دَمت مدينةٌ يمنية تنامُ على بحر ساخن

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء-“القدس العربي”: تشتهر تضاريسها بفوهات بركانية ذات بحيرات معلقة.  إنها مدينة تستلقي على جغرافيا من نار، يتدفق بين أرجائها عددٌ من العيون الساخنة تتخللها مروج خضراء خلابة تُشكّل وادٍ تلتقي فيه الينابيع الساخنة بالجداول الدافئة في منظرٍ فريد تمثله دَمت (بفتح الدال) مدينة الحمامات الطبيعية، التي تُعدّ أحد أهم مقاصد الاستشفاء والاستجمام الطبيعي في اليمن، والمؤهلة وفق دراسات لأن تكون أهم هذه المقاصد في الشرق الأوسط. مدينة كأنها متحف للبراكين وحديقة للينابيع، بل أكبر من ذلك.

تقع في محافظة الضالع إلى الجهة الجنوبية للعاصمة صنعاء بحوالي 180 كم. تربض هذه المدينة، هناك، في منتصف الطريق الذي يربط ما بين صنعاء وعدن، على الجهة الشمالية لعاصمة محافظة الضالع بمسافة 65 كيلو متراً، على هضبة ترتفع 2000 متر عن مستوى سطح البحر، يقطعها وادي بنا (أشهر أودية اليمن وأخصبها) من الشمال إلى الجنوب، وتتوزع المدينة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة، بين ضفتي هذا الوادي الشرقية والغربية، ويتخللها كثيرٌ من الأودية الفرعية، وتحيط بها سلاسل جبلية من جميع الجهات.

وبحكم موقع هذه المدينة، على ضفتي وادي بنا الغني بمصادر المياه  الجوفية، والأراضي الخصيبة؛ فقد كانت أحد أهم مراكز الاستيطان الأولى للإنسان اليمنيّ القديم، كما مكنتها هذه المقومات، التي كانت أساساً لاستقرار الإنسان قديماً، بالإضافة إلى موقعها الهام على طريق التجارة القديمة – من تطوير مراحل الحياة فيها، حتى صارت (في الممالك اليمنيّة القديمة) إحدى الحواضر الرئيسية للدولة الأوسانية، ثم الدولة القتبانية في القرن السابع قبل الميلاد، واستمرت حتى مطلع القرن الأول الميلادي، حيث وقعتْ تحت سلطة الريدانين حتى مطلع (القرن الخامس الميلادي ) وتركت مراحل تعاقب الحضارات عليها كثيراً من الشواهد الأثرية الباقية حتى الآن.

تتميز بوفرة مياهها الكبريتية الحارة، التي تتدفق بشكل طبيعي من عمق حوضها المائي، بتركيبة كيميائية ذات فوائد علاجية خاصة، ما أدى إلى انتشار حماماتها الطبيعية بكل أنواعها وأشكالها، في كل أرجاء المدينة التي لا تزيد مساحتها الكلية عن 1.5 كيلومتر مربع، ويزيد من جمالها مرتفعات بركانية، ما تزال فوهاتها، تناجي السحاب ببحيراتها المعلقة.

جملةٌ من المقومات اجتمعت وشكلت أهمية وخصوصية هذه المدينة، ابتداء من موقعها ومناخها ومعالمها الأثرية، وتوقفاً عند بيئتها الجيولوجية الغنية بالمياه المعدنية، والمتفردة بتشكيلات وتضاريس طبيعية ذات تكوينات صخرية مخروطية بفوهات بركانية، وبحيرات معلقة في قممها، وينابيع وعيون ساخنة متدفقة في سفوحها، كل ذلك بالإضافة إلى المناظر الطبيعية التي ترسمها الوديان بتقاسيم جمالية عجيبة يتداخل فيها الحجر بالشجر بالجدول.

ترتبط دَمت بشبكة من الطرق الإسفلتية، يسّرت الوصول إليها من عددٍ من المحافظات، بما فيها صنعاء التي يمكن الوصول منها إلى هذه المدينة خلال ثلاث ساعات بالسيارة؛ وهي طريق يتم فيها المرور بمحافظة ذمار، وأطراف من محافظة إب، وتحديداً مدينة يريم، التي يتم هناك الانعطاف جنوباً صوب محافظة الضالع. وقبل بضع دقائق على انتهاء الساعات الثلاث من مبتدأ الرحلة، تكون دَمت قد ظهرت بمعالمها البارزة المتمثلة في تلك المرتفعات ذات الفوهات البركانية.

يا لهُ من منظرٌ جميل لمدينة تستكين بين هضاب كلسيه!  فتلك الهضاب بفوهاتها البركانية، تشعرك كأنك في رحلة من (رحلات علاء الدين) وكأن (المارد) سينطلق للتو من إحدى هذه الفوهات. مشاعر وأحاسيس مختلفة تتداخل بين جوانحك، بينما عيناك مشدودتان نحو تلك الهضاب والفوهات، وخاصة تلك الهضبة التي تنتصب على الجانب الشرقي من المدينة كقبعة كابوي. مشهدٌ لا يمكن لعينيك أن تتجاوزه، حتى تجد نفسك بعد الدخول إلى المدينة قد اتخذت قراراً بأن يبدأ برنامج الزيارة بالصعود إلى تلك الهضبة، واكتشاف المدينة من أعلى فوهة هذا البركان.

فوهة البركان

عبر المدخل الشمالي للمدينة كان دخولنا إليها، ومروراً بالشارع الرئيسي وبعض الشوارع الفرعية، كان وصولنا إلى سفح تلك الهضبة الصخرية، التي تُعدّ أكبر مرتفعات الفوهات البركانية في المدينة، حيث يرتفع عن سطح الأرض نحو 250 متراً تقريبًا. وفي سفح هذا المرتفع وجدنا الكثير من السيارات، التي تتوقف ويترجل عنها ركابها من زوار المدينة، للصعود إلى قمة الفوهة عبر سلم حديدي ينتصب بشكل شبة عمودي.

ينتهي ذلك السلم الذي يتكون من أكثر من مئة درجة، إلى مدخل حجري في القمة، يُفضي إلى محيط الفوهة، وهو ممر دائري بعرض مترين، وتُحاط حافة الفوهة بسياج حديدي، يقف بجانبه الزوار لمشاهدة المياه في جوف الفوهة، وهي مياه تغلي، وتميل إلى اللون الأخضر، نظراً لاحتوائها على عنصر الحديد، وتناقص عنصر ثاني أكسيد الكربون حسب إحدى الدراسات.

 منظرٌ عجيب يشعر إزائه الزائر برهبة تتملكه، وهو يتنقل ببصره في التجاويف والتكوينات الداخلية للفوهة، التي قد يصل قطرها إلى خمسين متراً، ولها شكل دائري من الداخل يتسع عند قمة الفوهة، ويقل تدريجياً نحو الأسفل، بعكس شكلها الخارجي الذي يتسع كثيراً عند محيط القاعدة، ويقل تدريجياً نحو الأعلى.

وتتفاعل دهشة الزائر أكثر بعد أن ينقلب ببصره من داخل الفوهة إلى خارجها، أي بعد أن ينتقل من الوقوف على الحافة الداخلية للفوهة، إلى الوقوف على الحافة الخارجية المطلة على المدينة، حيث يشاهد منظراً ساحراً لمدينة متناثرة على بساطٍ أخضر، تبدو بنتوءاتها من المرتفعات الكلسية المخروطية ذات الفوهات البركانية، حالة فريدة بين المدن، وهذه حقيقة لا يُسلّم بها، إلا من شاهد هذه المدينة من أعلى قمة بركانية فيها، ممعناً التأمل في تكويناتها الصخرية، وخاصة ذوات الفوهات البركانية المغمور معظمها بالمياه الساخنة.

يوجد في المدينة خمسة مرتفعات مخروطية ذوات فوهات بركانية، أربع منها مليئة بالمياه المعدنية، وجميعها عبارة عن هضاب كلسية عريضة القاعدة، يقل عرضها تدريجياً كلما ارتفعت إلى الأعلى، ومجوفة من الداخل، إضافة إلى أعماق تجاويفها المتفاوتة، التي لا تخلو من وجود المياه الهائجة في غليانها بشكل دائم، والتي لو سقط فيها حيوان لسُلق جسده.

الحرضات

 وتُعرف هذه الهضاب علمياً بنتوءات مرتفعات التوفا الكلسية، بينما تُعرف شعبياً باسم الحَرَضات لأنها تشبه في الشكل الإناء الفخاري والحجري “الحرضة” التي تُطبخ فيها إحدى الوجبات الشعبية اليمنية “السلتة”. وهذه الحرضات الطبيعية والفوهات البركانية اعتبرتها دراسة رسمية ظاهرة طبيعية فريدة في العالم، من حيث عددها، واختلاف أشكالها، وأحجامها، واحتوائها على بحيرات من المياه المعدنية الحارة في داخلها، كما أنها، حسب بعض الدارسات، تختلف عن غيرها من الظواهر الطبيعية المخروطية، في نوعية مادتها المترسبة، وظروف تكوينها بأشكالها الطبيعية البديعة، وخاصة هذه الحرضة والتي ما نزال نقف عليها، ويُطلق عليها اسم “حرضة الشولة”.

وتشير تلك الدراسات بناءً على الدلائل العلمية إلى “إن المنطقة تعرضت لحركة تكتونية كبيرة أحدثت الصدع المكون لوادي بنا، وأدى إلى ضعف وخلخلة القشرة الأرضية. وأثناء نشاط البراكين الرباعية الذي انتهى في العصر الجيولوجي الحديث، تدفقت مياه العيون الحارة بقوة وحرارة عالية مصحوبة بمواد ذائبة من كربونات الكالسيوم، وتراكمت حول عيون المياه الحارة ترسبات الترافراتين أو التوفا الكلسية، وهي نوع من أنواع الحجر الجيري، وتشكلت على هيئة الحرضات الكلسية الحالية، وكان ذلك قبل أكثر من أربعة مليون سنة من وقتنا الحاضر، ويبدو واضحاً أن مركز تدفق المياه الحارة الأكثر قوة كان في موقع حرضة الشولة بحكم حجمها الكبير، وارتفاعها العالي، الناتج من ترسبات الترافراتين”.

من أعلى حرضة الشولة يمكن للزائر مشاهدة الينابيع الساخنة (الحمامات) وهي تتدفق بغزارة على جوانب الحرضات، وإن كان بعضها قد جف ولم يعد منه سوى أطلال من كهوف وتشكيلات صخرية.

اتجهنا بعد نزولنا من حرضة الشولة إلى زيارة باقي الحرضات، فكانت التالية هي حرضة الربيبة الكبرى، والتي تقع شرق حرضة الشولة على بعد 150 متراً تقريباً، لكنها أصغر منها حجماً، وأقل ارتفاعاً، ولكن شكلها من الداخل يبدو أكثر جمالاً، ويشبه تماماً شكل التنور الفخاري، حيث يضيق محيطها عند قمة الفوهة، ثم يتسع قليلاً وتدريجياً نحو الأسفل، وتتخلل تجاويفها الداخلية فتحات صغيرة، ويوجد داخل هذه الحرضة مياه معدنية علاجية.

وبالقرب من حرضة الربيبة الكبرى توجد أخرى أصغر منها حجماً، ولهذا أطلق عليها حرضة الربيبة الصغرى، لكنها خالية من الماء، أما الحرضتان الأخريتان، فتقع الأولى إلى الجنوب من حرضة الشولة على بُعد كيلو مترين على الضفة الغربية لوادي بنا، وتسمى حرضة المبخرة؛ وهي مليئة بالمياه المعدنية العلاجية، والتي يبدو عليها عدم تأثرها بعنصر الحديد لنقاء لون المياه، كما يلاحظ الزائر حركة المياه بشكل نوافير صغيرة من الأسفل تلفت النظر إليها. أما الأخرى، والتي تسمى حرضة نيام فتقع إلى الشمال من حرضة الشولة بمسافة 2.5 كيلومتر، عند الأطراف الشمالية للمدينة، تطل عليها سلسلة جبال نيام، وتتميز بأن المياه الموجودة داخلها أقل حرارة من غيرها بالإضافة إلى محيطها الخارجي المغطى بالأشجار والمساحات الخضراء.

 وادي بنا

بعد أن فرغنا من زيارة الحرضات نزلنا إلى الوادي “وادي بنا” وهو يمر في الجانب الشرقي من المدينة في شريط مائي جارٍ يزداد نشاطه أيام موسم الأمطار، ويوجد على ضفتيه شريط زراعي مخضر بألوان مختلفة من المزروعات التي تعانق هذه المياه طوال فترة جريانها. ويضيف الغطاء النباتي للمدينة أهمية تتجاوز منظرها الجميل والساحر بتداخله مع التكوينات الصخرية الكلسية البركانية، إلى تنوع محتوياته واحتوائها – حسب بعض الدراسات – على نباتات طبية نادرة يستطيع منها الزائر الحصول على حمام طبيعي آخر غير حمام المياه الكبريتية.

المياه الكبريتية

تتدفق عيون المياه الكبريتية في كثير من إرجاء دَمت، ومنها ما يُعرف بعيون البرابرة، وهي كبريتية تتدفق بقوة من باطن الوادي أقيم على بعضها غرف من البناء الشعبي، ومنها الحمامات الواقعة جوار بحيرة كبريتية يسمونها بحيرة جُبير، وهي من البحيرات التي تستقر على مستوى سطح الوادي بالإضافة، إلى بحيرة أخرى أكبر منها تبعد عنها قليلا ً، وتعرف ببحيرة القائفي.

ليست هذه العيون والبحيرات سوى غيض من فيض المياه الساخنة المتدفقة في هذه المدينة النائمة على بحر ساخن. هكذا يشعر الزائر وهو يجد أمامه أينما اتجه في ينابيع حارة تتدفق بقوة توحي بحجم مخزونها الكبير.

الحمامات

يوجد في دَمت أكثر من عشرين ينبوعاً كبريتياً (حماما طبيعيا) يعمل منها حالياً ثمانية تقريباً، وبعضها تقدّم خدماتها مجاناً وبعضها بأجر. ونظراً لتصاعد حجم الإقبال عليها، وخاصة بعد أن أثبتت الدراسات تميزها كماً ونوعاً حسب المعايير الدولية في علاج الكثير من الأمراض، فقد تحولت بعض هذه الحمامات، إلى أجزاء من مجمعات سياحية، توفر مسابح عامة وحمامات خاصة بعضها للرجال والآخر للنساء، وتقدم بجانب خدمات الحمامات مرافق الإيواء والإطعام، من خلال فنادق ومطاعم بمستويات مختلفة، وتتوفر أيضاً في أجنحتها حمامات كبريتية خاصة. ومثل هذا بات موجوداً في بعض الحمامات، وبعضها يطمح أن يطور عمله ليصبح أشبه بالمصحات والمتنزهات والنوادي وغيرها، والتي تجعل منها منتجعات سياحية متكاملة؛ وهي أحلام مؤجلة لما بعد توقف الحرب الدائرة هناك، والتي شهدت هذه المدينة بعضاً من فصولها.

وبالنظر إلى البنية التحتية للمدينة يشعر الزائر بمدى افتقارها للخدمات التي تتواءم مع إمكاناتها الطبيعية بما يشجع المستثمرين على استغلال الفرص المتاحة فيها.

الغازات

تتميز حمامات هذه المدينة بدرجة حرارتها العالية التي تصل إلى 35-40 مئوية، بالإضافة إلى احتوائها على معدن الكبريت بنسبة كبيرة ووجود نسبه كبيرة من الغازات مما يؤدي إلى قذف المياه من أعماق الحوض المائي عدة أمتار في الهواء وبقوة قدّرتها إحدى الدراسات بـ 50-60 لتر/ثانية، ومؤشرها الهيدروجيني يصل إلى 6.9.

كما تحتوي هذه المياه على نوع من الكالسيوم والبيكربونات والكلورايد، كما يحتوي كل لتر ماء على أكثر من2 غم من الأملاح  المذابة، وعلى 900 ملغم  من ثاني أكسيد الكربون الحر، إضافة إلى عددٍ من العناصر والمواد المعدنية النادرة تقل أو تزيد قليلاً من حمام إلى آخر، لكن الثابت أن الدراسات العلمية الأولية قد أثبتت الفوائد الصحية لهذه المياه المعدنية، سواء عبر الاستحمام بها أو استنشاق أبخرتها أو شربها بعد تبريدها، في علاج كثير من أمراض الجهاز الهضمي، والجهاز البولي والتناسلي والتنفسي، والجهاز العصبي، والدورة الدموية، وأمراض الجلد، ومن أبرز هذه الأمراض: الالتهابات الروماتيزمية، والتهاب المفاصل المزمن، أمراض الجلد المزمنة وغير المتقيحة، أمراض الحساسية  الجافة، الالتهابات الناتجة عن الفطريات، التهابات المعدة لارتفاع الحموضة، والتهابات الشعب الهوائية..ألخ.

وقدّرت إحدى الدراسات أن الحمامات هنا كافية لإقامة مصحة علاج طبيعي بسعة خمسة آلاف سرير، ومستشفى يتسع لألف سرير لعلاج الحركة في الجسم علاوة على منشآت استشفائية واستجمامية مختلفة، وهي الدراسة التي طالبت الحكومة قبل الحرب بوضع يدها على كافة تضاريس المدينة وحمايتها من العبث الحاصل وتهيئتها للاستغلال السياحي الأمثل؛ والذي لو تم فان المدينة ستكون قبلة الاستشفاء والاستجمام الأولى عربياً، وإحدى أهم عواصم العلاج الطبيعي في العالم. فهي ليس كمثلها مدينة، إذ تُشعل حبها في صدرك، بسرعة اشتعال الكبريت، الذي يتقد معدنه في مياهها بكميات لا نظير لها في مياه معدنية أخرى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية