بيروت-“القدس العربي”: على الرغم من عدم اقتناع المتظاهرين في الساحات والطرقات بالورقة الإصلاحية التي أقرّها مجلس الوزراء وأعلن عنها رئيس الحكومة سعد الحريري، إلا أن هذه الورقة ما كان لها أن تبصر النور لولا الضغط الشعبي الذي أدخل البلاد في حالة شلل وإقفال شبه تام. وتُقدّر خسائر التعطيل اليومي على اقتصاد البلد بما بين 25 إلى 50 مليون دولار حسب الخبراء الاقتصاديين.
وإعلان رئيس الحكومة أنه سيتم خفض قيمة الدين العام 6 مليار دولار في مشروع موازنة 2020 ليصبح العجز 0.6 في المئة هو إشارة إيجابية للأسواق العالمية. من المعلوم أن خفض هذا العجز لم يكن وارداً لولا مساهمة المصارف ومعها مصرف لبنان بمبلغ 5100 مليار ليرة.
غير أن هذه المساهمة من المصارف ترافقت مع تحذير وكالة التصنيف الدولية “موديز” من “أن الثقة في قدرة الحكومة اللبنانية على خدمة ديونها قد تتقوّض بدرجة أكبر بسبب خطتها لإجبار المصارف على القبول بسعر فائدة أقل على دينها”. وقالت إنّ “زيادة ضرائب القطاع المالي ستكون ذات أثر اتئماني سلبي على المصارف، حيث ستضغط على عوائدها الضعيفة أصلاً وقدرتها على امتصاص الصدمات”.
والواقع أن القطاع المصرفي هو القطاع الوحيد الذي ما زال محافظاً على تماسكه وقوته إلا أن هذا القطاع الذي يشكّل العمود الأساسي لما تبقّى من اقتصاد مزدهر تعرّض لتهجّمات من قسم من المتظاهرين ولمطالبة بإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد اتهامه بالتغطية على الفساد وإعطاء قروض سكنية مدعومة لكبار الرأسماليين كالرئيس نجيب ميقاتي وابنه وشقيقه وكبار القضاة. وقد يكون سبب هذا التهجّم على سلامة هو التزامه بتطبيق العقوبات الأمريكية على حزب الله وترجمة لما سبق وتردّد عن تحضير الحزب لاستهداف القطاع المصرفي.
وتزامناً مع حركة الاحتجاج أقفل القطاع المصرفي في لبنان أبوابه تخفيفاً من الطلب الكبير على الدولار وتفادياً لانخفاض قيمة العملة اللبنانية وخوفاً من قيام زبائن بتحويلات خارجية للدولار خصوصاً من قبل الأثرياء والفاسدين مع العلم أن تأزم الوضع الاقتصادي والمالي أدى ويؤدّي إلى استنزاف احتياطي مصرف لبنان بالعملة الصعبة. وبرّر مجلس إدارة جمعية مصارف لبنان هذا الاقفال “باستمرار الأوضاع الأمنية المضطربة وإقفال معظم الطرق وحرصاً على سلامة العملاء وموظفي القطاع وممتلكاته” علماً أن ثاني أيام التظاهرات شهد دخول مندسين قاموا بتحطيم واجهات 3 مصارف في وسط بيروت. وعليه سيقتصر عمل المصارف على تأمين رواتب الأُجَراء والمستخدمين والموظفين في نهاية الشهر الجاري من خلال أجهزة الصرّاف الآلي المنتشرة في مختلف الأراضي اللبنانية.
وعلى الرغم من النقطة الإيجابية المتمثّلة بتخفيض العجز نتيجة مساهمة المصارف، إلا أن البعض وبينهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط نظر إلى الإصلاحات المقترحة على أنها “مخدّرات واهية” وتمنى هذا البعض لو اكتفت الحكومة ببضعة بنود بدلاً من لائحة تخديرية طويلة وصلت إلى 24 بنداً معظمها مؤجّل التنفيذ ويحتاج إلى اقرارها بقوانين.
ولعلّ أبرز بند يطالب به المتظاهرون هو استعادة الأموال المنهوبة التي إذا ما استُردّت من شأنها كما يرون سداد الدين العام في لبنان المقدّر بما بين 90 إلى 100 مليار دولار وستغني لبنان عن مليارات “سيدر” في وقت يتحدث البعض عن أن الأموال المحوّلة إلى حسابات في الخارج تتجاوز هذه الأرقام بأضعاف.
وكان لبنان بسبب السلطة الفاسدة احتلّ المرتبة 138 بين 180 دولة ضمن مؤشّر الفساد عالمياً لعام 2018 وفي المرتبة الـ13 عربياً وذلك في غياب المحاسبة والمساءلة. ومنذ عام 1990 فإن المرة الوحيدة التي رفعت فيها الحصانة عن نائب كانت في منتصف التسعينيات عندما تمّ رفع الحصانة عن النائب يحيى شمص بضغط سوري إضافة إلى الوزير شاهي برصوميان في عهد الرئيس اميل لحود انتقاماً من عهد الرئيس الياس الهراوي فيما محاولة فتح ملف الرئيس فؤاد السنيورة كوزير سابق للمال لم تصل إلى نهاية.
يبقى أن الورقة الإصلاحية التي شكّلت نقلة نوعية لم تلقَ التجاوب التام من المنتفضين انطلاقاً من اعتبارهم أن المتسببين بالفساد وبالأزمة المالية والاقتصادية لا يمكن أن يكونوا هم أنفسهم أبطال الحل في ظل انعدام الثقة بهم وخيبة الأمل من وعودهم المتكررة.