برغم إنتاجه الفني الغزير والمتميز وقدرته الفائقة على غزل خيوط الكوميديا الساخرة بالقضايا السياسية في عشرات الأفلام لإشباع رغبة الجمهور العربي في نقد المثالب وممارسة حرية التعبير على نطاق أوسع من النطاقات المحلية الضيقة، إلا أن الأكثر شهرة من أعماله السينمائية يُعد على أصابع اليد الواحدة. فأغلبية الجمهور المصري لا يذكر من أفلام دريد لحام غير «الحدود» و«التقرير» و«كفرون» كونها نوعيات سياسية لامست هموم المواطن بشكل مُباشر ونكأت جُرحاً لم يندمل بعد، حيث تزداد المُشكلات والصعوبات وتعلو الحدود الفاصلة بين الأشقاء العرب ولا يزال غوار الطوشة ينتظر الحل أو لعله أوشك على اليأس من الوصول إلى نتائج تُرضي جميع الأطراف.
لقد حملت سينما دريد لحام هماً ثقيلاً في ما يُخص القضايا العربية الأساسية والمصيرية، وما لا يعرفه محبو سينما دريد لحام من الجمهور المصري، خاصة الشباب، أن هناك حزمة من الأفلام الكوميدية المهمة توزعت بطولاتها بين النجم العربي الكبير وعدد من النجوم المصريين، ولأن التركيز كله انصب على الأفلام الشهيرة سابقة الذكر فقد سقطت من الذاكرة بقية الأفلام التي لم تحظ بالدعاية الكافية ولم يتمكن الجمهور من مشاهدتها، لاسيما أن أغلبها تم إنتاجه عقب نكسة حزيران/يونيو 67 واستمر إلى عام 1971 أي قبل حرب أكتوبر بعامين اثنين فقط، ثم جاءت الحرب فغطت أخبارها على أخبار السينما فكان ذلك سبباً مباشراً في نسيانها ولم تفلح الفضائيات المُتعددة في إعادتها مرة أخرى إلى بؤرة الضوء.
خياط السيدات
في عام 1969 وأثناء حرب الاستنزاف أنتج فيلم «خياط السيدات» ببطولة مُشتركة بين دريد لحام وشادية ونهاد قلعي، وقد تولى إخراج الفيلم عاطف سالم أحد نجوم الإخراج البارزين في السينما المصرية والعربية آن ذاك، وكالعادة اعتمدت الخلطة السينمائية على العنصر الكوميدي الساخر بوصفها التركيبة الصالحة لأداء البطل والمضمون تأثيرها من الناحية الجماهيرية، فضلاً عن أن الظرف الاجتماعي والسياسي في حينه لم يكن يسمح إلا بالكوميديا الساخرة كوسيلة للتعبير والنقد وهي الوصفة المُجربة في مُعظم أفلام النجم السوري البارز.
النصابين الثلاثة
فيلم «النصابين الثلاثة» هو التجربة الكوميدية الأكثر وضوحاً في ما ترمي إلية من إسقاطات وتلميحات على الواقع المأساوي العربي بعد نكسة يونيو، حيث أنتج الفيلم في عام 1968 وكانت لا تزال آثار النكسة مُوجعة ومؤلمه وواقع الإنتاج السينمائي داخل مصر مُزرياً ولا يحتمل المغامرة، لذا انتقل عدد من المخرجين والفنانين المصريين للعمل في بيروت للحيلولة دون توقف الحركة السينمائية التي كانت تُمثل اقتصاداً قوياً وقت ازدهارها، فكان من بين هؤلاء المخرج الكبير نيازي مصطفى الذي قدم فيلمه «النصابين الثلاثة» في إطار كوميدي خفيف ليكون تجربة فارقة عن أفلامه الأخرى في الشكل والأسلوب والمُعالجة.
واحد + واحد
وبتزايد النشاط السينمائي والرغبة في الاستمرار كثرت التجارب وتنوعت أشكالها وألوانها فحملت الأفلام عناوين مُختلفة يوحي مُعظمها بالخفة، بينما يدل المضمون على عكس ذلك، من بين ما ينطبق عليه هذا الوصف أفلام مثل «أنا عنتر» و«فندق الأحلام» و«غوار لاعب كرة» و«واحد + واحد» و«الصديقان» والفيلمان الأخيران تحديداً هما اللذان سنحت فيهما الفرصة لاشتراك نجمتين مصريتين كبيرتين، هما سهير المرشدي ونجلاء فتحي. فقد لعبت المرشدي دور البطولة في فيلم «واحد + واحد» أمام دريد لحام، بمشاركة مع ناهد يسري، وتكاد تكون هذه المرة هي الوحيدة التي وقفت فيها بطلة المسرح المصري أمام دريد في تجربة سينمائية كبطلة مُطلقة.
أما فيلم «الصديقان» فكانت البطولة فيه لنجلاء فتحي والإخراج للمخرج حسن الصيفي الذي اشتهر بالأفلام الخفيفة ذات الطابع الكوميدي المُسلي، ومن باب تنشيط شباك التذاكر ورفع الإيرادات احتلت نجوى فؤاد مساحة غير قليلة في الفيلم وفق السياق المكتوب في السيناريو والمُناسب لها كفنانه استعراضية تُجيد تمثيل بعض الأدوار النوعية.
غوار لاعب كرة
ومن الأفلام المهمة التي شارك فيها الفنان فريد شوقي كبطل مع دريد لحام فيلم «غوار لاعب كرة» ومن العنوان يُمكن الاستدلال على الموضوع، فالتناول لم يخرج عن الطابع الكوميدي الساخر والمُعتاد للفنان الذي يهوى لُعبة توظيف الكوميديا سياسياً بما يتفق مع أدائه الناقد وطريقته المُبتكرة في التعبير عن جُل القضايا المُلحة.
الآباء الصغار
فيلم «الآباء الصغار» الذي أنتج عام 2006 ينتمي إلى السينما الإنسانية أكثر ما ينتمي إلى اللون السياسي، وإن لم يخل أيضاً من التورية والإسقاط على الواقع العربي، وقد شاركت فيه من مصر الفنانة المُعتزلة حنان ترك وكانت في أوج نجاحها وانتشارها، حيث جسدت دور مُعلمة تنتقل من القاهرة إلى سوريا لترعى الأطفال الصغار بعد موت أمهم، وحسب رمزية الدور تُشير المُعلمة إلى مصر باعتبارها الشقيقة الكبرى العاملة على الاحتواء ورأب الصدع وتضميد الجراح، وهي رسالة اضطلع كاتب القصة والسيناريو والمخرج دريد لحام بتبليغها للجمهور كنوع من تأكيد أواصر المودة والحب بين الشقيقتين العربيتين مصر وسوريا.
كذلك انسحب المعنى ذاته على كافة الدول العربية بوصفها تُمثل أسرة واحدة كبيرة مهما بلغت بينها الخلافات وفصلتها الحدود.