«إن مما يبعث على الملل أن تكوني امرأة في الجزيرة العربية»، بهذه العبارة التي وردت في رسالة كتبتها الرحالة البريطانية جرترود بيل إلى صديقها الضابط البريطاني داوتي ويلي في سنة 1914، تستهل الباحثة السعودية دلال بنت مخلد الحربي كتابها «صورة المرأة في رحلات الغربيين إلى وسط الجزيرة العربية».
ومثل هذه الآراء هي دافع المؤلفة لإنجاز كتاب يتناول التعليقات والآراء التي كتبها رحالة غربيون، رجالاً ونساء، حول المرأة وطبائع حياتها في وسط الجزيرة العربية، طبقاً لملاحظات مباشرة دونوها من واقع التعامل اليومي مع المجتمع، أو طبقاً لأحداث شهدوها أثناء تجوالهم في المنطقة منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. وتشير المؤلفة إلى أنّ دوافع الرحالين تعددت وتنوعت سياسياً أو دينياً أو برغبة الاستكشاف والمغامرة، كما تعددت الصفات التي دخل بها أولئك الرحالة، من طبيب إلى تاجر خيل إلى وجيه إلى مبعوث سياسي إلى سائح متجول.
ولقد عُنيت المؤلفة بتسجيل الكثير من تلك الملاحظات والآراء عن المرأة العربية في نجد، ولا تزعم الحربي أنها غطت كل ما كتبه الرحالة خلال المدة الزمنية المحددة، نظراً لكثرة العدد وتعدد اللغات، وقد اعتمدت على النصوص في لغاتها الأصلية وليس في ترجماتها إلى اللغة العربية توخياً للدقة، كذلك لم تتدخل في نقد نصّ أو استحسان آخر إلا عند الضرورة لأنّ هدفها هو «إبراز الصورة كما كانت عليه عند أولئك الرحالين» من دون اتخاذ موقف انحيازي.
تنقسم الدراسة إلى أربعة فصول، يتناول أوّلها نجد والرحالين فيعرض للمنطقة بوصفها «الأرض المجهولة» لدى الرحالين الغربيين، ويستعرض جغرافيتها كما رسمها هؤلاء، وخاصة لجهة صعوبة التواصل والحصول على المعلومات، بالإضافة إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية في نجد خلال الفترة الزمنية التي تغطيها الدراسة، أي بعد عام 1819 وحتى منتصف القرن العشرين. الفصل الثاني يبحث في الأوضاع العامة للمرأة، في مستويات السكن والتفاعل العائلي والاجتماعي، ثمّ أعمال المرأة، وأدوارها في الغزو والحروب. والنصوص التي اختارت المؤلفة التعليق عليها تمثل الرأي الآخر القادم من بيئة مختلفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ودينياً، وهذا خيار منتظَر وصائب بالطبع.

الفصل الثالث يذهب إلى العادات والتقاليد، فيشمل الزواج، وتعدد الزوجات، والمظهر العام، والملابس والزينة؛ ولافت هنا أنّ المؤلفة ترصد مشاهدات متقاطعة، أي أنها ليست دائماً متطابقة، بخصوص الحجاب، واختلاف الملابس حسب الفئة الاجتماعية، ومحاسن أو مساوئ تعدد الزوجات. الفصل الرابع، والأخير، يحمل عنوان «الصورة وتعميق التصوّر» وتخصصه المؤلفة لدخول آلة التصوير ودور الصورة الفوتوغرافية في توفير إضاءات أوضح حول مجتمع نجد، في نطاق النساء البدويات والحضريات والفضاء العام.
لا تصدر المؤلفة عن مدرسة نقدية محددة، وهي أقرب إلى أداء دور المؤرّخ الراصد لمجموعة نصوص، في كتابات رحالة، ضمن منطقة محددة هي نجد. والدراسة تحتل موقعاً طبيعياً ضمن نتاج المؤلفة، فلها أعمال حول تاريخ المرأة السعودية على مرّ العصور، وأشهر النساء في نجد، وإسهام المرأة في وقف الكتب. لها، في المقابل، أعمال في تاريخ المملكة، وأخبار الدولة السعودية الأولى والثانية، فضلاً عن كتاب يرصد علاقة المملكة بالأزمة الاقتصادية العالمية.
منهجية البحث وصفية تعتمد على تحليل النصوص والكتابات والآراء التي عبّر عنها الرحالة خلال تجوالهم في نجد، ويندر أن تقترح المؤلفة قراءة نقدية لهذه المواد، الأمر الذي أوضحته ابتداء من المقدمة في الواقع. كذلك لا تميل كثيراً إلى وضع الوصف تحت محكّ منهجية تاريخية سواء لجهة التدقيق أو حتى تعميق الصورة، رغم أن الخلاصات التي تتوصل إليها تتطلب المزيد من تمحيص الوقائع وتحكيم التاريخ. ومن الواضح أنّ هذه المنهجية، المبسطة في نهاية المطاف، انسجمت مع المحتوى المحدود، غير النقدي بصفة خاصة، الذي استقرت عليه المؤلفة.
وقد تكون هذه الخيارات وراء لغة الكتاب السلسة والمبسطة، فلا تستخدم المؤلفة إلا القليل من المصطلحات في مادة لا تستدعي الاصطلاح أصلاً. ثمة، إلى هذا، مقدار واضح من التماثل اللغوي والأسلوبي في ترجمة النصوص، بالنظر إلى أنّ المؤلفة اختارت أن تترجم بنفسها، ويحدث أحياناً أن يكتنف الغموض بعض خياراتها، كما في قولها على لسان داوتي: «المرأة مسترَقة، وقلبها لا يعرف الترفيه أو التسلية»؛ أو، على لسان بلغريف: «إن الزوجات والنساء غواية خطيرة، وقد خُرّب كل ثمار الارتباط الأسري والروابط العائلية وهي لا تزال في مهدها».
وهذا جانب يثير بعض الأسئلة حول مراجع المؤلفة ومصادرها، وهذه موزعة على الأعمال العربية، أو الإنكليزية، والأعمال المترجمة، والوثائق، والدوريات. لكن الأعمّ في هذه المصادر هي أعمال الرحالة أنفسهم، التي تحسن الحربي توظيفها في خدمة موضوعات وميادين البحث؛ مع القليل فقط من الدراسات أو الأبحاث التي تقدّم نقاشات نقدية معمقة حول آداب الرحلة عموماً. ومن اللافت على سبيل المثال أنّ المؤلفة لا تلجأ إلى إدوارد سعيد وكتابه الرائد «الاستشراق»، رغم أنه بات مرجعاً لا غنى عنه في قراءة إرث المستشرقين.
ومن جانب آخر فإن المؤلفة لا تبدي إشارات كافية على انتمائها إلى مدرسة نقدية محددة، بل يلوح كثيراً أنها حريصة على الاكتفاء بأداء دور المؤرّخ الراصد لمجموعة نصوص، في كتابات رحالة، ضمن منطقة محددة هي نجد. وليس الأمر غريباً، إذ أن الكتاب يحتل موقعاً طبيعياً ضمن نتاج المؤلفة الذي يدور عموماً حول تاريخ المرأة السعودية على مرّ العصور، وأشهر النساء في نجد، وإسهام المرأة في وقف الكتب. كذلك أصدرت مؤلفات حول تاريخ المملكة، وأخبار الدولة السعودية الأولى والثانية، فضلاً عن كتاب يرصد علاقة المملكة بالأزمة الاقتصادية العالمية.
ومن هنا فإن أهمية بحثها هذا إنما تنبثق من كونها استقرت على رصد صورة المرأة بصفة محددة، خلافاً للتيار الغالب في أبحاث الرحلات الغربية إلى المنطقة، والذي لا يتوقف بصفة إجمالية عند المرأة بقدر ما يناقش النصوص من زوايا اهتماماتها العامة السياسية والاجتماعية والدينية. وهذه سمة جديرة بالإشارة، حتى إذا كان نطاق الدراسة يقتصر على منطقة نجد. جديد آخر جدير بالإشارة هو تركيز الحربي على نظرة الرحالة إلى المرأة، وهذا ميل بحثي يتوازى مع الدراسات الكثيرة التي تناولت آداب الرحلة الغربية، والتي اشتملت أيضاً على موضوع المرأة. وهو تفصيل تنبهت إليه المؤلفة، فأعطت سابقيها إلى الموضوع حقّ الإشارة وتوثيق الجهد.
ومن المتفق عليه إجمالاً أن كتب الرحالة الغربيين قدمت مادة وفيرة عن المرأة في وسط الجزيرة العربية، واختلفت من نصّ إلى آخر وتبعاً لهذا الموقف السياسي والفكري والأخلاقي أو ذاك. وكتاب الحربي محاولة رائدة، على نطاق الدراسات السعودية تحديداً، لضبط تلك النصوص ووضعها في سياقاتها التاريخية المختلفة، وتدقيق المعلومات والتصورات التي قد لا تقتصر نواقصها على القارئ الأجنبي الذي يقرأ النصوص بلغاتها الأصلية، بل تشمل أيضاً القارئ العربي الذي يقرأها مترجمة.
وفي دراسة بهذا الحجم، وهذا النطاق في الموضوعات، قد لا يكون منتظراً من المؤلفة أن تفرد مساحات كافية لاقتراح قراءات نقدية تاريخية ونصّية أكثر تعمقاً وإحاطة ومنهجية. وهذا لا يعني التسامح مع إغفالها منجزات معمقة ومتميزة اقترحتها أبحاث عديدة على سبيل ترسيخ سلسلة طرائق فعالة في المنهجيات النقدية الخاصة بتراث الرحلات الغربية إلى الشرق عموماً، والجزيرة العربية خصوصاً.
دلال مخلد الحربي: «صورة المرأة في رحلات الغربيين إلى وسط الجزيرة العربية»
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية،
الرياض 2020
192 صفحة.