تونس ـ «القدس العربي»: تحتل المداخيل المتأتية من تحويلات التونسيين بالخارج المرتبة الأولى في توفير العملة الصعبة للبلاد، حيث بلغت خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام 3.9 مليار دينار متقدمة على مداخيل القطاع السياحي التي تأتي في المرتبة الثانية وقبل عائدات القطاعين الفلاحي والصناعي. وقد سجلت هذه التحويلات ارتفاعا بنسبة 4 في المئة مقارنة بنفس الفترة من السنة المنقضية، وساهمت بشكل لافت في زيادة احتياطي البلد من النقد الأجنبي وهو ما سينعكس إيجابيا على سعر صرف الدينار التونسي الذي يشهد استقرارا لافتا.
وكان البنك الدولي قد أشار في تقرير صادر له مؤخرا أن تونس احتلّت المرتبة السادسة في قائمة أهمّ الدول المتلقية للتحويلات المالية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وذلك في سنة 2023 وهو تحول لافت باعتبار أن تونس لم تكن لها في الماضي تقاليد في الهجرة. ويقدر عدد التونسيين بالخارج اليوم بأكثر من مليون و800 ألف يقيمون بطريقة نظامية ويمثلون 10 في المئة من مجموع السكان، ناهيك عن المقيمين بطريقة غير شرعية خاصة في بلدان أوروبا الغربية على غرار فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
بيروقراطية إدارية
وقد جعلت هذه الأرقام المسجلة الدولة تنتبه إلى أهمية هذه المداخيل من العملة الصعبة، التي لم تبذل جهدا في تحصيلها رغم أنه كان بالإمكان زيادتها وتطويرها خاصة مع تنامي أعداد المهاجرين من أصحاب الشهادات العلمية خارج الديار. فقد جاءت هذه التحويلات نتيجة طبيعية لرغبة أبناء تونس في المهجر في إعالة ذويهم في البلاد مع تدهور القدرة الشرائية لمواطني الداخل في السنوات الأخيرة، كما جاءت أيضا نتيجة لحاجتهم إلى شراء عقارات للاستقرار بها عند العودة النهائية إلى أرض الوطن.
ولعل ذلك هو الذي جعل ديوان التونسيين بالخارج يوجه نداء للعاملين خارج الديار يحثهم فيه على رصد جزء من تحويلاتهم للاستثمار المباشر في البلاد بما أن الدولة بصدد خلاص ديون العشرية السابقة وتعاني من مشكلة في توفير السيولات المالية لإنجاز المشاريع التنموية. حيث أكد الديوان في هذا الإطار وعلى لسان أحد مسؤوليه أن تونس بصدد انتظار مساهمة أكبر من أبنائها المقيمين في الخارج وذلك لتحريك عجلة الاقتصاد من خلال بعث مشاريع تنموية ذات مردودية تساهم في جهود الدولة للحد من نسب الفقر والبطالة.
والحقيقة أن مساهمة التونسيين بالخارج في الحركة الاقتصادية لا يرقى إليها الشك وتؤكدها الأرقام التي تكشف بأنها تتزايد من سنة إلى أخرى خلال الأعوام القليلة الماضية. لكن تحويل جزء من هذه الأموال إلى استثمارات مباشرة وعدم توجيهها فقط للاستهلاك مثلما يرغب بذلك الديوان، يقتضي قيام الدولة بعدة إجراءات وبتقديم حوافز جديدة كتلك التي تقدمها بعض دول المنطقة لمغتربيها رغبة في الانتفاع من تحويلاتهم.
فحتى على مستوى التواصل مع الإدارة يجد التونسيون بالخارج صعوبات عديدة في التعامل مع إدارة بيروقراطية وغير رقمية تطلب الكثير من الوثائق وتنفر المستثمرين سواء أكانوا تونسيين أم أجانب وتجعلهم يتراجعون عن عزمهم في استثمار أموالهم في وطنهم. وحتى المنصات الرقمية التي تم إنشاؤها بهدف تجاوز الاشكاليات والتعقيدات الإدارية لا تمثل الحل الأمثل باعتبار النقائص العديدة التي تتضمنها، ناهيك عن البعثات الدبلوماسية والقنصلية التونسية في الخارج التي لا تقوم بدورها كما يجب في إطار الدبلوماسية الاقتصادية.
تشريعات جديدة
وفي هذا الإطار يرى الكاتب والباحث السياسي هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أن ما دعا إليه ديوان التونسيين بالخارج جميل وجيد وهو المطلوب والمنشود من قبل جميع التونسيين سواء أكانوا في الداخل أم في الخارج، لكن ذلك لا يتحقق برأيه دون قيام الدولة بعدة خطوات تشجع التونسيين بالخارج على الاستثمار في بلادهم ومن ذلك المسارعة بإصدار قانون الصرف الذي تأخر صدوره كثيرا وكذا قانون الاستثمارات. كما يقتضي الأمر، حسب محدثنا، تقديم امتيازات وإجراءات وحوافز جديدة لفائدة التونسيين بالخارج للتشجيع على الاستثمار فى كل القطاعات خاصة وأن ما تم تقديمه إلى حد الآن غير كاف حتى يُقْدم التونسي في المهجر على استثمار أمواله في وطنه دون الخشية على هذه الأموال ودون أن يتمكن من تحويل جزء من أرباحه إلى بلد إقامته.
ويضيف محدثنا قائلا: «أن سبب الزيادة المسجلة في إيرادات تحويلات التونسيين بالخارج هو تزايد أعداد المهاجرين خارج الديار خاصة بعد الثورة مع الصعوبات التي أصبح يجدها الشباب المتخرج من الجامعات لإيجاد فرصة عمل. فأصبحت الهجرة بالنسبة إلى البعض أمرا لا مفر منه لتحسين الأوضاع الاجتماعية. ولعل هذه التحويلات الهامة هي الوجه الإيجابي لهجرة النخب إلى خارج البلاد وخصوصا إلى فرنسا وألمانيا ودول الخليج وأمريكا الشمالية، وهي هجرة ستعود بالوبال على تونس التي أصبحت تنفق على تعليم أبنائها من أموال المجموعة الوطنية ودافعي الضرائب لتنتفع بهم دول أخرى بدون أن يتم تعويض الدولة التونسية.
وعموما فإن تحويلات التونسيين بالخارج، سواء المالية أو العينية، على قدر كبير من الأهمية فهي توفر مدخرات للبلد من العملة الصعبة خاصة في ظل الصعوبات التي تشهدها الحكومة في الحصول على تمويلات من المؤسسات المالية الدولية. كما أن هذه التحويلات هي أموال لا يُخشى من خروجها وذلك خلافا للأموال المتأتية من الاستثمار الأجنبي، وهي تتدفق بصورة يومية ولا تتوقف وتتوجه إلى الاستهلاك سواء لشراء العقارات أو لمساعدة الأسر التونسية على مواجهة صعوبات الحياة».
اقتطاعات البنوك
من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي التونسي عماد بالرابح أن تحفيز التونسيين بالخارج على الاستثمار في البلاد يقتضي تغيير القوانين وخصوصا قانون الصرف، ويقتضي أيضا تعصير الإدارة ورقمنتها وإصلاحها حتى يجد المواطن المقيم بالخارج معاملات سريعة تشجعه على الاستثمار، وينطبق الأمر ذاته على المستثمر الأجنبي. كما يقتضي الأمر، حسب محدثنا، وضع حد لاقتطاعات البنوك التونسية المشطة من كل عملية تحويل يقوم بها المقيم بالخارج أو غيره، فمن غير المعقول أو المقبول أن تذهب كل تلك المبالغ الهامة إلى بنوك لا تساهم في تنمية البلد ولا تمنح قروضا للشباب لبعث مشاريع تنموية.
ويضيف محدثنا قائلا: «ليس من السهل إقناع شخص بأن يضع مدخراته وما يجنيه من عرق جبينه في بلد المهجر في استثمار ربحه غير مضمون بسبب القوانين البالية والإجراءات المرهقة والأموال التي يهب الجميع لالتهام نصيب منها. وبالتالي يبدو الحديث عن حث التونسيين بالخارج على عدم الاكتفاء بالتحويلات الاستهلاكية سابق لأوانه في ظل هذه المنظومة التشريعية البالية وهذه البيروقراطية المقيتة التي ينتقدها الجميع ولا أحد سعى فعليا إلى القضاء عليها بإجراءات وقرارات عملية.
إن المبالغ التي تقتطعها البنوك التونسية من عمليات التحويل مشطة ويكاد لا يوجد لها مثيل في دول العالم التي تحصل فيها اقتطاعات، ويكفي القول أن كل المؤسسات الاقتصادية التونسية تضررت جراء الكوفيد إلا البنوك التونسية فقد حققت أرباحا استثنائية. لذلك لا يمكننا مطالبة التونسيين بالخارج بالاستثمار قبل ردع هذه الوحوش البنكية المتعطشة لامتصاص دماء التونسيين في الداخل والخارج على حد سواء من خلال فرض هذه الاقتطاعات على التحويلات وعلى غيرها وهي التي تحيا وتستمر بمدخرات المواطنين».