ترانيم سومرية هو الديوان الثالث للعراقية لهيب عبد الخالق (الأهلية ـ عمان) بعد ديوانيها «انكسارات لطفولة غصن» 1987 والثاني «وطن وخبز وجسد» الذي صدر عن دار الشؤون الثقافية في بغداد 1999. وهذا الديوان (ترانيم سومرية) كتبت قصائده بين عامي 1994 و2013 وفي عام 2014 كتب الشاعر الراحل والإعلامي العراقي سامي مهدي عن لهيب قائلا: توقعت لها مكانة سنية في الشعر غير أن الظروف القاهرة لم تسمح لها بتحقيق ما كانت تصبو إليه وترنو. فقد أحبط آمالها المجتمع الذكوري بعاداته وتقاليده.
وفي اعتقادنا أن هذا الاعتذار، أو شبه الاعتذار، نيابة عن الشاعرة التي يساورها إحساس بالإحباط، كونها لم تبلغ الذروة التي كانت تتمنى، هو عذر غير مقبول في المطلق، لأن المجتمع الذكوري هو وعاداته وتقاليده لم يتغير، ومع ذلك برزت فيه من المبدعات من بلغن الذروة كنازك الملائكة، ومي مظفر، وسلافة حجاوي، وميسلون هادي، وبتول الخضيري، وهدية حسين، ولطفية الدليمي، وغيرهن من المبدعات؛ فلمَ حالت هذه العادات والتقاليد دون تحقيق ما تتمناه لهيب، ولم تحل دون تحقيق ما سعين له وتمنين بلوغه في الإبداع شعرا ونثرا.
ومع هذا فإن ما جاء في مقدمة الراحل سامي مهدي اللطيفة المحبوكة حبكا جيدا، لا يعني أن الشاعرة لهيب عبد الخالق من مدعي الشعر، المتطفلين، الذين ينشرون الكثير، ولا يقولون في ما ينشرون إلا القليل. ففي إحدى قصائدها الموسومة بعنوان طريف، هو «بلا كفّ» تعبر عن هموم الإنسان العراقي في ظل الحرب الغاشمة التي تشنها قوى مجرمة لتحقيق مآرب، وأجندات معينة، فيكون الشعب العراقي، أو غير العراقي، ضحايا لأولئك السفاحين الذين مني العالم ـ للأسف ـ بهم. فالذين تقسو عليهم الحروب، بما تجره من كوارث وويلات ودمار وخراب، يبحثون عن ملاذٍ لهم، في الغرب أو في الشرق، فكل ما يطمحون إليه هو المكان الآمن الذي يقيهم القصف في زمن أعادونا فيه إلى عصر رعاة البقر، وغزو الهكسوس، وهجمات المغول والتتار، واجتياح هتلر لباريس:
أدْركنا كيف نهاجر أسرابا وفرادى
فنيمم شطر الغرب وأحفاد البقر الوحشي
وبرَعْنا في وصف بطولات الهكسوس
ونازية هتلر
ثم رقصنا في أقفاص السيرك الأبيض
رقص المذبوح
لكن لم نتعلم فن العزف
بلا كفّ
فالحروبُ، إن كان الذين يشعلونها هم رعاة البقر، أو مدمني الفودكا، فالنتيجة واحدة. وهي تدمير الحضارة، وطمس معالم الفنون، وتغييب المواهب. فمن يفتقر لليد والأصابع لن يتقن العزف على البيانو، أو أي آلة موسيقية أخرى، إذ لا يمكننا أن ننتظر منه معزوفة جديدة تشنف الآذان، فتطرب البهيج منا والأسيان.
الحرب في صورة
في قصيدة أخرى لا تكتفي بالبكاء على الراحلين في الحرب؛ من صغار الأطفال، وكبار العجزة، ومن مدنيين ومسالمين، إلى مقاتلين محاربين، ومن شبان يافعين إلى شيوخ عاجزين، إلى من ضاقت عليهم الحياة بما رحبت فلم يجدوا طريقا للنجاة. فالشاعرة عبد الخالق – في هذه القصيدة – ترسم صورة مرعبة للحرب: الغبار، وطوق النجاة، وبحر الدماء، والألوان التي تختفي فلا يبقى منها إلا لون الدم الذي يلطخ كل شيء: الثوب، النرجس، والدروب، وحتى الصوت الذي لا لون له يغدو في زمن الحرب قانيا دامياً، والقتيل في هذه الدوامة لا يعرف نفسه إن كان قتيلا، أو قاتلا:
الموت حولي
غير أني لا أراه
يضبب الآتي بلا صوت
بلا شكل
بلا وجهٍ
وأخرج من براثنه
قتيلا أم مقاتلا
أغتال ذاكرتي
لكي أمضي على درب القوافل
فإنسان هذا العصر، مع هذه الحروب التي تندلع بلا سبب في كل مكان، ومع هذه الآلات المدمرة، التي تقتل المئات بقنبلة واحدة، وتدمر بلدة كبيرة بقذيفة واحدة لا أكثر، إنسان يختلف عمن عاشوا في عصور أخرى لم تكن تعرف مثل هذه الأسلحة الفتاكة، ولا القادة المدمنين. من أجل ذلك يفتقر إنساننا اليوم للمشاعر الطبيعية النقية، والإحساس بالثقة بالعودة إلى مأواه سالما معافى إن هو غادره إلى عمله، أو لأي غرض آخر. ها هو المتكلم في قصيدة لهيب عبد الخالق الموسومة بعنوان (غربة) يتألم؛ لأنه لا يرى بصيص أمل، أو بارقة رجاء. فكل الأشياء من حوله إما حرائق، أو خرائب، أو غيوم حمر ترسل مطرا ساحقا لا خير فيه إلا دمار هذا الإنسان الذي كتب عليه أن يحيا في هذا الأوان:
أسير فوق الجمر
تسفعني الخرائب
والحروب
وأرتجي من غيمة تصطادني
مطرا
لكن الغيوم الحمر
لا تروي
فالمطر الذي تهمي به هذه الغيوم وتجود، رمادٌ، لا تورقُ منه إلا الخطايا، ولا ينتشر في الفضاء بسببه إلا الضباب. والقتلة، الذين ينتفخون كِبرا كالطواويس، ظنا منهم أنه بهذه الجرائم البشعة يحسبون شجعانا بواسل، وقادة أفاضل، لا يفرقون بين طفلٍ وجرو. ولا بين رغيف الخبز والتراب. ولا بين شدق القبر المفتوح والجرح النازف. بين النائحة والمغنية:
ملحي، وخبزي
والجسدْ
أطوي الورى موجوعةً
لم يبق ضِرعٌ أو بلدْ
لا والدٌ ولا ولدْ
ولهيب في «ترانيم سومرية» لا تفتأ تشير لويلات الحرب، وما يعْقُبها من نوازل وكوارث، تصيب الحرث والنسل والمكان. فالمتكلمة في قصيدة «على شاطئ الباسفيك» تنظر حولها فلا تجد أحدا، لا الأب، ولا الأخ، ولا القرين، إذ لم تُبْق لعبة الحرب (القتل) منهم أحدا:
كل الذين أكنُّ
أمي، أم أخي، أم قريني
على ساتر أبيض كالنهار استكانوا
لإطلاقةٍ، أو صواريخَ،
أو زمن لا يجيد سوى لعبة القتلِ،
كل الذين أخبئهم في عروقي
قوافل موتى
وأعجاز نخلٍ
طواه النوى
كوابيس
واللافت للنظر، الجاذب للانتباه، أنَّ الشاعرة في واحدة من القصائد تستنطق الشهداء والقتلى من العراقيين. فهي تتخيل من يروي ما لقيه في حياته من متاعب قبل أن تمر الحرب على جثته، فقد سئم العراقيون من تعداد الجرحى، وإحصاء المصابين، وتصاعد أرقام الشهداء بين ليلة وأخرى، وتشقق لون السماء الأزرق ليفترَّ عن دخان قاتم ينهمر فوق دجلة الخير – على رأي الجواهري – الذي دجَّجَتْه القذائف:
لنا في الغيوب شواهد.
غير التي ترزأ الحرب
فوق الحياض
وبرق السنين
نعد على الرمل أشلاءنا
والرزايا
تهيئ من دمنا
سرْبَ موتٍ جديد
ويتكرر هذا في قصائد أخرى تكرارا يحملنا على القول: إنّ « ترانيم سومرية « بقدر ما هي ترانيم مراثٍ، وبكائيات، ومواجع، تروي في شعر موزون، غير خلوٍ من القوافي، تضحيات العراقيين والعراقيات الذين واجهوا على الدوام حروب الفرس، والمغول، والتتار قديما، وفي الزمن الحاضر. فحتى أحلامهم تحولت كوابيس، فالمقاتل بدلا من أن يحلم بنزهة بين النخيل يسمع فيها تغريد الطيور، وزقزقة العصافير، وتراقص الفراشات بأجنحتها الملونة البراقة الزاهية، نراه يحلم بعشٍّ من أغلفة الرصاص لقبرة لا كقبرة شيللي Shelley في قصيدته الرومانسية المشهورة إلى قبرة To a Skylark بل لقبرة ثكلى:
أبني عشا من بعض رصاصاتي
للقبرة الثكلى
أستلّ صباحا من جرحي
لمساءٍ دامس
القاتل الجرذ
فأحلامُ هذا المحارب كوابيس، وجراح، ودخان، وأصابع من حجر، ودموع، وخمرة حربٍ تشعل في الجسد حريقا يتراقص اللهب المتصاعد منه في الخاصرة. وهذه صورة مفزعة للحرب، والمحارب، لا نجدها إلا في قصائد لهيب. وتزداد وضوحًا وقسوةً إذا ووزنت بصورة أخرى تُعنى بها الشاعرة، وهي صورة القاتل الذي لا فرق لديه بين قتل الإنسان وقتل الحشرة، وقتل شخص واحدٍ أو الشعب كله إذا أراد، أو الناس جميعا. فهو لا يفتأ مقعيا كجرذ يراقب الحرب على شاشات التلفزيون، أو الحاسوب، وكأنه طفل بريء يلهو بإحدى الألعاب الإلكترونية، فيما أطفال العراقيين لا يحلمون بغير المنفى:
وأطفالنا في الشوارعِ
نبتٌ غريب يسائل عن لغةٍ
لم تعد كاللغاتِ
فحلم الطفولة
بعض خيام
وأغنية من فتات
القصيدة القصيرة
وكان الراحل سامي مهدي قد أشار في تقديمه الأنيق للديوان لبعض ما يتصف به شعر لهيب، فأثنى على الشاعرة لعدم تخليها عن الوزن، ولحرصها على القافية من حين لآخر. وأخذ عليها الجمع بين الموزون والنثر في قصيدتها الأخيرة الموسومة بعنوان «زهرة للحرب.. زهرة للحب» غير أنه لم يشر لما في الديوان من قصائد قصيرة. وللقصيدة القصيرة في شعرنا الحديث ما ليس لغيرها من إيحاءاتٍ، وظلالٍ، تختلف بها عن غيرها من طوال القصائد. ففي الديوان نجد غير قصيدة من هذا النوع المسمى بالإنكليزية Epigram فها هي ذي تقول في «لا شيء» مكررة النفي بـ «لا» غير مرة:
لا شيء سوى قبضة رمل
أو ريح
لا شيء هنالك
ورد مذبوحٌ
يومٌ يتشظى
ونهارٌ ترسمه الأشلاء
وتراتيل الموتى قرقعة وعظام
وطبول تتار
أرض تفتح ساقيها للريح
لا تحمل غير بذور النار
فالأرض التي ينبغي لها أن تنبت النخل، لا تنبت غير نار الحرب، وهذه صورة مفزعة، ورؤية قاتمة عن الإحساس بضياع كل شيء: الزمن (اليوم) و(النهار) والإنسان (الموتى) والأرض بما تعنيه من (ورد مذبوح) ولا تحمل في طياتها قمحا ولا نخلا، وإنما (بذور نار) نار الحرب. ولا ريب في أن هذه الصورة – القصيدة تمثل في الوقت الذي كتبت فيه صرخة مدوية ضد الحروب، وضد مشعليها كائنين من كانوا، وضدَّ سماسرتها من تجار السلاح، أو تجار العلاقات العامة، والأحلاف.
الأسلوب الخاص
صحيح أنَّ الشاعرة لهيب عبد الخالق لا تقدم في قصائدها هذه صورا شعرية جديدة مبتكرة تشهد على أن لها تجربة مختمرة، ومكتنزة، في الشعر. وأنها تجول، وتصول، منذ طويل زمن في عالم القريض قديمه، والحديث.. بحثا عن طريقة جديدة في الكتابة، وأسلوب يميزها عن غيرها من الشعراء، بحيث يعرف من يقرأ قصيدتها أنها للهيب عبد الخالق، وإن لم يذكر اسمها إزاء العنوان. على نحو ما نميز شعر أبي نواس من شعر أبي تمام، أو شعر ابن الرومي وسبكه من شعر البحتري وسبكه، أو كما نعرف أن القصيدة لنازك وليست للبياتي، أو لسعدي يوسف وليست لحميد سعيد أو علي جعفر العلاق. فهي، وإن نشرت ديوانها الأول عام 1987 إلا أنها ما تزال تواصل البحث، وترجو ألا يطول الوقت، ويتراخى، قبل أن تتوصل لهذه الذروة من ذرى الشعر، فتغدو ولها اسلوبٌ ما إنْ يتقرّاه الدارس حتى يوقن بأن هذا الأسلوب هو أسلوب لهيب عبد الخالق، وليس لشاعر آخر.
كاتب اردني