دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء المصري تطالب بوقف هدم المقابر التاريخية.. وحزب معارض يدعو لتوقف آلة التدمير

تامر هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة- “القدس العربي”:

تواصلت تداعيات إقدام السلطات المصرية على هدم المقابر التاريخية في القاهرة.

تمثلت آخر هذه التداعيات، في دعوى قضائية أقامها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية –مركز حقوقي مستقل- أمام محكمة القضاء الإداري، ضد رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، للمطالبة بوقف تنفيذ القرار السلبي بالامتناع عن توفير الحماية اللازمة للمقابر والمباني الأثرية ذات التراث المعماري المتميز في منطقة جبانات القاهرة التاريخية وتحديد حرم لهذه الآثار، بما ترتب على ذلك من آثار أخصها وقف أعمال الإزالة والهدم لجميع هذه المقابر والمباني.

وأقام المركز الدعوى وكيلا عن عدد من الأكاديميين المهتمين بالحافظ على التراث العمراني.

جبانات القاهرة التاريخية

وجاءت الدعوى على خلفية عمليات الإزالة التي تجري في منطقة جبانات القاهرة التاريخية في حي الخليفة بمنطقة جنوب القاهرة- والمعروفة بمقابر الإمام الشافعي ومقابر السيدة نفيسة، التي يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي.

ولفت المركز في الدعوى إلى أنه في أواخر القرن التاسع عشر تم تخصيصها لدفن كبار موظفي وأعيان الدولة، وان تلك المنطقة خصصت منذ مئات السنين ليوارى فيها الموتى الثرى، لا سيما الراحلين من رجالات ورموز الفكر والثقافة والسياسة والدين والفن وأفراد العائلة المالكة، وتضم بين جنبات مقابرها رفات مجموعة كبيرة من عظماء النضال الوطني والفكر والتاريخ المصريين.

وتابع المركز في الدعوى: مؤخرا انتشرت الأخبار والصور والاستغاثات والمناشدات بشأن الاعتداء على المنطقة وإزالة عدد من مبانيها الأثرية عشوائيا، في الوقت الذي يتم تنفيذ أعمال إنشائية بها لا تناسب بأي من الأحوال طبيعتها ومبانيها، وتعرضها لأخطار داهمة، ليس أقلها محو جزء من تاريخ مصر ومبانيها التراثية وإهانة رفات عدد لا يستهان به من عظمائها في شتى المجالات.

مقابر لشخصيات تاريخية

أزيلت مقابر عدة منها مقبرة عبد الحميد باشا صادق (رئيس البرلمان المصري من 1902 حتى 1909 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني) ومقبرة عبدالله أفندي زهدي (من أشهر الخطاطين في تاريخ مصر وهو كاتب المخطوطات على المسجد النبوي وسبيل أم عباس ومسجد الرفاعي، وغيرها)، ومدفن حسن أفندي الليثي (رسام كسوة الكعبة المعظمة)، ومدفن عشق بريان معتوقة الخديوي إسماعيل، فضلا عما يتم تداوله من أنباء بشأن إزالة قبر الإمام ورش، صاحب ثاني أكثر قراءات القرآن شيوعا في العالم الإسلامي، بحسب الدعوى القضائية.

وزاد المركز في الدعوى: تحوي المنطقة عددا كبيرا من المقابر ذات الطراز المعماري المتميز منها مدافن أمير الشعراء أحمد شوقي، ومدفن السيدة أم كلثوم، وحوش الملكة فريدة، ومدفن محمود سامي البارودي، وسبيل ومقام الإمام جلال الدين السيوطي، ومدفن الأمير فؤاد وأسمهان وفريد الأطرش، وجامع محمود باشا الفلكي، ومسجد فاطمة الزهراء، وغيرها من مقابر الشخصيات التاريخية والرموز المصرية والمساجد والقباب والأسبلة.

وواصل المركز: منذ فترة ليست بالقليلة بدأت أعمال هدم وإزالة مساحات من حرم منطقة مقابر القاهرة التاريخية لتنفيذ مخططات إنشاء وتوسعة عدد من الطرق والمحاور، ما تسبب في هدم أو تهدم أو الإضرار بعدد من المباني ذات الطراز المعماري المتميز في غيبة أية بيانات أو إيضاحات حكومية بخصوص حدود المخطط وتفاصيله، وفي غيبة أي تأمين أو إشراف فعلي من الجهات المختصة بالدولة لحماية المباني المذكورة أو الحرم المقرر قانونا لحمايتها مثل مفتشي وخبراء وزارة الآثار أو الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، عدا فرق وعمال الهدم والإزالة.

وتناولت الدعوى إصدار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية قرار رقم 233 لسنة 2023، الذي نص في مادته الثانية على: “إضافة 86 مدفنا بنطاق حي الخليفة والمقطم، تبدأ بمسلسل رقم (1) “أمير الشعراء أحمد بك شوقي” وتنتهي بمسلسل رقم (86) “حوش مناع”.

ولفت المركز إلى إخطار حراس عدد من المقابر الواردة بالقرار المذكور بالتخطيط لإزالتها ومنها حوش محمد راتب باشا السردار، وحوش عائلة العظم السورية، والفريق إسماعيل سليم باشا، رشوان باشا عبدالله، البرنس يوسف كمال، ونشأت دل قادن زوجة الخديوي إسماعيل، وعلي باشا فهمي، ومحمود سامي البارودي، أحمد شفيق باشا، إبراهيم الهلباوي، محمد محمود باشا وهي المدافن المسجلة بموجب القرار المذكور، بل وتم وضع علامات تفيد بذلك على الجدران الخارجية لبعض هذه المدافن.

وأكد المركز المصري أن القرار المذكور بتحديد 86 مدفنا بتلك المنطقة يعد إهدارا لقيمة المباني والآثار الأخرى في تلك المنطقة ذات الطراز المعماري المتميز، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مدافن يحيى باشا إبراهيم، محمد باشا الشافعي، حوش ماه دوران، علي باشا ابراهيم، سيف الله باشا يسري، عبدالخالق باشا ثروت، سعيد باشا ذو الفقار، بهي الدين باشا بركات، إسماعيل باشا عاصم، الزعيم أحمد عرابي، عثمان باشا غالب، أمين باشا المناسترلي، وغيرها من المدافن والشواهد وما تحويه من منمنمات، ونقوش، وتصميمات معمارية تنتمي لحقب تاريخية مختلفة.

ولفت المركز إلى أن عددا كبيرا من مقابر ومقامات وأسبلة هذه المنطقة يعد قطعا فنية فريدة من حيث طرزها المعمارية أو وقت بنائها أو نقوشها أو أحجارها، كما تحولت إلى مزار سياحي لآلاف المصريين والعرب والأجانب المهتمين بالتراث المعماري والتاريخ المصري ورؤية ما ندر من قطع فنية فريدة تحويها جنباتها، معتبرا أن أعمال الإزالات والهدم إهانة لجزء من تاريخ مصر، وخطر على مساحة معتبرة من مناطقها التراثية والتاريخية، ومخالفة تصل إلى حد ضرب عرض الحائط بالدستور والقانون وواجبات الحفاظ على التراث المصري والهوية المصرية التي تشكلت عبر آلاف السنين.

شكاوي وبلاغات

وبين الإخطار الشفهي بإزالة عدد من المدافن والأحواش المسجلة كطراز معمارية متميزة، وتجاهل تسجيل أو إدراج البعض الآخر، واستمرار أعمال الهدم والإزالة والتوسعات باستخدام الآليات الثقيلة، عن طريق عمالة غير مدربة على العمل في المناطق الأثرية، وفي ظل غياب حراسة أو إشراف يكفلان تجنب إحداث أي تلفيات بهذه المباني أو هدم بعضها عن طريق الخطأ، فضلا عما يمثله ذلك من إهانة لرفات العديد من الرموز والشخصيات البارزة من أصحاب الإسهامات في تاريخ هذا البلد علي مر السنون، لجأ أثريون إلى التقدم بالعديد من الشكاوى والبلاغات والمناشدات لوقف مثل هذه الممارسات؛ حرصا على المصلحة العامة وإنقاذا لجزء معتبر من تاريخ هذا البلد كان آخرها المكاتبات التلغرافية للمسؤولين المصريين.

دعوة لحوار مجتمعي

إلى ذلك أدان حزب التحالف الشعبي الاشتراكي ما تقوم به السلطات من إزالات لعدد كبير من المقابر، من بينها مقابر أثرية لشخصيات أثرت الحياة المصرية، مطالبا بإجراء حوارًا مجتمعيًا حول تلك الإزالات والاستماع لخبراء مصر في الآثار والتخطيط العمراني حتى يتم الحفاظ على التاريخ والتراث.

وقال الحزب، إن مصر تفخر بحضارتھا التي كانت أول من أعطت للموت مكانا فجعلت منه فجر ضمير الإنسانية.

وتساءل الحزب في بيانه: كيف نتعامل اليوم مع ھذا التراث بھذه الدرجة من الاستخفاف بل والاحتقار. كيف نعجز عن حمایة تراثا مثل قرافة الإمام الشافعي والسيدة نفيسة والسيدة زينب ومقبرة ورش بن نافع والتي تتعجل السلطات ھدمھا الآن.

ولفت الحزب إلى إزالة مقابر شخصیات مصریه یخلدھا لیس فقط تاریخ مصر بل تاریخ العرب وتاریخ العالم.. أزیلت مقبرة شاعر النيل حافظ إبراھیم ولم یتم حتى إخطار ذويه، وھدموا مقابر عائلة ذو الفقار التي تضم رفات الملكة فریدة، على سبیل المثال لا الحصر”.

وتابع: عشوائية اتخاذ القرار وعدم التنسیق بین أجھزة الدولة وعدم إخطار أھالي الموتى ھو جزء من تدمیر ذاكرة الأمة. كذلك تبریر الإزالة بتحدیث العمران وتسھیل المرور ھو أمر غیر مقبول، إذ أن الأولویة يجب أن تعطي للحفاظ على حضارتنا وتراثنا ومراعاة مشاعر أھالینا.

ورفض الحزب، التبرير الذي تقدمه السلطات المصرية، باعتبار أن ھذه المقابر غیر مسجلة كآثار، مؤكدا أن قدم المقابر يضفي علیھا قيمة توجب الحفاظ علیھا لأنھا جزء من ذاكرة مدینة القاھرة ومن تاریخ المصریین”.

واختتم البيان “باسم أھالي الموتى المضارين وباسم كل من يتألم من تدمیر حضارتنا وتراثنا، یطالب حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بوقف ھذا التدمیر وإجراء حوار مجتمعي یسمع فيه لخبراء مصر في الآثار وفي التخطیط العمراني، حتى نحافظ على تاریخنا وتراثنا ونحترم حرمة موتانا”.

شروط تعجيزية

أزمة أخرى تتعلق بإثبات العائلات ملكية المقابر المعرضة للهدم، فطبقا لمنشور لإدارة الجبانات في القاهرة، فإن على المتضررين إحضار أوراق إثبات ملكية المقبرة، بالإضافة إلى هويات كل الورثة، ما يراه المحامي المصري أحمد جمعة عنتر وأحد أصحاب المقابر المهددة بالهدم ضمن خطة التطوير في مقابر الإمام الشافعي، شروطا تعجيزية.

يقول عنتر لـ”القدس العربي”، إن مقبة عائلته تعود لمئتي عام، وهي ملك أحد علماء الأزهر الشريف.

وأضاف: لدي حجة ملكية المقبرة، لكن الشيخ العطار كان لديه 12 ابنا، وبحسبة بسيطة نحن في حاجة لأوراق آلاف الأشخاص لإثبات ملكية المقبرة للعائلة.

أوراق حجة المقبرة، التي أطلعنا عليها عنتر، قال إنه استلمها من شقيق والدته الذي تسلمها بدوره من جده الشيخ العطار، التي تسلمها من حضرة الشريفة سنجق بنت المكرم الحاج محمد إبراهيم من علماء الأزهر الشريف.

وزاد: سيتوقف الورق عندي، لأن ببساطة هناك من قرر يهدم تاريخ مصر.

التاريخ لن يغفر

اأمد السيد النجار رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الحكومية السابق قال إن، التاريخ لن يغفر ولا كل الأجيال القادمة من هذه الأمة العظيمة، جريمة هدم أي أثر من آثارها.

وكتب على صفحته الرسمية على الفيسوك: البعض يقول إنها مجرد مقابر، وهذا جهل مروع فأعظم آثار العالم القديم هي مقابر وأهمها على الإطلاق مقابر وادي الملوك والملكات والنبلاء في الأقصر.

وزاد: ورغم رفضي المطلق للمساس بمقابر الرموز الوطنية الكبرى في العصر الحديث وللمقابر التي أصبحت في حكم الآثار أو المصنفة كذلك بالفعل، إلا أنه حتى في حالة احتياج الدولة للأرض المقامة عليها يجب أن يتم نقلها كما هي إلى مكان جديد وليس هدمها بفعل جاهل جهول.

ولفت إلى نقل معبدي أبو سمبل، وقال: نحتا في الصخر ولم يتم بنائهما وكانت عملية نقلهما في غاية الصعوبة لأنها تتطلب تفكيك الجبل وإعادة تركيبه، لكن الدولة المؤمنة بالهوية الحضارية لمصر وبشخصيتها التي تنطق بها شواهدها الأثرية العظمى استنهضت همم العالم ووفرت التمويل ونقلت المعبدين في معجزة هندسية لا تقل عن معجزة بنائهما. أوقفوا هدم المقابر التاريخية المصنفة كآثار وغيروا مسارات طرقكم وجسوركم، أو وقوموا بنقلها احتراما لقيم الراحلين وقيمة ودلالة الآثار.

نفي حكومي

في المقابل نفت الحكومة المصرية، ما قالت إنه شائعات تتعلق بهدم مقابر أثرية أو ما بها من أشكال وزخارف معمارية متميزة.

وجاء نفي الحكومة، بعد تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تغريدة انتقد فيها علاء مبارك، نجل الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، إقدام السلطات المصرية على إزالة لإزالة المقابر التاريخية.

وغرد علاء مبارك على حسابه الرسمي على تويتر: التطوير يجب ألا يأتي على حساب إزالة الرفات، مشيرًا إلى أن بعض هذه المقابر تقع بمناطق لها طابع تاريخى، وبها فنون معمارية نادرة وقيم روحية ورمزية.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، إن هناك منشورات تزعم تنفيذ الحكومة حملة شاملة لهدم مقابر أثرية وتاريخية.

وأضاف أن كافة المقابر الأثرية قائمة كما هي، ولا يمكن المساس بها، فهي تخضع لقانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983، والذي يجرم أي عمل يتلف أو يهدم أثراً، مُؤكدا حرص الدولة على الحفاظ على الآثار بكافة أنواعها وأشكالها، ليس فقط للأجيال القادمة ولكن للإنسانية جمعاء.

وبدأت أزمة هدم المقابر التاريخية في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وتم كشف مذكرة بشأن المدافن التي وقعت في نطاق الإزالة في مشروع تطوير محور صلاح سالم من محور جيهان السادات حتى حديقة الفسطاط بامتداد 6 كيلومترات، تتخللها جبانات المجاورين وباب الوزير وسيدي جلال والسيدة نفيسة والطحاوية والإمام الشافعي وسيدي عمر.

وفي عام 2020 أثير جدل بشأن عدد من المقابر في منطقة منشية ناصر في قلب القاهرة التاريخية، يُزعم أنها «جبانة المماليك» وتعود لنحو 5 قرون من أجل إنشاء جسر. وتعد مقابر المماليك أقدم جبانة إسلامية في مصر، وتحتل موقعا متميزا وسط العاصمة.

وطالت عمليات الهدم مقابر لشخصيات أثرت في تاريخ مصر الحديث، منهم يوسف صديق أحد أعضاء ثورة 1952، والشيخ محمد رفعت الذي عرف بقيثارة السماء، والشاعر حافظ إبراهيم الذي عرف بـ«شاعر النيل» والأديب يحيى حقي، والشاعر محمود سامي البارودي الذي لقب برب السيف والقلم، كما تراجعت السلطات عن هدم مقبرة عميد الأدب العربي طه حسين، بعد تهديد أسرته بنقل رفاته الى خارج البلاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية