دراما «على حِسب الريح ما تودي الريح»!

حجم الخط
2

في إفطار انتخابي، دعا اليه نقيب المحامين السابق سامح عاشور، والمرشح المحتمل للانتخابات المقبلة بعد خلو الموقع بوفاة النقيب رجائي عطية، انتصب أحدهم خطيباً، فاذا به من حيث الأداء مفوهاً، لولا ركاكة العبارة والأخطاء النحوية، لكن إذا حضر العامة فان تقييم الخطيب يكون بمقاييس طبقة الصوت، لا وضوح المعنى أو جدية الموقف!
الخطبة المنبرية كانت للدعاية للمرشح المحتمل، من حيث التأكيد على أن النقابة والمهنة واجهتا أزمة خلال الفترة الماضية، قبل أن يستدرك بالقول وكيف تواجه أزمة ولدينا «نقيب وسيف»؟ وإذا عرفنا النقيب فلم نتعرف على «السيف» الذي لديهم، ولا نعرف محل هذا السيف من الاعراب في القرن الواحد والعشرين، وفي نقابة مدنية لا تقف على الخطوط الأمامية للمواجهة في حرب داعش والغبراء؟ لكنه أمر لزوم الخطابة، وهي جملة مقتطعة من خطاب السادات أمام البرلمان بمناسبة نصر أكتوبر «لدينا درع وسيف» في وصفه للجيش المصري، ولأن الشيء لزوم الشيء، فقد استبدل صاحبهم النقيب بالجيش، وإن ظل السيف حاضراً!
وإذ صفق الجمع الكريم للخطيب المفوه، فقد ذهب بعيداً، وغنى ورد على نفسه وصار المطرب والفرقة الموسيقية والكورال؛ فاذا تحدثوا عن الأخطاء، فمن لا يخطئ؟ فالأخطاء كثيرة، وأخطاء الأستاذ سامح عاشور كثيرة، عندئذ قلب عاشور كفيه إزاء هذا الخطاب الذي أصابه في مقتل من حيث لا يحتسب، وضجت القاعة بالضحك، واستدعى أحدهم مازحاً تعليق المتهم في القفص في مسرحية «شاهد ماشفش حاجة» على مرافعة المحامي أمام المحكمة: «ينصر دينك يا أستاذ خليفة»! إذ كان هو خليفة خَلف الله خِلف خلاف المحامي!
وواقعة خطيب إفطار سامح عاشور، كاشفة لنموذج من الناس، الخطباء على وجه الدقة، الذين يعرفون في البداية ماذا يقولون، ثم يفقدون السيطرة على ما يقولون، ليذهب بهم الكلام يميناً ويساراً، ويصبح هو صاحب الولاية علي المتحدث، فيستهدف الخطيب مدح المرشح المحتمل، بينما لسانه يأخذه في الاتجاه المعاكس «على حسب الريح ما يودي الريح» مع الاعتذار للعندليب!
وهذا ما تراه في دراما العسكر في رمضان هذا العام، فالقوم في معركة مع الإخوان، الذين يعدون «عفريت العلبة» بالنسبة لهم، مع أن التنظيم تفرق شيعاً وأحزاباً، ومع أن الإخوان خارج النزاع على زعامة الجماعة لا تسمع لهم ركزاً، لكن أهل الحكم يشعرون أن المنافس لهم هم الإخوان، الأمر الذي سبب لهم صداعاً، فكان آخر الدواء الكي، وآخر المواجهة هذه الدراما البائسة!
وفي مسلسل الاختيار3، تبدو مصر الثورة وقد اختزلت في فريقين، الإخوان، والمجلس العسكري والذي تم اختزاله في شخص الجنرال عبد الفتاح السيسي، فلا دور لأحد في المجلس الأعلى للقوات المسلحة غيره، ودور المشير الذي يؤديه الفنان أحمد بدير، هو لدعم الدور الأهم الذي يؤديه ياسر جلال!

«بطلوع الروح»

والحال كذلك، فقد انصب المسلسل لتشويه الإخوان، لكن عندما تطالع موضوع مسلسل آخر هو «بطلوع الروح» ستكتشف غياب الرؤية، لأنه عمل يطعن في مهمة الاختيار3، وبشكل يوحي بأن موضوعه لم يناقش بشكل جاد، وأن العمل ألقي على اللجنة المختصة من السلطة العليا، بينما التعب بلغ بأعضائها مبلغه، ومع الإرهاق نسوا الفلسفة المعتمدة من الدراما، تماماً كما نسي الأستاذ خليفة أهدافه من هذه الخطبة الرنانة وصار رهيناً لسيطرة الكلام عليه، فقال إن أخطاء الأستاذ سامح عاشور كثيرة!
فمسلسل «بطلوع الروح» يطعن في تنظيم آخر هو «داعش» لكن القوم وجهوا أهدافه بشكل قسري عندما قالوا إنه عمل يكشف الجماعة الإرهابية، يقصدون بذلك الإخوان، مع أن الجنين في بطن أمه يعلم أن الإخوان ليسوا هم داعش، وقد كفر تنظيم ولاية سيناء الإخوان والمسار الديمقراطي، وكان الإخوان دائماً، بعد الثورة، يلفتون الانتباه إلى السلفيين وتشددهم، وقد استفادوا من حالة الفزع منهم من حيث الهيئة والخطاب في أن يقولوا إنهم البديل المناسب لأكلة لحوم البشر هؤلاء، تابع رد الفعل في الإعلام ولدى القوى المدنية عند أول حضور لهم في ما سمي بجمعة الشريعة والشرعية، التي أُطلق عليها إعلامياً «جمعة قندهار» وهو ما دفعني لتهدئة روع الناس بعد أن طفت بالمظاهرة في هذا اليوم؛ فكتبت: «لا شيء يخيف في ميدان التحرير»!
وقد حرص الإخوان على الخروج من المشهد في جمعة قندهار ليتصدر هؤلاء القادمون من صحراء نجد، ولهذا فعندما كانت المنافسة بعد ذلك في بعض الدوائر الانتخابية بين الإخوان والسلفيين كانت القوى المدنية بمن في ذلك المسيحيون، تدعو لانتخاب المرشح الإخواني، كما حدث في عدد من دوائر الإسكندرية، في انتخابات البرلمان بعد الثورة، وقد سقط المتحدث باسم الدعوة السلفية عبد المنعم الشحات لينجح مرشح الإخوان المغمور حسني دويدار!
إن التسريبات التي تذاع في حلقات «الاختيار3» تستهدف في جانب منها الوقيعة بين الإخوان والسلفيين، فها هو خيرت الشاطر يطلب من محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، ألا يدخلوا في تحالف مع السلفيين، وها هما معاً يهاجمان المتحدث باسم حزب النور «محمد نور» بل إن الشاطر يعترف بأنه يخترق المعسكر السلفي من خلال جواسيس، وأنه يبلغ مباحث أمن الدولة بأي شطط!
فالإخوان يحرصون دائماً على أن يكونوا هم الممثل الشرعي والوحيد للإسلام السياسي ولا يزاحمهم أحد في المشهد، وحتى عندما كانوا في النقابات وفي الجامعات فقد حاصروا أي وجود إسلامي آخر، وعندما يتم التشهير بداعش، فإن الأمر يصب في صالحهم!
ليكون السؤال وما هي قيمة تنظيم داعش في مصر لكي يكون له مسلسل؟ لتكون الإجابة هي فقدان البوصلة، ويبدو هذا العمل وقد تقرر كتابته وانتاجه في اللحظات الأخيرة، ربما لخلق مهمة لإلهام شاهين، فلم يذع في أول يوم رمضان، حيث أذيع في منتصف الشهر، وإلهام كانت على مدى العشر سنوات الأخيرة تتحدث عن الفن ولا تمارسه، فكان هذا العمل خارج السياق، وكان دورها مفتعلاً، فهي أم جهاد، حرم الأمير، وهذا ليس في مصلحة الدعاية الرائجة، بأن الأمراء يتزوجون القاصرات، ثم إن حضورها زعيمة وحضور نساء الجماعة، ينسف دعاية أخرى هي تغييب المرأة في هذه الجماعات!
شيء ما في أعلى الرأس قد تعطل.

أرض جو:

بدا مقطعاً في مسلسل «بطلوع الروح» لكن موقع قناة «أون» نشره وقد كتب أعلاه «الاختيار3» ولا نعرف إن كان بالفعل خاصاً بالاختيار، أم أن الاختيار3 صار عنوانا في النشر عن دراما هذا العام يشبه وجود عبارة «الجمهورية الجديدة» أعلى كل الشاشات التلفزيونية؟! في هذا الحوار الذي نشر مكتوباً فان «الأمير» يطلب من متطوعة بالجهاد أن تنقل رسائل مهمة، ويرجع السبب في اختيارها لأن الجيش يخاف من تفتيش النساء. إنهم يعالجون أزمة كشوف العذرية، حيث قام الجيش بتوقيع الكشف على عذرية بعض المتظاهرات اللاتي تم القبض عليهن بعد الثورة!
حوار آخر في «الاختيار3» يقول إن الإخوان يريدون بيع البلد «حتة حتة» يوحي بأنهم يعالجون أزمة نفسية من عملية بيعهم للبلد «حتة حتة» ومن تيران وصنافير، إلى جزيرة الوراق، إلى كثير من المشروعات الناجحة وكان أخرها بيع عدد من الشركات لدولة الإمارات!
ومع استخدام الدراما للعلاج النفسي لأهل الحكم، صار لزاما على الناقد الفني أن يعمل معالجاً نفسياً قبل أن يتعلم قواعد النقد التقليدية. إنها دراما عش المجانين، أو السرايا الصفراء!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية