مشهد من فيلم «شاب»
في دراسة نُشرت قبل فترة عن السينما العربية الممولة، أشار الكاتب والباحث المصري محمود قاسم إلى عدة نقاط جوهرية في علاقة التمويل الأجنبي بالقضايا الأساسية لدى الشعوب والمُجتمعات، وقد خص قاسم السينما الجزائرية بالنظر في بعض إنتاجها المُتميز كنموذج للطرح الثقافي والاجتهاد في تحديد أطر التعبير بطرق وأساليب تضمن وصول الرسالة المعنية والمُتضمنة بغير عوائق تحول دون إتمام المعنى.
ويختار الكاتب والباحث من بين المخرجين الجزائريين المخرج وكاتب السيناريو رشيد بوشارب ليطرح من خلال أعماله عينات من أفلام ممولة تمويلاً فرنسياً، لكنها تناقش قضايا ومُشكلات الجزائريين، وتعمل على ربط المواطن الجزائري المُغترب بوطنه الأم، رغم استقراره في فرنسا.
وتأتي الإشارة في هذا الخصوص إلى واحد من أهم أفلام بوشارب «شاب» المُنتج عام 1991 وهو عمله السينمائي الأول، الذي شاركت في كتابته الكاتبة كرستين زريب، والمخرج عبد الكريم بهلول، وهو إنتاج جزائري فرنسي مُشترك، تدور أحداثه كاملة في الجزائر من خلال شخصية مروان، الشاب الذي يُفاجأ بعد بلوغه سن السادسة عشرة من العُمر بطرده خارج فرنسا دون إبداء أسباب، رغم أنه مولود فيها، وتأتي تعليلات الطرد من السلطات الفرنسية بأنه جزائري الأصل وعليه العودة إلى بلاده.
وهنا يدخل البطل الشاب في أطوار من الكآبة، بعد أن يجد نفسه بعيداً عن المحيط الذي تربى فيه، وكوّن فيه صداقاته ومعارفه، ويظل معزولاً فتسوء حالته الصحية والمعنوية، وتبقى الرسالة الدالة على الأحداث واضحة تمام الوضوح، حيث أزمة الاغتراب والوحدة والقهر والضياع.
ويمد المخرج رشيد بوشارب الخط على استقامته، فيُنجز في العام الثاني على التوالي لتاريخ إنتاج فيلمه الأول، الفيلم الثاني «السنوات المُمزقة» وتدور الفكرة حول دور الجزائريين في الحرب العالمية الثانية، من خلال علاقة صداقة تربط بين «مولود» البطل الجزائري، وبيير الفرنسي اللذين يشاركان في الحرب ضد الألمان، وعقب انتهاء الحرب يعود الصديقان إلى الجزائر وتتوطد العلاقة بينهما أكثر، لكن سرعان ما تقوم الثورة الجزائرية عام 1954 وتُلقي ظلالها على العلاقة بين الطرفين فيفترقان بعد سنوات من الود والمعرفة والترابط.

رشيد بوشارب
وفي الفيلم الثالث «رفات الحياة» المُنتج في عام 1994 يترك المخرج الكبير مُشكلات فرنسا والجزائر، ويذهب إلى منطقة أخرى وصراع مُختلف، حيث حرب فيتنام والصراع الأمريكي والحالات الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتتسم رؤية الفيلم بالحس المُرهف للمخرج إزاء أزمات المواطنين البسطاء ضحايا الحروب، فهم وحدهم من يتحملون تكلفة الدمار والضرب من الدماء والأرواح. وتبدو الصورة في فيلم «رفات الحياة» تراجيدية وكئيبة، لكنها في الوقت ذاته بالغة الإنسانية والإبداع ويغلب عليها الطابع الوثائقي كونها تؤرخ لفترة مهمة سادت فيها الحرب وطُمست فيها كثير من الحقائق وأظهرت عناء الإنسان في غياب العدالة والرحمة.
وفي عام 1996 يعود رشيد بوشارب إلى موطنه الأصلي الجزائر فيُعانق ثقافته العربية ويطرح مُجدداً مُشكلات بلادة وقضاياها في فيلمه «شرف عائلتي « الذي يكتبه بنفسه ويعكف على إعداد مادته ويخرجه بغير مساعده من أي أطراف فرنسية، ذلك أنه يتجه في رؤيته الإخراجية وتصويره الإبداعي إلى الولوج في المُشكلات الجزائرية الخاصة والعميقة، التي تتصل بالعادات والتقاليد والمبادئ والقيم، فهو يطرح قضية الشرف من المنظور العربي بمفهومها التقليدي وصياغتها الإنسانية.
ويضع بوشارب في أحداث فيلمه «شرف عائلتي» علامات استفهام حول المعنى الحقيقي للشرف، ويطرح تساؤلاته عما إذا كان مفهوم الشرف مقصورا فقط على النسب والعرض والإنجاب الشرعي، بعيداً عن جرائم الاعتداء والحمل السفاح، كما هو حال البطلة، التي تبحث لابنها عن أب ونسب فينكشف سرها فتصير موصومة بالعار وهي المُعتدى عليها!
لقد حاول الفيلم أن يُقدم رسالة مفادها مُختلف عن المفهوم المُحدود للشرف في المُجتمعات العربية، فالعزة والكرامة هي مُفردات تحمل الكثير من التفسير، سواء اتصل بعضها بالمفهوم الدارج لمعنى كلمة الشرف، أو كان اتصالها بالقيمة الحقيقية للحياة بشكل عام، فالإنسانية شرف والعدل شرف والمساواة شرف والعطاء شرف والوفاء شرف والإخلاص شرف، أي أن معنى الكلمة أوسع بكثير من الانطباعات المُباشرة لها في الأذهان، فالشرف ليس مُصطلحاً اجتماعياً، وإنما هو ممارسة حياتية وسلوك عام قائم على قاعدة تأسيسية لمنظومة ضخمة من القيم والمبادئ والأخلاق بمعايير ثابتة لا تقبل الجدل أو المساومة.
ومن بين الأفلام المهمة أيضاً للمخرج رشيد بوشارب، التي أشارت إليها رسالة محمود قاسم فيلم «أهل البلاد» الذي قامت ببطولته مجموعة من المُمثلين الفرنسيين من أصل جزائري، مع النجم جمال دبوس أحد أشهر النجوم الجزائريين الكبار، وقد أثار الفيلم المذكور ضجة واسعة الأصداء عام 2006 لإشارته بشكل صريح إلى دور أبناء الشمال الافريقي في الحرب العالمية الثانية، حين احتلت ألمانيا فرنسا فشارك أبناء المُستعمرات الفرنسية من الجزائر وتونس والمغرب والسنغال وموريتانيا في المقاومة دفاعاً عن البلاد التي يريدون طردهم منها، ويستنكرون وجودهم فيها، لهذا اعتبر هذا الفيلم عملاً استفزازياً وتمت مهاجمته من قبل الجمهور الفرنسي والنقاد.
كاتب مصري