اعتبر الناشط الحقوقي والأكاديمي التونسي عبد الباسط بن حسن رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان أن “النموذج” التونسي الذي نجح في الحفاظ على سلمية الانتقال الديمقراطي من خلال الحوار والتفاوض ما زال هشا يحتاج إلى عمل كبير ليتحول إلى ديمقراطية راسخة تحكمها مبادئ دولة القانون ومنظومة حقوق الإنسان. وتطرق في حديثه لـ “القدس العربي” إلى واقع حقوق الإنسان ومسار الديمقراطية التونسية في ظل التحديات الاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد. ورأى ان أحد أهم أسباب تطور خطاب التطرف والعنف والإرهاب هي غياب الرؤية الواضحة لحياة المجتمع والتي تعتبر الثقافة والتعليم والمعرفة أساسا لبناء الفرد، وأن التونسيين بحاجة إلى اتخاذ قرار تاريخي بالاستثمار الحضاري بكل فاعلية في التعليم والثقافة والإبداع وخلق الفرص للشباب. يشار إلى ان عبد الباسط بن حسن هو رئيس مجلس إدارة المعهد العربي لحقوق الإنسان. وهو أيضا رئيس اللجنة الوطنية التونسية لدعم اللاجئين وشغل منصب عضو في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي. كما يشرف على قيادة الإصلاح التربوي في تونس بالشراكة مع وزارة التربية والاتحاد العام التونسي للشغل. وهو عضو اللجنة الدولية للاتصال باليونسكو.
شغل منصب مدير برامج حقوق الإنسان في مؤسسة فورد التربوية الدولية (2005-2011). ودرّس حقوق الإنسان في كلية الحقوق والعلوم السياسية في تونس وفي معهد العلوم الاجتماعية في جامعة تونس وفي المعهد الدولي لحقوق الإنسان في ستراسبورغ – فرنسا. كما كتب في مجالات حقوق الإنسان والتربية والثقافة. وكان عضوا في لجنة صياغة البرنامج العالمي للأمم المتحدة للتثقيف في مجال حقوق الإنسان. وفي ما يأتي نص الحوار:
*كيف ترون وضع الحريات وحقوق الإنسان في تونس؟
**لا شك أن تونس تعيش وضعا استثنائيا في منطقة ما زالت حقوق الإنسان والديمقراطية تعاني فيها صعوبات جمة وغربة حضارية. لقد تحققت في تونس منذ 2011 وبفضل نضالات مدنية لنسائها ورجالها هوامش من الحريات أكدها دستور 2014 وكرستها مجموعة من القوانين المنظمة لحقوق النساء والكرامة الجسدية ومنع الاتجار بالأشخاص وحرية الرأي والتعبير وتكوين الجمعيات والأحزاب والعنصرية ومجالات أخرى كثيرة.
كما تمثلت هذه الإنجازات في تنظيم مجموعة من الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية والتي كرست جانبا من مبادئ الانتخابات الديمقراطية والتعددية والنزاهة. كما لا يفوتنا أن نذكر حيز الحرية الهام الذي تتحرك فيه منظمات المجتمع المدني بنقدها للسياسات وتقديمها لمقترحات إصلاحية في مجالات عديدة تخص الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ولكن هذا “النموذج” التونسي الذي نجح في الحفاظ على سلمية الانتقال الديمقراطي من خلال الحوار والتفاوض ما زال هشا يحتاج إلى عمل كبير ليتحول إلى ديمقراطية راسخة تحكمها مبادئ دولة القانون ومنظومة حقوق الإنسان.
ما زلنا نعيش في تونس تواصلا لعدد من انتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية وتهديدا لحرية الرأي والتعبير وتمييزا يخص النساء والأقليات والجهات الدّاخلية وغيابا لرؤية تنمويّة تقوم على سياسات تصلح ميادين جوهرية في حياة التونسيين مثل التعليم والصحّة والنقل والسكن والتشغيل.
إننا في مرحلة دقيقة تحتاج إلى تحيين “النموذج” التونسي برؤية تجمع بين الاهتمام بالسياسة والتعلق بالتنمية العادلة والتي تدمج الجميع بدون اقصاء ولا تهميش فلم يعد من الممكن اليوم تبرير انتقال يعجز عن خلق رؤية تعيد الأمل للمواطنين بأفق الديمقراطية والحرية.
*تونس مقبلة على استحقاقات انتخابية هامة رئاسية وتشريعية تعزّز مسيرتها الديمقراطية. فما رأيكم في هذا المسار وماهي أبرز التحديّات التي يمكن أن تواجهه؟
**لقد فتحت الثورة أفقا رحبا لممارسة السياسة التي طالما أخافتنا منها لغة الاستبداد الخشبية. أصبح في إمكان التونسيين والتونسيات أن يشاركوا في الحياة السياسية وأن يَنتَخِبُوا ويُنتَخَبُوا في مناسبات لا تتحكم فيها آلة الإدارة وأجهزة السلطة. هذا المكسب الكبير هو أحد أسس هذه الديمقراطية الناشئة. ولكن لهذه الديمقراطية تحدياتها ومصاعبها ككل مسار يريد أن يخرج الجديد من القديم. فلا زالت هناك مخاوف من قلة المشاركة في المناسبات الانتخابية وخاصة لدى فئة الشباب وسوء استعمال المال السياسي الذي يخلق نوعا من اللامساواة بين المترّشحين والمترشّحات للانتخابات وشكاوى من عدم حياد الإدارة أحيانا في المناسبات الانتخابية وتساؤلات كبرى عن مدى فاعلية وجدية هذا العدد المهول من الأحزاب السياسية. كما يطرح غياب المرأة عن المناصب القيادية السياسية تساؤلات كذلك عن تواصل التمييز في مسار ديمقراطي يجب أن يقوم على المواطنة الكاملة.
هذه التساؤلات وغيرها يمكن أن نفهمها بحداثة هذه التجربة وغياب بعض أدوات المحاسبة والشفافية وعدم ترسّخ الثقافة الانتخابية بشكل عميق وكامل. أدوات المشاركة في صنع القرار على كل المستويات وتطوير آليات رقابية جديّة تمكّن من تحويل الانتخابات إلى منظومة دائمة النزاهة والديمقراطية. وإن وجود الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لمن البوادر المشجّعة على درب إطار مؤسسي شامل لضمان نجاح الديمقراطية. كما لا تفوتنا الاشارة إلى أن “النموذج” التونسي لا يمكن ان يكتب له النجاح بدون قرار واضح وجلي بإنشاء المحكمة الدستورية التي طال التلاعب بمصيرها.
ولعلّ مهمتنا الوطنية اليوم هي في مزيد دعم وتعميق الثقافة الديمقراطية وجعل الانتخابات جزءا من ممارسة ديمقراطية أشمل.
*كيف تفسّرون غياب “الأخلاق السياسيّة” والتّنافس الفكري والبرامجي عن المشهد وتفشّي العنف في الخطاب السياسي؟
**لقد انتشرت بالفعل مظاهر مقلقة في المشهد السياسي بدأت تغلب على التنافس الفكري والبرامجي العميق والنزيه وأدت إلى تساؤلات عدّة عن مدى وجود “أخلاق سياسيّة” في مشهد الانتقال الديمقراطي. ولقد بلغت هذه المظاهر أحيانا حدّا من العنف المعنوي والمادي يهدد مستقبل الانتقال الديمقراطي. ويمكن أن نفسّر هذا الوضع بحداثة الثقافة الديمقراطية وضعف احترام مبادئ دولة القانون وعدم تفعيل آليات المحاسبة والعقاب في حالات تجاوز مبادئ الأخلاق السياسية.
نحن في حاجة اليوم إلى ان نعيد للسياسة معنى أساسيا بدأت تفقده في خضم العنف والشعبوية وهو معنى القيم. كما أننا في حاجة إلى منظومة متكاملة تجمع بين المبادئ والالتزامات والآليات التي تضبط علاقة مختلف المتدخلين والمتدخلات في الفضاء السياسي لتمنع العنف والمس من السلم الاجتماعية.
ونحن نعمل الآن كمجتمع مدني مع رئاسة الحكومة التونسية وبمشاركة طيف واسع من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام على وضع “مدونة سلوك للسياسة” تكون مثالا على الجمع بين مختلف أبعاد السياسة.
*احتفت تونس قبل أيام بعيد المرأة التونسية، في رأيكم هل لنا أن نقول أنّ المرأة التّونسيّة حققت ثورتها الكاملة في مجال الحقوق والمساواة؟
**سارت تونس منذ عقود على درب تحرير النساء وضمان المساواة في القانون والمجتمع وهو مسار استلهم إرثا مدنيا عميقا طالب منذ بدايات القرن العشرين بأن تكون حقوق النساء جزءا من حرية الشعب والتنمية الإنسانية الشاملة.
ولقد وضعت مجلة (قانون) الأحوال الشخصية أسسا كبرى لتحرير النساء والمجتمع ككل وأدت إلى تطوير مشاركة النساء في مختلف مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولكن مسار تحرير النساء ما زال يحتاج إلى تطوير ودعم وذلك بضمان المساواة التامة بين الجنسين وتمكين النساء من المشاركة في صنع القرار في أعلى المستويات وضمان حماية النساء من كل أشكال العنف والاستغلال الجنسي والاقتصادي وضمان اهتمام بالفئات الأضعف منهن وخاصة تلك اللواتي يتعرضن لأبشع أنواع الاستغلال الاقتصادي.
لا يمكن لثورة تونس أن تحقق هدف الكرامة بدون القضاء على التمييز وخاصة الذي يقوم على أساس الجنس.
ولدينا اليوم فرصة لإبراز تعلقنا بمبدأ المساواة التامة وذلك بدعوة كل الأطياف السياسية إلى التفكير بجدية في اعتماد قانون المساواة في الميراث لتكون حقوق النساء أثرا فعليًّا وفضاءً مشتركًا بين قوى المجتمع كافة.
*قدمتكم عدة مبادرات لحل مشكلة اللجوء والهجرة المختلطة التي تتوسّع أبعادها الاجتماعية والاقتصاديّة في تونس وذلك ضمن برامج عمل المعهد العربي لحقوق الإنسان. فما هي الآليات التي تعتبرونها ضرورية للتصرّف الجيد في هذه المسألة؟
**لقد قمنا بالشراكة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تونس وعدد من المنظمات العاملة في هذا المجال بتكوين الائتلاف المدني لمناصرة قضايا اللجوء في تونس رؤية للنهوض بقضايا اللجوء والهجرة المختلطة. وتندرج هذه الرؤية في ما سبق أن ذكرت، وهي أن الثورة التونسية لن تكتمل أهدافها بدون أن تضع الإنسان وحريته ونماءه في قلب السياسات والبرامج. لذلك اعتبرنا قضايا اللاجئين والمهاجرين قضايا أساسية لأنها تتنزل في إطار تعرّض هاتين الفئتين إلى أقسى الشروط اللإنسانية فلا يمكن أن ندّعي ديمقراطية مكتملة بدون أساس هام وهو المساواة.
تعيش منطقتنا العربية وتونس من ضمنها تفاقما لظاهرة اللجوء والهجرة المختلطة بسبب النزاعات والحروب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ملايين من البشر يهيمون بين البلدان بعد فقدان الوطن والأمل. لذلك، إن اهتمامنا في المعهد مع السلطات الرسمية وشركائنا من المنظمات باللاجئين هو لتحويل اللجوء من عملية أمنية صرفة إلى عملية تجمع بين الأمني والإنساني والتنموي، ونعمل لتحقيق ذلك من خلال المساعدة القانونية ودعم القدرات وبناء المعرفة وتكوين المسؤولين الحكوميين والإعلاميين والقضاة. كما نعمل على ضمان اعتماد قانون للجوء يحدد حقوق اللاجئين وواجباتهم.
كلها برامج تساعد على ضمان كرامة اللاجئين والمهاجرين ولكننا واعون بأن هذه المعالجة تتطلب كذلك حرصا دوليا على إيجاد حلول سلمية لحل النزاعات والحروب وإنهاء احتلال فلسطين وبناء السّلم في المنطقة.
*تونس عاشت تجارب مهمّة في مجال التعليم وقطعت أشواطا في نشر القضاء على الأميّة ولكن ما نلاحظه اليوم من ظواهر التسرب المدرسي والإدمان وغياب الادماج يمثّل تراجعا كبيرا، ماهي رؤيتكم للإصلاح وماهي الأسس التي يقوم عليها؟
**لقد اعتبر التراث الإصلاحي التونسي في القرنين التاسع عشر والعشرين التعليم جوهر استقلال الشعب من الاستعمار وبناء الذات الفردية وتحقيق التنمية الإنسانية الشاملة. لذلك استثمرت دولة الاستقلال منذ بداياتها في بناء المدرسة العمومية بمجانيتها وتساوي الفرص فيها وإدماجها للجميع فقراء كانوا أو أغنياء. لقد حققت المدرسة العمومية في بداياتها الجمع بين خلق المعرفة وتوفير فرص الحياة حتى قيل عنها انها تمثل مصعدا اجتماعيا للجميع.
ولكن التعليم العمومي شهد أزمات عديدة في العقود الماضية نتيجة اضطراب رؤيته وتخليه عن بعض مبادئ عمومية المدرسة ومجانيتها وتغلّب الجانب التلقيني في المعرفة على جانب المهارات والنقدي وانقطاع المدارس تدريجيا عن محيطها لتتحول إلى جزر معزولة في خضم المجتمع.
لقد كانت المدرسة في قلب المجتمع، توفر حلولا له ثم تحولت إلى هيكل تنخره المشاكل يعيش غربة عن المجتمع، ورغم محاولات إصلاحية عديدة ومجهودات مدرسين ومدرسات حاولوا على مدار السنين أن يحافظوا على المدرسة، فإن الوضع أصبح يتطلب إصلاحا عميقا وشاملا.
لقد شرع المعهد العربي لحقوق الإنسان منذ الثورة ومن خلال اتفاقية شراكة مع وزارة التربية على بحث سبل إصلاح المدرسة في هذا المسار الانتقالي، فقمنا بتحليل الكتب المدرسية وتدريب الإطارات التربوية وإنشاء نوادي المواطنة بالشراكة مع منظمات الأمم المتحدة. إن نجاح هذه التجربة شجعنا على إنشاء شبكة “عهد” للثقافة المدنية التي تتكون إضافة للمعهد من عديد المنظمات الوطنية كالاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدوليّة والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين والجمعية التونسية للنّساء الديمقراطيّات وجمعية القضاة والشبكة الأوروبيّة المتوسطية لحقوق الإنسان. وقد دعيت هذه الشبكة سنة 2015 لتكون طرفا مع وزارة التربية والاتحاد العام التونسي للشغل في مسار تاريخي لإصلاح التعليم.
لقد بدأنا هذا المسار بحوار مجتمعي تشاركي جمع مختلف الأطراف المتدخلة في العملية التعليمية واستخلصنا من نتائج هذا الحوار مجموعة توجهات إصلاحية تعمل الآن عليها مجموعة من لجان الخبراء كمواضيع للعمل والتطوير نذكر من بينها السياسات التربوية والمبادئ العامة للتعليم، الحياة المدرسية، الحوكمة والتسيير، تطوير المكتسبات، البنية التحتية وغيرها من المواضيع. ورغم أن هذا المسار شهد مصاعب عديدة وأزمات إلا أنه افتتح عهدا يعتبر التعليم وإصلاحه جزءا من مسار الانتقال الديمقراطي.
إن المخاطر التي تحدق بتعليمنا من تسرب مدرسي وضعف في المعرفة وغياب الإدماج وعنف، كلها تتطلب خروجا عن الحلول الترقيعيّة المناسباتية وإعادة طرح السؤال عن المدرسة التي نريد هل هي مدرسة لصنع المواطن والمواطنة أم مدرسة تواصل إنتاج الأزمة وراء الأزمة؟ يجب أن نصل إلى مرحلة من السياسة التعليمية الجريئة التي تقول بكل وضوح أن المعرفة والتعليم والثقافة هي أولوية أولويات المجتمع فترصد لها الميزانية اللازمة وتنحت لها السياسات المستدامة.
وهناك اليوم مشروع قانون المبادئ الأساسية للتربية والتعليم الذي يضع أسس هذه الرؤية وينتظر إقراره والمصادقة عليه لنصالح أنفسنا مع التعليم والمعرفة.
*ماهي حسب رأيكم الأسباب المباشرة والعميقة لانخراط الشّباب في التنظيمات المتطرّفة، وكيف نحقّق مفهوم الوقاية من التطّرف بالنسبة للشباب؟
**إن أحد أهم أسباب تطور خطابات التطرف والعنف والإرهاب هو غياب الرؤية الواضحة لحياة المجتمع والتي تعتبر الثقافة والتعليم والمعرفة أساسا لبناء الفرد، لذلك اعتبرنا التعليم أفقا أساسيا لبناء مجتمعنا الجديد. هناك اليوم تصحّر وضعف في سياسات الثقافة والتعليم والإبداع يؤدي بدوره إلى هشاشة الفرد وإلى ذهاب البعض منه نحو التطرف وغياب الفكر النقدي.
ولكن هناك أسبابا أخرى عديدة منها الاجتماعية والاقتصادية وغياب أفق الحلم بالنسبة للشباب إضافة إلى تأثير الإغراءات التي تسوّق لها الحركات المتطرفة. كل هذه الأسباب تؤكد على ضرورة أن تجعل مجتمعاتنا من الفرد أحد أسس تنميتها وأن تكف عن معاملة الإنسان وخاصة الشباب بمنطق الاستبداد والإكراه وأن تجعل من الحريّة والديمقراطيّة أساسا لبناء العقول والسلوكيات بذلك فقط يمكن أن نحرر الفرد فنتحرّر بالتالي من ظلمات الانغلاق ورفض التنوع والاختلاف. نحن في حاجة إلى اتخاذ قرار تاريخي بالاستثمار الحضاري بكل فاعلية في التعليم والثقافة والإبداع وخلق الفرص للشباب.
*كيف تقيمون وضع الحريات وحقوق الإنسان في العالم العربي خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من حروب وصراعات؟
**ما زال العرب يعيشون على هامش الزمن الفعلي للديمقراطية وحقوق الإنسان. هناك في أغلب مجتمعاتنا مفارقة غريبة ومؤلمة بين شعوب فيها طاقات كبيرة وأحلام متعدّدة ومطالبات متواصلة بكرامة العيش والحرية والسلم والتنمية العادلة، وواقع مناقض ينخره داء الحرب والنزاعات والفساد والقوانين الاستبداديّة وضرب الحريات والتمييز.
ورغم أن العقود الماضية شهدت ظهور خطاب رسمي ينطق بحقوق الإنسان وحركات مدنية تناضل من أجلها وتدفع ثمنا غاليا في سبيل ذلك، فإن كل البلدان العربية تعيش غيابا لمنظومات متكاملة وفاعلة في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية تجمع بين دساتير وقوانين تكرس مبادئ الحريّات، ومؤسسات رقابية تسهر على المحاسبة، ومشاركة شعبية في صنع القرار، ومجتمع مدني مستقل، وثقافة حقوقية مزدهرة. إن ما تعيشه المنطقة من حروب ونزاعات وعنف وتطرّف وفساد وفقر تعود أسبابه إلى هيمنة خارجية وعوامل جيو-استراتيجية معقدة تعصف بالمنطقة ولكن الأسباب الخارجية لا يمكن أن تفسر لوحدها مأساتنا الحضارية الشاملة وتأخّرنا وخيبة أمل شعوبنا واليأس الذي تعبّر عنه الانتفاضات والاحتجاجات وقوارب الموت.
إن من الأسباب العميقة للوهن الحضاري الذي نعيشه اليوم غياب التداول السلمي على السلطة والمشاركة الواسعة في صنع القرار والسياسات واستشراء الفساد والمحسوبية والتمييز والإقصاء والتهميش وغياب الإصلاحات الكبرى للتعليم والصحة والسكن والبنية التحتية. إننا في مجتمعات ما زالت تضحّي بالفرد ولا تعترف بمكانته كصانع لمصيره ومساهم في صياغة واعية لعقد اجتماعي يقوم على الديمقراطية والمواطنة والتنمية.
إن السؤال الحضاري المطروح علينا اليوم جميعا هو أن نكفّ نهائيا عن التلاعب بمعاني الديمقراطية وحقوق الإنسان فنقبلها حينا ونتجاهلها أحيانا. وأن نخرج عن هذا الانفصام الحضاري الذي يجعلنا ننادي بالتمتع بكل الحقوق ثم نواصل بدون انقطاع سب وشتم منظومة حقوق الإنسان. علينا أن نخرج من زمن الاستبداد وثقافته وندخل بكل وعي في زمن الحق والعدالة قبل فوات الأوان.
*ما أبرز مشاريعكم المقبلة؟
**نواصل في هذه الفترة تعميق ما بدأناه من عمل في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعليمها على أوسع نطاق وسنفتتح قريبا إذاعة متخصصة في مجال حقوق الإنسان ستكون هي الأولى من نوعها في البلدان العربية وتمثل فضاء لبلورة خطاب حقوقي متنوع يمكن أن يصل إلى كل الفئات الاجتماعية.
كما نواصل محاولاتنا لاستئناف مسار إصلاح التعليم في تونس وهو ما يمكن ان يضمن له الاستدامة ويحقق آمال كل من ساهم فيه ورعاه.
أما على المستوى الدولي فبصفتي عضوا في لجنة التنسيق الدوليّة للمنظمات غير الحكومية لدى اليونسكو فإننا نواصل الاستعداد لتنظيم المنتدى الدولي لليونسكو حول طرق مواجهة الإقصاء والتهميش.
ولعلّ 2019 تمثل سنة فارقة في تاريخ الحركة الحقوقية العربية وتاريخ المعهد العربي لحقوق الإنسان بما أنها تمثل فرصة للاحتفال بالذكرى الثلاثين لتأسيسه ولقد برمجنا عددا كبيرا من الأنشطة لمزيد التأكيد على ضرورة أن تصبح ثقافة حقوق الإنسان جزءا من رؤيتنا لحياة مجتمعاتنا.