متى كان لقائي به؟
أسأل ذاكرتي. لكنها لا تجيب. لا شكَّ أنها متعبة.
هي الذاكرة مثل جهاز الكمبيوتر، أقول، ولكن من لحم ودم وأكثر تعقيدا بكثير… بما لا يقاس.
لا ألحُّ، أتركها ترتاح، شأني في مرات سابقة، لتعمل من ثمَّ على إيجاد الجواب.
ها أنا أتذكر..
كانت بداية معرفتي به عن طريق قراءتي لروايته الأولى الشهيرة “رامة والتنين” (1979) التي تركتْ، يوم قراءتي لها، أثراً عميقاً في نفسي. كنت أعيد قراءة بعض فقراتها، وأنقل بعضها الآخر على دفتر صغير، أدوِّن عليه، عادة، ملاحظاتي على ما أقرأ، وما يستوقفني من صيغ فنيّة، ومن صور ومعاني.
أتذكر، اليوم، علاقتي بهذه الرواية، وقد مضى على قراءتي لها سنوات، التقيتُ خلالها بكاتبها إدوار الخراط أكثر من مرة، في القاهرة. كان ذلك بمناسبة مشاركتي في ندوات ثقافيّة يدعو إليها المجلس الأعلى للثقافة. نلتقي في فترات الاستراحة، أو بعد انتهاء الندوة، نجلس في إحدى صالات الفندق، نتحاور في شؤون الثقافة، في قضايا الرواية العربيّة، وفيما كتبه هو من روايات، وبشكل خاصّ “رامة والتنين”.
كان طلِق اللسان، يبادر إلى الكلام، يحكي ولا يتعب. يناقش بحماسٍ ملحوظ، وعن قناعة بوجهة نظره، وبشكل خاصّ فيما يتعلق بالحداثة، وتعريفه لها. فهي، من وجهة نظره، “الحساسيّة الذاتية” التي تميّز الرواية الحديثة. مثالها الأول، حسب رأيه، روايته “رامة والتنين”، أما ما سبقها من روايات فلا ينتسب إلى الحداثة. فنجيب محفوظ مثلا، وكما يقول، احتفى بالمدينة، وعبد الرحمن الشرقاوي وأمثاله احتفوا بالريف، ولكن مثل هذا الاحتفاء بقي، على أهميّته، وحسب قوله: “ديكوراً خلفيّاً، أو في أحسن الأحوال… ساحة للفعل الروائي”.
سألته بلهجة لا تخلو من الاستنكار:
ـ إذا لم تكن الرواية كتابة عن الواقع الاجتماعي فعن ماذا تكون الكتابة الروائيّة؟
فأجاب:
ـ الرواية الحداثيّة معنيّة بالكتابة عن خفايا النفس. وعن “الهموم التي تفرض نفسها على الكاتب في دول العالم الثالث… من دون أن يعني ذلك أنني أرى في الكتابة عملاً تبشيريّاً”.
ـ ماذا عن روايتك “رامة والتنين”؟
ـ “رامة والتنين” تحكي، بشكل أساسي، عن الحب والموت، حب ميخائيل العارم لـ رامة، بصفتها أنثى لها جمالها الذي يؤلم، ويتسم بالقلق وباللايقين. أي بما يحيل، في الرواية، على حتميّة الموت، وليس على ما هو اجتماعي. أضفْ أن المروي يتخذ، أحيانا، طابعاً أسطورياً، كما أنَّ رامة شخصيّة لا واقعيّة، فهي تقول لـ ميخائيل عندما كانا في المحطة: “ألا تعرف أني ساحرة”. ثمّة ظواهر عدة، في هذه الرواية تنتسب إلى عوالم الأساطير، مثل: الكلام على بحيرة “من الدم المسكوب على سطح المياه”، ثم قول ميخائيل الصريح، بأنّ رامة التي جاءت عارية هي “ليست من سلالة البشر”، بل “امرأة إلهيّة، عرّافة، داعرة قديسة، عذراء أبديّة…”.
ـ هل هذا يعني أنَّ رامة موصوفة بما يوحي بأنَّها رمز لحبٍ يعادل الحياة، أو بأنَّها الوجه الآخر للحياة… للحب الأبدي الذي يقابل حتميّة الموت؟
ـ نعم هي كذلك… ولكن هذا لا ينفي عن هذه المشاعر طابعها الوجودي، بل الواقعي، الذي يعانيه الإنسان باعتبار حتميّة الموت الذي تنتهي إليه الحياة.
ـ هل كلام الرواية عن هذه العلاقة بين الحبِّ والموت بطابعه الأسطوري، هو ما يجعل من “رامة والتنين” رواية حداثيّة؟
ـ ليس هذا وحسب، بل هو، وبشكل أساسي، ما سميّته “الحساسيّة الذاتية”.
ـ ما هي هذه “الحساسيّة الذاتيّة” التي ميَّزتْ روايتك “رامة والتنين”؟
ـ تتمثّل هذه الحساسيّة في علاقة الحب بين ميخائيل ورامة. وهو، كما سبق وذكرت، حبٌّ عارم، حبٌّ لرامة بصفتها أنثى أسطوريّة. بهذه الحساسيّة الذاتيّة يتشكَّل الزمن في الرواية، بصفته زمن الكلام الذي يكسر، كما يقول أحد النقاد، “ترتيب الوقت ومحتوياته من أحداث”. يكسر “الثنائيّات المتناقضة”، ويحكي عن “عوالم الإنسان الداخليّة وزمنها الخاص”. يقاس هذا الزمن “من خلال أحاسيس الإنسان الذاتيّة”، فهي، أي هذه الأحاسيس، “الموضوعة الرئيسة للسرد وللقارئ، ولمن يراها في الواقع”.
ـ هل هذا يعني أن الزمن في الرواية الحداثيّة لا ينتظم تاريخيّاً، بل نفسيّاًّ، أو ذاتيّا، وحسب التواجد والمشاعر والأحاسيس والأمكنة؟
ـ صحيح.
قال، وهمَّ ليشرح مفهوم هذا الزمن الذي ميَّز نصوص ما بعد الحداثة، فبادرتُ أعتذر عن متابعة حوارنا بسبب ارتباطي بموعد عمل. غادرتُه معبِّرة عن أملي، ورغبتي، بلقائه في اليوم التالي لاستكمال هذا الحوار.
في ذلك المساء، خرجت أنشد بعض الراحة قاصدةً ساحة الحسين وخان الخليلي. في الطريق، شعرت بنفسي وكأنّي أعيش حالة أدبيّة روائيّة… الناس موجٌ هائل يتحرّكون في فوضى تمتلك، كما الأدب، قدرة مدهشة على إيجاد نظامها الحياتي الخاصّ. أتأملُّ هذا الموج وأتساءل: أليس بالعلاقة مع هذه “الفوضى الأسطوريّة” علينا أن نقرأ روايات نجيب محفوظ، أو بعضها! أليس على هذه الفوضى، أي على هذا الواقع، تحيل بعض رواياته، لتشي بسمة حداثيّة هي التي مهّدت لحداثة “رامة والتنين”؟.
في شهر شباط/ فبراير من العام 2008 دُعيتُ، من قبل المجلس الأعلى للثقافة، للمشاركة في” ملتقى الرواية العربيّة الرابع”. كنت في هذه الأثناء، قد أعدتُ قراءة رواية “رامة والتنين”، كي أتبيّن خصائص الزمن السردي الذي ميّز، بشكل أساسي، مفهوم الحداثة، أو ما بعد الحداثة، للرواية. كما أني دوَّنتُ بعض الملاحظات بهدف الحوار الموعود..
في نهاية الندوة، جرى الاحتفال بمنح الروائي الكبير إدوار الخراط، جائزة الرواية العربيّة الرابع.
صعد الخراط إلى مسرح الاحتفال على وقع التصفيق الحارّ له. أخرج من محفظته بعض الأوراق وراح يقرأ معرِّفاً بسيرته وبتجربته الروائيّة.. ورحنا، نحن الحضور، نصغي.. نصغي ونصفِّق.. وطال إصغاؤنا، وتكرَّر تصفيقنا حتى صار بمثابة دعوة له بأن ينهي خطابه… لكن كاتب “رامة والتنين”، بقي، وكأنَّه في عالم آخر، يتابع القراءة.
اليوم وأنا أتذكر هذا الروائي الكبير، صاحب الرواية التي عشقتُها، الرواية التي شكَّلت المثال الأول لحداثة الرواية العربيّة، والتي جعل منها كاتبُها، فيما بعد، خماسيّة، أودُّ أن أقدم للقارئ بعض ما دونتُه من ملاحظات وأمثلة توضح خصائص الرواية الحداثيّة، خاصّة ما تعلَّق منها بزمن السرد، كما تعامل معه إدوار الخراط في روايته “رامة والتنين”.
كنت أنوي مناقشة هذه الملاحظات معه، وقتَ لقائنا أيام ملتقي الرواية العربية الرابع. لكن وضعه الصحي/ النفسي حال دون ذلك. هكذا أرسلتُ له، من بيروت، هذه الملاحظات في الرسالة الآتية:
“عزيزي إدوار.
أحيّيك بمودّة آملة أن تكون بخير وعافية.
يؤسفني أن تحول الظروف دون استكمال حوارنا الممتع والمفيد حو ل روايتك “رامة والتنين”، وكنتُ قد أعدتُ قراءتها، وسجّلتُ بعض الملاحظات، بهدف متابعة الحوار معك يوم تكريمك. لكن الظروف حالت دون ذلك. لذا فكّرت أن أرسل لك بعض هذه الملاحظات، رغبةً منّي في معرفة رأيك فيها، وبأمل أن يكون فيها فائدة لي وللنقد بشكل عام.
لقد لفتني، بشكل أساسي، تداخل أزمنة السرد وتشابكها بفنيّة خفيّة، ليس من السهل على القارئ العادي ملاحظتها، لكنّها توفّر له قراءة ممتعة، وذلك عن طريق إلغاء الحدود بين أزمنة السرد، ما يوحي بأنَّ الزمن هو مجرد فضاء يتحاور فيه العاشقان: ميخائيل ورامة.
هي مهارتك في استعمال صيغ الفعل في الماضي والحاضر والمستقبل عن طريق التداعي، محرّراً بذلك زمن السرد من التوالي. يتشظّى الزمن، تتداخل الأزمنة، تتشابك.. ويبقى الحوار هو الغالب، وتبقى الذات مركزاً للصورة.
عزيزي إدوار، يهمني معرفة رأيك فيما أقوله؟
بانتظار جوابك، لك أعز أمنياتي بالصحة ودوام عطائك الذي نعتزُّ به ونفخر”.
انتظرتُ طويلا جواباً على رسالتي هذه، ولكن دون جدوى. بدل الرسالة الجواب وصلني، بعد سنوات، خبر وفاته، فاستيقظتْ الذكريات، وسمعتُ صوته يقول، بلسان ميخائيل:
“نحن نموت، ولا نجِدُ في الموت نجْدَة، ولا نلتق فيه بأحد. الموت يطوي الكتاب، ويغلقه ويكرِّس ختمه”.
* إدوار الخرط: آذار/ مارس 1926 ــ كانون الأول/ ديسمبر 2015.
ـ ولد في الإسكندرية لعائلة قبطيّة. حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندريّة، عمل في عدة وظائف، آخرها مترجماً في السفارة الرومانيّة بالقاهرة.
ـ شارك في الحركة الوطنيّة الثوريّة في الإسكندريّة عام 1946، واعتقل عام 1948.
ـ كان غزير الإنتاج، وقد نال عدة جوائز بينها سلطان العويس ونجيب محفوظ والدولة التقديرية.
ـ من مؤلفاته: “حيطان عالية” مجموعة قصص، “الزمن الآخر”، “يقين العطش”، “أضلاع الصحراء”، “ترابها زعفران”، “حريق الأخيلة”، “طريق النسر”، “صخور السماء”، “حجارة بوبيللو”، “مخلوقات الأشواق الطائرة”؛ بالإضافة إلى عدد من المجموعات الشعرية، بينها “طغيان سطوة الطوايا”، و”ضربتني أجنحة طائرك”.