ذاكرة ترحال أدبية: إبراهيم أصلان المهمش الذي أبدع أدباً مميّزاً

يمنى العيد
حجم الخط
0

في تونس الخضراء، وبمناسبة إحدى الندوات الثقافيّة التي كنتُ أدْعى إليها، التقيتُه. إنه إبراهيم أصلان الذي ترتسم على وجهه علاماتُ الهدوء والصّفاء.

كان يعرف واحدُنا الآخر قبل أن نلتقي، فالكتّاب، إجمالا، يتعارفون عبر ما يكتبون، ويلتقون فيما يقرأ الواحدُ منهم للآخر. إنّه الحوار عبر القراءة، القراءة التي تصغي للمقروء، وتحاوره بصوتها الآخر، صوت الفهم والسؤال والمعرفة.

كنت قد قرأتُ مجموعته القصصّية الأولى “بحيرة المساء” التي نصحني بها، في ذلك الوقت، الصديقُ المشترك محمد دكروب. وكنتُ يومها أحلم بأن أكون كاتبة، ولم أكن أكتب سوى بعض الخواطر، أكتبها بقلم رصاص، ولا أحفل بحفظها.

ما زلت حتى اليوم أتذكّر، بشكل خاصّ، القصّة التي جعلها أصلان عنواناً لمجموعته. أتذكر السطح والأطفال الذين “تعودوا اللعب في أرجائه الخالية”، كما يخبرنا الراوي الذي كان، هو أيضاً، يصعد إلى هذا السطح كلَّ مساء.

كنت وأنا أقرأ هذه القصّة، أو الحكاية، أستعيد زمن طفولتي يوم كنت ألعب، مع بعض أطفال حيِّنا، على سطح دارنا الكبيرة في مدينة صيدا القديمة.

أقرأ مستغربةً ما يخبرنا به راوي “بحيرة المساء” عن ذلك المستأجر، الشرطي، الذي أزعجه دبيب الأطفال فوق سقف بيته. هكذا راح يكسر الزجاج ويرشُّه على أرضيّة السطح.

أقرأ وأستعيد صورة أحواض الزهور التي كانت تزنِّر سطح بيتنا، وأمهاتنا اللواتي كنَّ يفْرشْن لنا حصر القشّ فوق الأرض كي تقي أقدامنا الحافية من الأذى. أقرأ… أتعاطف مع أولئك الأطفال ضدَّ ذلك الرجل وقساوته التي كانت، كما فهمت، ترمز إلى السلطة.

صافحني بمودّة، وعبَّرتُ له عن سعادتي بلقائه. كان يبدو زاهداً في الكلام، خاصّة فيما يتعلُّق بموضوع الندوة، وما كان يُقدَّم فيها من مداخلات. فحكيتُ له حكاية علاقتي بقصّته تلك، ابتسم، وأخبرني عن حبِّه لهؤلاء الناس البسطاء ولحيّي إمبابة والكيت كات اللذيْن سكن فيهما فترة طويلة من حياته، وكان لهما الحضور الأكبر في أعماله.

قلت له متسائلة: شأن حضورك، أنت، في “بحيرة المساء”، وبشكل خاصّ في “ورديّة ليل!”.

بقي صامتاً، فأضفت: أرى أنَّ ما تكتب ليس قصصا بالمعنى المتعارف عليه، بل هو حواريّات، كلام بين أناس هذه الأحياء الشعبيّة، حواريات يشكِّل تواليها، كما أرى، رواية.

ممكن. قال. ثم أضاف: أنا عشتُ بين هؤلاء الناس المهمَّشين، وكتبتُ عن هذا المعيش الذي هو عيشهم. شخصيّات “بحيرة المساء” كما جاء في وصفها وفي كلامهم وحواراتهم، أفرادٌ من الشعب، يلتقون في الحي. هم أهلُ الحيّ… ومع هذا، أعتقد أن العبرة ليست أبداً في معرفة الناس إنّما في الإحساس بهم”.

ذكرتُ له أسماء بعض هؤلاء الناس: عمّ عمران، عبد السلام، القهوجي… ثم سألته: هل أنت مقتنع بما يقوله أحدُهم لآخر في واحدة من مرويّات “بحيرة المساء”: “أنا أحكي لكَ من التاريخ، التاريخ الحقيقي”. هل هذا يعني أن التاريخ الذي يكتبه المؤرخون هو تاريخ غير حقيقي، كي لا أقول إنه تاريخ مزوَّر؟

ربما! قال، ثم أضاف: على كلّ حال هو غير التاريخ الذي يصنعه هؤلاء الناس المهمّشون، والذي يُهمل، ويُترك للنسيان.

أنتَ كروائي، تأتي بهذا التاريخ إلى السرد الأدبي … بأي هدف؟

بهدف الوجود، وجودهم المهمل والذي لهم حقٌّ فيه. هم نسيج الحياة اليوميّة.

ووجودك كإنسان وليس فقط كروائي، أضفت.

ابتسم وبقي صامتاً. فتابعت كلامي أقول: عنيتُ وجودك في “ورديّة ليل”. في شخصّية ساعي البريد. أعرف أنك كنت موظّفاً في البريد وعملتَ ساعياً، قبل أن تكتب هذه الرواية، وقبل أن يُعبِّر نجيب محفوظ عن إعجابه بـ”بحيرة المساء”، ويأخذ على وزارة الثقافة المصريّة عدم نقلك للعمل في هذه الوزارة، بدل أن تبقى مجرّد ساعي بريد.

أحببت العمل بين الناس البسطاء، قال. ولم يضرّني ذلك. كنتُ فقط بحاجة إلى الوقت، من أجل الانصراف إلى الكتابة، الكتابة عن هؤلاء الناس البسطاء، الطيّبين. هم نسيج واقعنا الاجتماعي.

أعتقد أن “وردية ليل” هي رواية، قلتُ، وهي بذلك روايتك الأولى، وليس كما هو سائد بين النقاد الذين يعتبرونها مجموعة قصص. دليلي على ذلك هو الراوي، الذي لا يتغيّر والذي هو، في الآن نفسه، شخصيّة تروي عن ذاتها، عن مشاعرها وأحاسيسها، كما عن آخرين على علاقة يوميّة بهم. هي علاقة العمل في البريد.

بقي صامتا يصغي بهدوء. فسألته: ما رأيك؟

قال: “بعض الأشياء من الأفضل لها ألاّ تقال”، التصنيف مسألة ثانويّة بالنسبة لي.

لم أعلق. فأضاف: “أنا الطواف البديل الذي هدّه الإعياء، وتقدَّمت به الأيام”.

ابتسمتُ وقلتُ: كأنَّك هو.. ساعي البريد، سليمان، في زيارتك للقرية، على دراجة، ومعك حقيبة رسائل. تقوم بخدمات بريديّة. وفي عودتك تتأمّل، كما تقول، “الأولاد الصغار، والصبايا العاريات في ماء الترعة… وعيونهن تتطلع إليّ في صخب”.

ابتسم وقال: ليست “ورديّة ليل” سيرة ذاتية، وإن قرأتِ فيها ملامح من حياتي التي عُرِفتُ بها. ففي كل ما كتبتُ شيءٌ مني. أنا ككاتب قصّة أو رواية، أحكي عن المهمشين وقد عشتُ زمناً بينهم.. وأشعر بأني أنتمي إليهم.

في تلك الأثناء انضم إلينا الروائي التونسي محمد الباردي. جاء يدعونا لزيارة “مطماطة” أغرب مدينة في العالم العربي، كما قال، والواقعة غرب مدينة قابس (بلدة الباردي)، وعلى بعد 450 كلم من العاصمة.

في نهاية أيام الندوة، عاد إبراهيم أصلان إلى القاهرة، بعد أن اعتذر عن تلبية الدعوة لزيارة مطماطة. وذهبت، برفقة بعض الأصدقاء، لمشاهدة هذه المدينة العجيبة، الموجودة بكاملها تحت الأرض. وكنت أتمنى أن يشاهد روائي المهمَّشين هذه المدينة. هكذا، وبعد عودتي إلى بيروت، كتبت له الرسالة الآتية:

“الروائي العزيز إبراهيم أصلان

أحييك بمودة،

أكتب لك لأعبّر عن اعتزازي بذاك الحوار الذي دار بيننا في تونس.

كم تمنيتُ لو كنتَ معنا لترى مطماطة، هذه المدينة التي هُمِّش أهلُها الأمازيغ القدامى، وغدتْ هي وسكانها الأصليين، معلما سياحيّا، أو فرجة للغرباء، ومعظمهم من الأوروبيّين.

فكرت بك كثيراً وأنا أتأملُّ عراقتها وتقاليد أهلها الطيّبين، وقلت أكتب لك رسالة أصف فيها بعض ما تمنيتُ أن تراه، علّه يوحي لك بكتابة رواية عن هؤلاء المهمَّشين”.

في طريقنا إلى مطماطة، توقفنا أمام عجوز يجلس عند مدخل خيمة، خلفه غابة نخيل، وأمامه جرَّة فخّاريّة وطاسة نحاسيّة. صبَّ العجوز من الجرَّة سائلا كالماء وقدّمه لنا. إنّه عصارة قلب النخلة، قال لنا الباردي، يبزّونه ويبيعونه لأفادته ولذّة مذاقه.

مطماطة مدينة عجيبة، حقاً، فهي محفورة في صخور رمليّة. وسكانها الذين قابلنا بعضهم يتمسّكون بالبقاء في بيوتهم التقليديّة. لكن بعض هذه البيوت جرى تخصيصها للّسياح الذين ينشدون الهدوء والصمت. بيوت تشبه بيوت الدُّمى، نظيفة، مهوّاة عن طريق دَرَجها اللّولبي الذي هو، كما قيل لنا، بمثابة مروحة، يلاعب الهواءَ الذي يعبره كلما فُتح الباب وأُغلِق.

لن أطيل عليك في وصف هذه المدينة، فهي بما كانت عليه، وبما طرأ عليها من تحديث، وبهذا التجاور بين القديم والحديث، بين سكانها الأمازيغ المهمشين المنكفئين داخل بيوتهم وذواتهم التراثيّة، وبين السّياح الغرباء الشامخين بأنوفهم، والمعتزّين بأنفسهم… هي بكل هذا مدينة عجيبة حقاً.

فلماذا لم تُكتَب روايةٌ عنها!

ملاحظة: لم يتسن لي إرسال هذه الرسالة في حينه، لذا، أجدها مناسبة لنشرها اليوم في ذكرى رحيله!

ـ إبراهيم أصلان: 3/3/1935 ــ 7/1/2012

ـ ولد في محافظة الغربيّة ونشأ وتربّى في القاهرة في حي إمبابة والكيت كات، وقد كان لهذين الحيين حضور في كل أعماله.

ــ التحق في صغره بالكتّاب، ثم تنقل بين عدة مدارس ليستقرَّ في مدرسة لتعليم فنون السجاد، ثم في مدرسة صناعيّة.

ــ التحق في بداية حياته بهيئة البريد، وعمل لفترة كموزع بريد.

ــ عمل رئيساً لتحرير إحدى السلاسل الأدبيّة بالهيئة العامّة لقصور الثقافة في مصر.

ـ نال عدداً من الجوائز الهامة، بينها جائزة طه حسين، الدولة التقديريّة في الآداب، كفافيس الدوليّة، ساويرس في الرواية، والنيل للآداب.

ـ من أعماله: “بحيرة المساء”، “ورديّة ليل”، “عصافير النيل”، “حجرتان وصالة”، “خلوة الغلبان”؛ بالإضافة إلى رواية “مالك الحزين” التي تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان “الكيتك كات” لاقى نجاحاً كبيراً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية