي فحسب من هذه المادة بل بدأت في التصدير إلى الخارج، وفتحت أسواقا جديدة لايصال منتجاتها.
مشاريع استراتيجية
ويشير الحرمي إلى مسألة مهمة، وهي أن قطر خلال العامين الماضيين لم تشهد توقفا لأي مشروع حيوي، سواء ما تعلق بمشاريع كأس العالم أو مشاريع البنية التحتية أو غيرها. بل على العكس بدأت قطر بمشاريع استراتيجية جديدة. ويضيف أنه بالنسبة للجانب التنموي وحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، قطر هي الأولى خليجيا وقد قطعت أشواطا كبيرة حيث يتوقع أي يكون نسبة النمو 2.8 % مع نهاية السنة الجارية، ويصل السنة المقبلة إلى 3%. كما ارتفع حجم التجارة الخارجية بنحو 16% خلال العامين الماضيين.و سجلت قطر فوائض في الموازنة عكس دول الحصار التي تعاني من عجز في ميزانيتها، وشهدت هروب غير مسبوق لرجال الأعمال، ورأينا كيف فعلت السعودية مع رجال الأعمال الذين وضعتهم رهن الاعتقال في السجون وفي الفنادق فيما سمي بـ”معتقلي الريتز”. ويضيف أن السعودية حاليا تعاني عجزا في الميزانية يفوق 130 مليار، وهذا كله ،يضيف الحرمي، ناتج عن العبث والمغامرات التي تقوم بها، سواء في اليمن أو ليبيا اومصر..إضافة إلى نسبة الفساد العالية المستشرية في المملكة.
قطر خلال العامين الماضيين لم تشهد توقفا لأي مشروع حيوي، سواء ما تعلق بمشاريع كأس العالم أو مشاريع البنية التحتية أو غيرها
أما بالنسبة للمفكر القطري جاسم سلطان مدير عام “مركز الوجدان الحضاري” فيؤكد لـ”القدس العربي” أن أكبر الآثار التي أنتجتها الأزمة هي افتقاد الثقة بين الجيران وهذا غير قابل للاصلاح، وأن كمية الوعي عند صنّاع القرار في دول الحصار لا تسمح بحدوث سيناريو لانفراج الأزمة، التي يتوقع بأن أقرب سيناريو لتغيراتها هو بقاءها على حالها أو أن تزداد سوءا، مالم تقع تطورات مفاجئة تجعل الجميع يعيد احساباته، خاصة في ظل غياب تطور حقيقي في الجهاز المعرفي الكلي لمجتمعاتنا.
ويقول أن كل أطراف الازمة الخليجية اصيبت بدرجات مختلفة اقتصاديا، لكن المجتمعات تأثرت معنويا بشكل كبير نتيجة قطع الأرحام فلا رابح في مثل هذه التراجيديا.ويشير إلى أن قطر تعاملت مع الأزمة بسرعة ترتيب الاوراق الاقتصادية والدفع لبناء القدرات المحلية اقتصاديا وعسكريا وتلاحم المجتمع والدولة مما خلق فرصة لميلاد جديد تبدو معالمه واضحة اليوم.
ويضيف أن الحدث غير كل التقديرات الجيواستراتيجية السابقة بالنسبة لقطر وبالتالي فصياغة أجندة الأمن الوطني سيكون فيها الحدث حاضراً مهما طال الزمن. وهذا يعني الكثير بالنسبة للسياسات الخارجية والداخلية بحيث تظمن التقليل من مخاطر حدوث ذات السيناريو في المستقبل.