رئيس حزب المبادرة كمال مرجان: لن نخرج من وضعنا الحالي في تونس إلا بوفاق وطني

حاورته: روعة قاسم
حجم الخط
0

أكد رئيس حزب المبادرة ووزير دفاع وخارجية تونس سابقا كمال مرجان، ان تونس محتاجة إلى وفاق من كل الأطراف السياسية بشرط وجود إرادة حقيقية من الجميع. مشيرا إلى انه ليس من مصلحة تونس تشكيل حكومة جديدة بالكامل لأنها تحتاج لوقت حتى تستقر. وتطرق في حديثه لـ “القدس العربي” إلى الأوضاع في البلاد ورؤيته لما يحصل في المنطقة، مؤكدا ان العالم العربي يحتاج لحوار جدي وصريح بين عدد من دوله للخروج من الصراعات الدائرة.

يشار إلى ان كمال مرجان هو دبلوماسي ورجل سياسة تونسي تولى منصب وزير الدفاع في عام 2005 ووزير الشؤون الخارجية في كانون الثاني/يناير 2010. درس الحقوق وحصل على دبلوم المعهد العالي للدراسات الدولية في جنيف، كما أنه حاصل على دبلوم في حل الأزمات من جامعة وسكنسون الأمريكية ودبلوم أكاديمية القانون الدولية في لاهاي.

وفي عام 1977 دخل المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، حيث تحمل عدة مسؤوليات، سواء في مقرها بجنيف أو ميدانيا في جيبوتي وإيران ومصر. بعد غزو الكويت في اب/أغسطس 1990، عيّنه المفوض السامي النرويجي ثورفالد ستولتنبرغ، على الفور مديرا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنوب غرب آسيا وشمال افريقيا والشرق الأوسط، وفي تموز/يوليو عام 1994 وفي خضم الأزمة في منطقة البحيرات الكبرى مع الإبادة الجماعية في رواندا، تم نقله إلى إدارة افريقيا.

في عام 1996 سمي سفيرا لبلاده وممثلا دائما لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات المختصة في جنيف وتولى رئاسة هيئة تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية “OMC” ثمّ عيّن في عام 1998 رئيسا للجنة الشؤون الإدارية والمالية للمنظمة. سمي بعد ذلك ممثلا خاصا للأمين العام للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورئيسا لبعثة حفظ السلم فيها. ثم أصبح عام 2001 المسؤول الثاني في المفوضية السامية للاجئين مكلفا العمليات.

وفي ما يأتي نص الحوار:

*ما رأيك في الأزمة السياسية التي تشهدها تونس بين رأسي السلطة التنفيذية وحركتي نداء تونس والنهضة؟

**أعتقد أولا أن الواجب بالنسبة للوضع اليوم يقتضي أن يحصل تفاهم، لأن البلاد لا يمكن أن تخرج من الوضع الذي هي فيه إلا بوفاق وطني يخصّ خاصة أعلى هرم السلطة، وكنت أول من نادى بوفاق وطني حين كنا من المشاركين في إعداد وثيقة قرطاج بتواجد فعلي وبتقريب وجهات النظر بين الجميع. وثيقة قرطاج أنجزناها جميعا وأعني الموقعين عليها. وكان هذا موقفنا وبكل شرف منذ البداية أي منذ أن بدأنا الحوار الوطني الأول الذي دار في باردو وكذلك الذي دار في قرطاج.

وأعتقد أن الأمر ليس مستعصيا اليوم إذا اعتبرنا انه يتعلق بواجبنا مهما كانت توجهاتنا وتفكيرنا. البلاد محتاجة إلى وفاق من كل الأطراف السياسية بشرط وجود إرادة حقيقية من الجميع. ولن ينجز هذه المهمة حزب أو حزبان بل يجب أن يقوم بذلك كل من له وزن في البلد.

سنحاول أن نقرب بين الأطراف قدر الإمكان، وليس فقط بين الأحزاب، بل أيضا المنظمات الوطنية التي لها دور هام. وجب البحث دائما عن الوفاق من أجل خير البلاد وهذا اعتقادي وايماني وسأقوم بما أقدر عليه لأساهم في أن يكون الوضع أفضل مما هو عليه الآن.

نحن نساند رئيس الحكومة ونعتقد انه لا بد من الإشارة إلى أن الوضع لم يعد يسمح بأن تستمر الأزمة خاصة وأننا مقبلون على انتخابات تشريعية ورئاسية السنة المقبلة. وما زلت أعتقد أن وثيقة قرطاج فيها من المحتوى ما يحقق هذا التوافق شريطة تقديم حل عملي جميع الأطراف.

*إذن في رأيك تونس ليست في حاجة إلى حكومة جديدة؟

**ككل عمل سياسي وإنساني لا بد من البحث عما هو أفضل وبدون تغيير جذري وكبير، لكن في وضعنا اليوم يجب ان يساهم الجميع بإرادة حقيقية وبتنازلات كلما اقتضت الحاجة.

*وفي ما يتعلق بالكتلة النيابية التابعة ليوسف الشاهد هل لديكم نية للانضمام إليها؟

**ليست لنا شروط خاصة وسنساند أي مبادرة توحدنا وتكون في مصلحة البلاد. ونحن نساند يوسف الشاهد لأننا نعتبره صادقا في خدمة الوطن وليس من مصلحة تونس أن نعيد الكرة ونشكل حكومة جديدة بالكامل تحتاج لوقت حتى تستقر ولا أعتقد أن من العقل والرصانة أن ندخل في متاهات أخرى. فما تحتاجه بلادنا من حلول أمنية أو اقتصادية وغيرها، لا توجد بشأنه خلافات مبدئية. ولا بد أن تقوم شخصية وطنية بمجهود خاص لتقرب بين الأطراف سياسية أو اجتماعية أو غيرها وهذا ممكن إذا توفر الحد الأدنى من الإرادة. لا يوجد حل آخر غير التوافق ومن لديه حل آخر فليقدمه لنا.

*لكن اليوم هناك استياء من شرائح عديدة من سياسات حكومة الشاهد خاصة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، فالأوضاع متردية، الدينار تراجع سعر صرفه إلى مستويات قياسية، تدهور المعيشة والقدرة الشرائية للمواطن وكثرة الضرائب؟ وحتى الحرب على الفساد يرى البعض انها كانت مسيسة ومحدودة وشملت البعض دون الآخر وبدا الشاهد مترددا خائفا من فتح عديد الملفات. فماذا تقولون؟

**هذا صحيح، هناك أطرف ومنظمات وطنية أساسا إلى جانب المسؤولين عن الاقتصاد والمالية في الدولة يجب أن يجدوا أرضية وفاقية، فالحلول فنية وعلمية في هذا المجال وليست صعبة. نحن في حاجة إلى تمشية عقلانية. رئيس الجمهورية قادر على لعب دور توفيقي رغم أن السلطة الحقيقية في هذا الميدان عند الحكومة. ولدي أمل أن وضعنا الاقتصادي سيتحسن لأن كل شيء يشجع على ذلك. كما أن هناك دولا شقيقة وصديقة يمكن أن تساعد تونس للخروج من أزمتها ويجب أن تتوفر الإرادة وتوضع مصلحة تونس فوق كل اعتبار والتنازل عن الأغراض الشخصية والذاتية والحزبية.

*ينتمي حزبكم “المبادرة” إلى العائلة الدستورية فكيف العلاقة اليوم مع حركة النهضة أعداء الأمس القريب؟

**أنا أقول دائما أن هناك ما قبل كانون الثاني/يناير وما بعد 14 كانون الثاني/يناير (تاريخ الإطاحة بنظام بن علي) ومن لم يفهم هذا أعتقد أنه خطأ كبير. اليوم بلادنا لا يمكن ان تتحمل أن نبقى في خصومات في زمن لم تعد فيه الايديولوجيا ذات أهمية على مستوى العالم، فأكبر رأسمالية هي اليوم في موسكو. وبالتالي نحن أيضا علينا ان نكون براغماتيين. ووجب نزع تلك العقدة لما قبل 14 يناير وعلى العائلة الدستورية والعائلات الحزبية الأخرى ان تستوعب ذلك.  الدساترة انجزوا لتونس مع بورقيبة ومع بن علي وكانت لهم أخطاء ككل البشر. الايديولوجيا لم تعد محركا والوفاق الوطني ضروري حتى لا ندخل في متاهات لا تغني ولا تسمن من جوع.

*بخصوص العملية الإرهابية الأخيرة، لماذا هذا الفشل الأمني في قلب العاصمة وفي شارع الحبيب بورقيبة بكل رمزيته ومن يتحمل المسؤولية؟

**الإرهاب في تونس وفي الخارج خطر محدق بنا ويمكن أن نحد منه، علينا أن نضع اليد في اليد لنكسب الحرب على الإرهاب بما في ذلك واجب التعاون بيننا وبين دول شقيقة وصديقة في هذا المجال. ثم يجب ان نقوم بتحسيس كل المواطنين بدورهم في هذا المجال وحثهم على التعاون مع السلط الأمنية.

*أليس لتهميش دور الشباب دور في نمو الظاهرة الإرهابية؟

**هذا صحيح ووجب التفكير في تأطير هذا الشباب من الجميع بما في ذلك منظمات المجتمع المدني والأحزاب. ويجب على الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم.

*بوصفكم وزير خارجية سابق ما هو تقييمكم للدبلوماسية التونسية؟

**مهم جدا أن توجهاتنا وثوابتنا لم تتغير في هذا الميدان. الموقف التونسي من المسائل الإقليمية والدولية هو نفسه وهذا مهم. ما حصل في تونس من الناحية السياسية يجب أن يفهم إيجابيا وان لا ندخل في متاهات مع دول كانت تدعمنا في السابق وإلى جانبنا. العمل ليس سهلا وأقدر صعوبة الوضع وايماني صادق اننا سنخرج من هذه الوضعية لأن هناك دعما من عديد الأطراف عربية أو أجنبية.

*هل ستترشحون مرة أخرى لرئاسة الجمهورية؟

**سئلت هذا السؤال مرات عديدة وجزم البعض أنني مرشح لكنني لم أتخذ قراري بعد لأن القرار ليس سهلا، على المرء أن يفكر هل هو قادر على النجاح أم لا وهل هو قادر على القيام بواجبه؟ أقول بكل صدق أنني أفكر في الترشح لكن لم أحسم أمري بعد. سآخذ القرار في وقته إذا رأيت أن في ترشحي فائدة. سعادتي هي في تجاوز بلدي لصعوباته وان يرفل أبناؤه في نعيم رغد العيش بقطع النظر عمن هو الرئيس.

*وما تقييمكم لوضع تونس بعد سنة 2011؟

**ما حصل في 2011 على كل حال كان سلميا مقارنة بدول أخرى على غرار سوريا واليمن وليبيا. وهذا سببه الفكر البورقيبي أو التوجهات والأفكار التي غرسها في الشعب التونسي من خلال التعليم وبناء جيش جمهوري يحافظ على سلامة الوطن ولا يتدخل في الحياة السياسية ويساهم في تنمية البلاد.

*بصفتكم دبلوماسيا سابقا في منظمة الأمم المتحدة ولعبتم عديد الأدوار في فض النزاعات، ما هو تقييمكم لما يحصل في ليبيا وهل تتوقعون حلا قريبا للأزمة؟

**ليبيا شقيقة وجارة وكل ما يحصل فيها تأثيره كبير على تونس وتمنيت أن يكون دورنا أكبر للبحث عن حل للأزمة الليبية بالتعاون مع أطراف أخرى مغاربية في الأساس. خوفي ان يرضي الوضع الحالي كل طرف وتبقى ليبيا مقسمة ومجالا واسعا لعديد التنظيمات بما فيها الإرهابية. يظهر ان هناك محاولة جديدة من طرف المبعوث الخاص للأمم المتحدة ولكن الحل يبقى بيد الليبيين.

*ما رأيكم في حركة التطبيع العلني مع الكيان الصهيوني لبعض البلدان العربية؟ هل هي بداية تنفيذ صفقة القرن؟

**هذا شيء يختلف من بلد إلى آخر، بالنسبة لتونس التي احتضنت منظمة التحرير الفلسطينية قيادة ومقاتلين بعد طردها من بيروت. كما أن لتونس مواقف واضحة مشرفة من القضية الفلسطينية منذ زمن الرئيس بورقيبة الذي زار المشرق وكانت له رؤية لحل القضية أنصفه فيها التاريخ رغم أنه لم يفهم في ذلك الوقت، ولو تم الاستماع له لكان الوضع الفلسطيني اليوم أفضل بكثير. بورقيبة كان رجلا واقعيا واشير إلى أن أول مقال صدر لي في الصحافة كان في سنة 1965 وكنت تلميذا في الثانوي ودافعت فيه عن موقف الرئيس بورقيبة من القضية الفلسطينية.

*لديكم تجربة ثرية في الأمم المتحدة خصوصا في المفوضية السامية للاجئين لو تحدثنا عنها؟

**رأيت من المآسي أثناء عملي في الأمم المتحدة الشيء الكثير سواء كان في افريقيا وآسيا أو في غيرها، وهو ما أثر على طبعي فأصبحت أفكر في الجوانب الإنسانية قبل كل شيء. أتذكر أنني ذهبت على رأس بعثة إلى أفغانستان والقوات السوفييتية ما زالت هناك لإعداد برنامج عودة لملايين اللاجئين الأفغان خاصة من باكستان وإيران. هذه المآسي أثرت في كثيرا وجعلتني أتفاءل بالنسبة لتونس لأنه رغم مشاكلها فهي بخير، إذا ما قارنتها بعديد البلدان التي زرتها أثناء عملي في الأمم المتحدة.

كما أنني دخلت لبنان سنة 1977 إبان الحرب الأهلية وأتذكر أنني التقيت بزميلة لبنانية من الأمم المتحدة لم تغادر لبنان وسألتها لماذا؟ فردت بأنها لن تغادر لبنان وهو على هذه الحالة رغم ان الأمم المتحدة أرادت إجلاء كل موظفيها وكان ذلك درسا ومثالا بالنسبة لي لن أنساه.

لقد عرضت علي العودة للأمم المتحدة بما في ذلك مهمة المبعوث الأممي لسوريا تعويضا للأخضر الإبراهيمي لكنني رفضت أن أترك تونس.

*هل تعتقد ان هناك سايكس بيكو جديدا يحضر للمنطقة؟

**لما الدول العربية لا يكون لها موقف موحد ومعروف ومتفق عليه يفتح الباب لتدخل جهات أخرى لا تنظر بالضرورة لمصالح بلداننا وتكون لها حسابات ومواقف خاصة بها. لدينا مثل تونسي بما معناه “لا يوجد قط يصطاد لوجه الله” وهذا ينطبق على هذه الدول الكبرى حين تصب اهتمامها على بلداننا. لذا يجب أن نبحث دائما عن مصالحنا الوطنية والقومية وخاصة العمل والمحافظة على وجود وفاق على المستوى العربي.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية