قضية دور المسؤول البريطاني السابق توماس إدوارد لورانس، الذي أٌطلق عليه لقب لورانس العرب في المساهمة في انتصار بريطانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى عبر إطلاق وقيادة ثورة عربية مسلحة ضد العثمانيين في الشرق الأوسط ما زالت تشغل الكُتاب والمحللين في العالم.
فهناك مَن اعتبره بطلاً شجاعاً ضحى بالكثير من أجل تحقيق التزاماته وقناعاته لحلفائه العرب ولبلده بريطانيا، فيما اعتبره آخرون جاسوساً مندساً قدّم وعوداً، تراجعت بريطانيا عنها بعد تقديمها للشريف حسين الهاشمي، ملك الحجاز في تلك الحقبة وأولاده فيصل وعبد الله وعلي، إثر توقيع حكومة لندن سراً اتفاقية «سايكس بيكو» مع فرنسا ومسبقاً لتقاسم المنطقة جغرافياً وسياسياً من دون استشارة القادة العرب وتقديمها وعد بلفور للصهاينة في مطلع القرن الماضي يسمح لهم بإنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين من دون التشاور مع أصحاب الأرض.
صَدرَ مؤخراً كتاب بعنوان «لورانس العرب» كتبه ضابط بريطاني سابق من المتأثرين عسكريا وسياسيا والمعجبين بلورانس واسمه رانولف فاينس يؤكد فيه انه مرّ بتجربة مشابهة لتجربة لورانس العرب في الحرب العالمية الأولى خلال خدمته في سلطنة عُمان ضد الثوار الذين شنوا ثورة ظفار ضد السلطنة العمانية في ستينيات القرن الماضي.
يقول فاينس في مقدمة كتابه أنه يصعب وجود شخصية في تاريخ منطقة الشرق الأوسط تشبه شخصية لورانس الفذة التي تعلم منها الكثير، ويشير في الوقت عينه إلى شخصية ملهمه المعقدة التي (برأيه) ساهمت إلى حد كبير في نجاحه في حملاته العسكرية الجريئة ولكن في وفاته المبكرة في حادث اصطدام تعرض له بعد عودته إلى أكسفورد (بريطانيا) أثناء قيادته دراجته النارية بسرعة في تلك المنطقة.
وفي هذه المراجعة سيتم التطرق لبعض المواقع في الكتاب التي لم يتم التركيز عليها إلى الدرجة ذاتها في السير الأخرى المتعددة عن حياة لورانس التي كتبت في العقود الأخيرة.
ففي الصفحة 294 يقول فاينس إن بعض المحللين أشاروا إلى ان لورانس لم يمت بسبب حادثة الدراجة النارية التي تعرض لها بل أنه تم اغتياله بسبب المعلومات الوافرة التي امتلكها عن «خداع حكومة لويد جورج البريطانية في العقد الأول والثاني من القرن العشرين وتراجع تلك الحكومة عن وعودها للشريف حسين وللعرب عموما بشأن إنشاء مملكة عربية تحت قيادته». على أي حال لعله يكفي أن يشار في الكتاب إلى ان جنازة لورانس حضرها رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرتشل والجنرال البريطاني البارز ادموند آلنبي، قائد الحملة العسكرية البريطانية التي احتلت فلسطين في مطلع القرن الماضي والذي كان معجبا بلورانس وانجازاته لمعرفة أهمية هذا الرجل القائد المعقد الشخصية في تقرير مصير الشرق الأوسط، في عشرينيات القرن الماضي.
أهم ما يستنتجه الكتاب هو ان لورانس كان مصمماً على تحقيق استقلال الشعوب العربية تحت قيادة الشريف حسين وأبنائه من الاستعمار الأجنبي عموماً (بريطانيا كان أو فرنسياً أو عثمانيا أو روسيا).
وبالنسبة لمواقف لورانس من الصهيونية يذكر المؤلف في الصفحة 297 ما يلي: «ان قضية الهجرة اليهودية إلى فلسطين كانت من القضايا التي شغلت بال لورانس وحلفائه العرب. فالأمير عبد الله ابن الشريف حسين اعتبر أن بعض العرب كانوا قلقين تجاه هذه الهجرة، ولكن ليس إلى درجة كبيرة وخصوصاً أن أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين كانت قليلة في البداية ولم يُظهر من ذلك تصميمهم على البقاء في فلسطين، بل على العكس كانت الهجرة اليهودية المعاكسة إلى الخارج في عام 1927 ضعف عدد هجرة الوافدين إليها».
ولكن الكاتب يضيف: «بعد الحرب العالمية الثانية وتصاعد العداء للسامية في أوروبا ومقتل الآلاف من اليهود الأوروبيين على أيدي النازية، ارتفع عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين إلى عشرات الآلاف وحتى الملايين. وبالتالي، فإن موقف لورانس وأولاد الشريف حسين لم يركز على الصهيونية وأطماعها آنذاك ويجب فهمه من هذا المنطلق».
كما يشير المؤلف إلى أن السلطة البريطانية «لم تُطلع لورانس خلال قيامه بدعم وقيادة الثورة العربية على كونها وقّعت اتفاقية سايكس بيكو ولا عن تعهدها للقيادات الصهيونية بتنفيذ وعد بلفور، ولذلك فإن لورانس كان يسعى حثيثاً إلى إيصال الجيش العربي الثائر إلى دمشق كهدف أساسي بإمكان العرب المقايضة وفرض الشروط حوله في مؤتمرات السلام اللاحقة».
ويثني فاينس على نجاح خطط لورانس في المقاومة الميدانية العسكرية ضد جيوش ضخمة بفضل الذكاء والتخطيط المسبق المستند إلى معرفته بالمنطقة عموماً التي امتلكها ذلك القائد.
ويعتبر المؤلف ان الاستراتيجيات التي خطط لها لورانس ما زالت تعتبر مصدر ايحاء ودراسة لدى مخططي السياسات الحربية والعسكرية حتى العصر الحالي، وانه هو شخصياً اعتمد بعض هذه الاستراتيجيات في المعارك التي خاضها في سلطنة عُمان «كما أن القائد البريطاني الراحل ونستون تشرتشل استوحى بعض خططه العسكرية من استراتيجيات لورانس في حرب العصابات واستخدمتها أيضا مقاومة الفيتكونغ في حرب فيتنام وتأثر بها فيديل كاسترو وارنستو تشي غيفارا في عمليات المقاومة لتحرير كوبا وأمريكا الجنوبية». (ص 299).
وكان لورانس (حسب المؤلف) مخططا حربيا فريدا من نوعه حتى أن الجيش الأمريكي حتى الآن ما زال يعتبره أحد كبار مخططي عمليات الهجوم الخاصة في الحروب عموماً.
علماً أن المؤلف اعتبر أن لورانس كان يهدف عبر تحريره الشعب العربي، تحرير نفسه من بعض العقد العائلية والنفسية التي تعرض لها خلال حياته وبسبب أوضاعه الشخصية الصعبة التي دفعته إلى القيام بما قام به لتجاوزها. هذا الأمر ترافق (برأيه) مع التزاماته الفكرية وثقافته الإنسانية. وقد نجح لورانس في سد الفجوات والخلافات بين قيادات القبائل العربية التي كانت منقسمة فيما بينها، وجمعها في جيش واحد موحد واستخدم بُعد النظر والعقلانية والروية في تخفيف حدة تلك الانقسامات بين هؤلاء.
وقد اعتبره بعضهم قاضيا نزيها على شؤونهم ووثقوا بقراراته وكأنه رسول إنساني آت من سلطة عليا تفوق سلطتهم.
وبرأي المؤلف، فإن الخديعة الكبرى التي نفذتها الحكومة البريطانية بقيادة رئيسها ديفيد لويد جورج ووزير خارجيته آرثر بلفور في مطلع القرن الماضي، ربما حرمت الحرية الكاملة للشعب العربي كما كان يسعى إليها لورانس ولكن مواقف لورانس ما زالت تشكل مصدر أمل بالحرية لهذا الشعب وللشعوب الأخرى التي ما زالت تسعى إلى الحرية حالياً. كما أن شخصيته الشجاعة بقيت مصدر إلهام تدفع الشعوب المقهورة إلى عدم الاستسلام والاستمرار في النضال من أجل تحقيق العدالة.
ومن الأمور اللافتة في شخصية لورانس (حسب المؤلف) انه كان ذكياً وحساسا إلى درجة انه ومن الاختبار الأول في لقاءاته مع القادة العرب والبريطانيين كان يستطيع إدراك مدى قدرتهم في القيادة، وبالتالي، فإنه وفي بعض لقاءاته في المواقع الصحراوية الصعبة مع أبناء الشريف حسين، أدرك بان ابنه فيصل كان الأكثر جدارة في القيادة من أخوته ولذلك فقد تحالف معه تحالفاً وثيقاً، ونفذ وعوده إليه بالنسبة لتزويده بالسلاح والدعم من الجيش البريطاني. كما ان لورانس كان يدرك إلى أي حد يمكنه التعاون مع قياداته العسكرية العليا البريطانية في التوصل إلى قبولهم بخططه. فقد وثق ببعضهم وتحفظ تجاه آخرين، ولكنه حقق معظم غاياته وأهدافه، في النهاية عسكرياً.
وكانت المفاجأة الكبرى له بعد كل الصراعات التي خاضها وكاد أن يفقد حياته بسببها انه عندما أتى خائباً للقاء الجنرال آلنبي ليعتذر عن عدم نجاحه في تدمير بعض الجسور قرب فلسطين التي طلب منه آلنبي تفجيرها، نظر إليه الجنرال البريطاني نظرة غير منتظرة إذ أكد له تقديره لكل ما قام به ودعاه للمشاركة في الاحتفال البريطاني لدى دخول الجيش الملكي البريطاني إلى القدس منتصراً.
وهناك واقعة هامة مذكورة في الصفحة 187 من الكتاب وهي أن الشيوعيين «البولشوفيين» وبعد إقصائهم سلطة القياصرة الروس في روسيا بقيادة القائد فلاديمير لينين في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1917، تعهدوا بالخروج من الأراضي العثمانية وقدّم لينين إلى الحكومة العثمانية بقيادة الضباط الأتراك الأحرار نسخة عن اتفاقية سايكس بيكو التي وقعتها روسيا القيصرية بالإضافة إلى الحكومتين البريطانية والفرنسية، فبادر جمال باشا (القائد التركي في بيروت) في 4 كانون الأول (ديسمبر) (1917) إلى قراءة نصوص تلك الاتفاقية في خطاب ألقاه في العاصمة اللبنانية ما أدهش الجماهير التي استمعت إلى ذلك الخطاب. وكان هدف جمال باشا (حسب المؤلف) أن يلوث سمعة البريطانيين والفرنسيين والروس القياصرة لكي يثني القادة العرب عن التعاون معهم خصوصاً من جانب الشريف حسين وأولاده. وسعى القائد التركي آنذاك إلى عودة الشريف وأولاده إلى التعاون مع العثمانيين. كما وجّه جمال باشا رسائل إلى الأمير فيصل ووالده الشريف حسين يدعوهما إلى إبرام صفقة مع تركيا في هذا المجال وإيقاف ثورتهم ووعدهم بأنهم سيحظون باستقلاليتهم في أراضي الدولة التركية. وهذا الأمر أدى إلى تشويش في الخيارات العربية الشريفية بعد اطلاع قادتهم على نصوص اتفاقيتي سايكس بيكو ووعد بلفور وخداع حلفائهم البريطانيين.
وحاول البريطانيون (حسب المؤلف) إرسال مبعوثين إلى المنطقة لترطيب الأجواء مع الشريف حسين والتأكيد بان بريطانيا ما زالت ملتزمة استقلال العرب وأنها لن تسمح بتطبيق وعد بلفور إلا إذا وافقت القيادات العربية على ذلك… وصدقها الشريفيون إلى حد ما!
وهنا يقول فاينس أن بعض التوجهات المبسطة لدى القيادات الشريفية تأثرت في هذه المبادرات ومررتها واعتقدت بان «التخلي عن جزء صغير من أرض فلسطين قد يشكل جزءاً من صفقة قد تتم كأحد الخيارات لأنه سيكون من الصعب جدا على العرب العودة إلى الوقوع تحت الهيمنة التركية العثمانية مجدداً…» (ص 188) وهكذا خُدع العرب مجدداً، ولعلهم لم يتأكدوا حتى الساعة أن الوعود تقدم من الدول العظمى الكبرى في مناسبات مختلفة من أجل تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية ولكن ما يُنفذ منها يعود إلى قرارات القيادات في الخارج من دون الاكتراث لمصالح الشعوب العربية وطموحاتها.
ولعل لورانس العرب كان يسعى إلى التدخل مجدداً للتأثير على مواقف القيادات العربية ودفعها إلى عدم القبول بالطروحات المقدمة إليهم من الاستعمار عندما تعرض للحادث الذي أودى بحياته، وهذا الأمر سيبقى في متداول المؤرخين والمحللين… ولكن، المواقف المشرفة للورانس العرب لن تُمحى من ضمائر العرب بسهولة.
Ranulph Fienne:
«Lawrence of Arabia»
Penguin Books,
London 2024
317 Pages.