بعد انهيار منظومة القيم والأخلاق وتربص الدراما التلفزيونية بما تبقى من التقاليد الاجتماعية، كان ضرورياً العمل على ضبط إيقاع المُسلسلات التجارية والحد من تغلغلها وتأثيرها داخل قطاعات كثيرة من قطاعات المُجتمع المرهونة بالثقافة والإبداع، لا سيما القطاعات الشبابية والتربوية. فالدراما بصفة خاصة تمتلك أدوات التأثير السحري على عامة الناس وتظهر أصداؤها سريعاً في ردود أفعال الشارع بشرائحه ومستوياته المختلفة.
من هذا المنطلق تبنت الشركة المُتحدة للخدمات الإعلامية حملة قومية تستهدف التوعية والإحاطة بأضرار المُصنفات الدرامية الفاسدة التي تنتج عن سهولة الكتابة الإبداعية والتركيز بالدرجة الأولى على العائد المادي لتسويق المضمون الفني مُنتهي الصلاحية.
وقد جاءت المُبادرة بدافع المُحافظة على سُمعة المُنتج الفني المصري بعد زيادة حالات النقد والرفض لما تم إنتاجه وعرضه وتوزيعه خلال الأعوام الماضية في الموسم الرمضاني وغيره من مواسم الترويج الإضافية على مدار السنة. فحسب قياسات الرأي العام ومؤشرات التوزيع المحلية والإقليمية لم تكن النتائج في صالح الدراما المصرية إلا في حدود مُعينة تتصل ببعض الأعمال الاستثنائية التي كرست لمبدأ المنفعة العامة وعملت على تطوير اللغة الدرامية بما يليق بوظيفتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية، وهي عينات قليلة وردت على استحياء في جدول العروض الموسمية من باب تزيين اللوحة الفنية وحفاظاً على ماء الوجه ليس إلا!
وربما كان من أبرز الأعمال الهادفة والمهمة في الموسم الدرامي الماضي، مسلسل «مين قال» للمخرجة نادين خان وبطولة جمال سليمان وأحمد داش كونه اهتم بالجانب التربوي والأخلاقي قبل أن ترفع المتحدة للخدمات الإعلامية شعار «أخلاقنا الجميلة» في حملتها الإعلانية للمشروع الدرامي المُرتقب.
وكذلك حفل الموسم الرمضاني الفائت أيضاً ببعض النماذج الدرامية المتميزة كمسلسل «بطلوع الروح» للمخرجة كاملة أبو زكري وبطولة منه شلبي وإلهام شاهين وأحمد السعدني، بالإضافة إلى أعمال أخرى كـ»جزيرة غمام» و«الاختيار» و«هجمة مُرتدة» وفاتن أمل حربي، وهي النوعيات التي تأكد تميزها بقبول الجمهور لها وفوزها بجوائز مهرجان القاهرة للدراما الذي أقيم خلال شهر أيلول/سبتمبر الماضي تحت رئاسة الفنان يحي الفخراني.
ولا شك في أن نجاح المُسلسلات المُشار إليها كان دافعاً وراء دعم الشركة المُتحدة للنوعيات الدرامية المُبشرة في سياق مشروعها القومي لإنقاذ الدراما المصرية من لُجة الإسفاف والهبوط والمُنتظر بوادره في رمضان المُقبل، حيث المأمول هو اختفاء مُسلسلات البلطجة ومعارك الدم والسلاح الأبيض والخيانات الزوجية المزعومة في الحارة المصرية والتي ظهرت في أعمال أقل ما يُقال عنها أنها ضعيفة ورديئة ودون المستوى.
وبرغم وجاهة وأهمية المُبادرة التي تتبناها المُتحدة للخدمات الإعلامية تحت شعار أخلاقنا الجميلة، تظل هناك بعض الهواجس والمخاوف من هيمنة المُتحدة على الإنتاج الدرامي واحتكاره تماماً بما يقطع الطريق على المُحاولات الإنتاجية الأخرى ويضع البيض كله في سلة واحده، فلا نرى من أصناف الدراما التلفزيونية المصرية وألوانها غير ما تُصدره لنا المُتحدة كجهة وحيده للإنتاج تضطلع باختيار ما يروق لها من أفكار وموضوعات ونجوم، فيُصبح الناتج الفني والإبداعي مُتشابهاً وخاضعاً لمزاج ثقافي بعينه يغلب عليه وفق ما هو مُعلن الطابع التعليمي والتربوي والأخلاقي فتفقد الدراما أهم سماتها وهي الاشتباك مع الواقع بمُعطياته الحقيقية وليس بالشكل النموذجي المُتفق علية مُسبقاً والمفروض بسلطة رأس المال.
إن غاية الإبداع بكل أشكاله الدرامية والسينمائية والأدبية هو طرح القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية والعقائدية بحرية تتوافق مع مواثيق الشرف الإعلامي والتقاليد ومبادئ الشرائع والأديان من غير مساس بالثوابت والقيم أو تقييد الفن داخل أطر مُحددة تنتقص من القيمة الإبداعية وتكبل حرية المُبدع، فالمُحافظة لا تعني أبداً التخلي عن أبجديات الحوار والمُناقشة والاتفاق والاختلاف حول المضمون الدرامي، حيث في تشابه الأذواق بوار للسلع.
فالأجدى من رفع الشعارات النموذجية هو تشجيع العملية الإبداعية في إطارها الطبيعي بلا رقابة على الشكل والمتن والأداء، فلا يُمكن أن يأتي التغيير النوعي في الماهية الفنية بقرارات وتوصيات، والأفضل أن تُرسخ مبادئ النهضة الإبداعية القويمة على أسس متينة تحترم الإبداع في ذاته ولا تستهجنه، وتحترم المُبدع ولا تُكرهه على الكتابة التقريرية أو الإخراج بنص القواعد الأكاديمية أو التصوير بمنظور الرؤية الأخلاقية فحسب.
إن كل هذه المُحددات إن تم فرضها فهي مُعوقات حقيقية للإبداع الفردي والجماعي وإخلال بمنظومة الفكر والثقافة وتصور رجعي لمفهوم الالتزام والمُحافظة والنهضة المشروطة والمُقننة سلفاً من جهة الإنتاج وحراس القيم.