صعق عالم كرة القدم صباح يوم الخميس بخبر وفاة النجم البرتغالي ديوغو جوتا بحادث سير في شمال غربي اسبانيا، ما زاد من أحزان ناديه ليفربول الذي عاش على مدى عقود من الزمن يصارع الأزمات والمآسي أكثر من أي ناد آخر.
هو القدر المحتوم الذي كتب لديوغو جوتا (28 سنة) وشقيقه أندريه سيلفا (26 سنة)، حيث كان من المفترض أن يستقل الطائرة في طريق عودته الى مدينة ليفربول في انكلترا للاستعداد لمعسكر الفريق قبل بداية الموسم الجديد، لكن بسبب اصاباته المتكررة، ولأنه خضع لجراحة بسيطة في مدينة بورتو مسقط رأسه، فان طبيبه المعالج نصحه بعدم السفر في الجو كي لا يفاقم من حجم الاصابة وكي يساعده السفر عبر البر او البحر في التعافي، فقرر شقيقه اصطحابه الى ميناء سانتاندير في شمال غربي اسبانيا، والذي يبعد نحو 190 ميلا عن مدينة بورتو، حيث تبحر سفن وعبارات باستمرار من الميناء الاسباني الى مدينتي بليموث وبورتسموث جنوب انكلترا، حيث يقود بعدها جوتا سيارته الى مدينة ليفربول الشمالية، لكن القدر كان أسرع في مداهمة الهداف الداهية الذي اشتهر بسرعة بديهته وذكائه في الملعب، لينضم الى الذكريات الحزينة في قلعة “الأنفيلد” حيث ينشد المشجعون “لن تسير وحيداً أبداً” وهو الشعار المكتوب على أعلى البوابة الخلفية للنادي، حيث وضعت المئات من الأكاليل وباقات الورود والأزهار تكريما لروح ديوغو وشقيقه، ليس فقط من مشجعي ليفربول، بل من كل مشجعي كرة القدم في المدينة ومنهم أنصار الغريم ايفرتون، حيث اعتبروا ان جوتا هو “واحد من أهل المدينة”، وهو ما اعتادت عليه مدينة ليفربول بعد كل كارثة وحدث صعب، على غرار ما حل بنادي ليفربول في كارثتي استاد “هيسيل” في 1985، وكارثة استاد “هيلزبره” في 1989.
وتركت الوفاة المأساوية لديوغو جوتا فراغا كبيرا برحيل مهاجم أنيق ومحبوب تمتع بـ”ابتسامته العريضة” وكان موضع تقدير أينما ذهب، وخصوصا في صفوف فريقه ليفربول بطل الدوري الانكليزي، حيث جسَّد ديوغو جوزيه تيكسيرا دا سيلفا، المعروف باسم جوتا، صورة هذه المدينة الشعبية في شمال غربي إنكلترا بإحساسه بالتضحية والعمل الجماعي. لاعب حقق الشهرة من دون أن يفقد تواضعه أو ابتسامته. ومع ليفربول، سجل آخر أهدافه الـ65 في “أنفيلد” (في 182 مباراة)، أمام جماهيره الأسطورية، بعد مراوغة رائعة في مرمى غريمه التقليدي إيفرتون (1-0) في أوائل نيسان/أبريل الماضي. وكأنه يودع كل عشاق كرة القدم في المدينة بتسجيل الهدف الوحيد في هذا الدربي. ولخصت طريقة تسجيله للهدف ما كان عليه وما يمثله كلاعب: الضغط، مراوغة بالقدم اليمنى للتخلص من السنغالي ادريس غايي والتوغل داخل المنطقة، وأخرى بالقدم اليسرى لتخطي القائد جيمس تاركوسكي، قبل التسديد باليمنى إلى يمين الحارس جوردان بيكفورد واحتفل به من خلال الإشارة بإصبعه إلى شعار النادي.
لُقِّب في البداية بـ”ديوغو جيه”، ثم “جوتا”، حيث بدأ ابن مدينة بورتو مسيرته الاحترافية في نادي باسوس دي فيريرا في ضواحي بورتو مسقط رأسه، قبل أن يتم اكتشافه من أتلتيكو مدريد. لكنه لم يلعب أبدا مع النادي الإسباني الذي أعاره ثم باعه إلى بورتو. وانتقل الجناح الأيسر إلى ولفرهامبتون وتوج معه بلقب “تشامبيونشب” (المستوى الثاني) عام 2018، ثم اكتشف الدوري الممتاز. ففي عام 2020، تعاقد ليفربول ومدربه الألماني آنذاك يورغن كلوب مع هذا المهاجم متعدد المراكز الهجومية، القادر على اللعب على الجناحين أو في الوسط، وهو لاعب سخي في الضغط، موهوب وماهر في المساحات الصغيرة. ولم يتأخر في تبرير قيمة الصفقة التي انتقل بها من ولفرهامبتون الى ليفربول (نحو 50 مليون يورو) والتي اعتبرها البعض مرتفعة جدا داخل النادي الغني بالنجوم في خطه الهجومي (المصري محمد صلاح، البرازيلي روبرتو فيرمينو والسنغالي ساديو مانيه)، بسرعة كبيرة. كما أن الانسجام السريع للمهاجم الهاوي لألعاب الفيديو، ومالك فريق للرياضات الإلكترونية، بشكل ملحوظ من خلال الأهداف الستة التي سجلها بين تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر 2020، في غضون أحد عشر يوما و249 دقيقة لعب ممتدة على أربع مباريات.
ومع الـ”ريدز”، عزز صاحب الرقم 10 سجله بالوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا (2022) والفوز بأربعة ألقاب: كأس الرابطة (2022، 2024)، كأس الاتحاد (2022) والدوري الممتاز في نهاية نيسان/أبريل، وهو اللقب الـ20 في تاريخ ليفربول. ومع البرتغال، خاض جوتا 49 مباراة دولية، سجل خلالها 14 هدفا، وتوج بلقبين في دوري الأمم الأوروبية (2019، 2025). وتزوج جوتا من روتي كاردوسو، شريكته منذ فترة طويلة والتي أنجب منها ثلاثة أطفال، قبل حوالي عشرة أيام من وفاته في 22 حزيران/يونيو الماضي. ولهذا تعاطف العالم كله، وليس عالم كرة القدم وحده مع هذا النجم وعائلته، وكيف يتحول القدر من فرحة وسعادة الى حزن وكآبه في غضون أيام، بل في غضون لحظات.