رحلة الخروج من الدائرة المغلقة

الدائرة المغلقة هي الماضي وما كان حول الكاتب في حياته أو حياة الآخرين من مصاعب أو جمال، لكن في النهاية تدرك كيف خرج منها كاتبا ومترجما وصحافيا ومثقفا له وجوده الرائع في حياتنا. إنه بدر الرفاعي في كتابه «حنين إلى الدائرة المغلقة» الصادر هذا العام عن دار الكرمة في القاهرة. بدر الرفاعي المُترجم والصحافي صاحب الأعمال المهمة في الترجمة من الإنكليزية مثل «مواجهة الفاشية في مصر: الديكتاتورية مقابل الديمقراطية في الثلاثينيات» تأليف إسرائيل جرشوني وجيمس جانكوفسكي ومثل «التنوير الإسلامي: الصراع بين الدين والعقل في العصر الحديث» لكريستوفر دو بلليج، وغيرها مما وصل إلى ستة عشر عملا مهما.
أعرف بدر الرفاعي فنحن جيل واحد. هو من مواليد 1948 وأنا 1946، كلانا أفاق على هزيمة 1967. تابعت كتاباته ونشاطه في مجلات وأماكن كثيرة، جاء ذكرها في الكتاب مثل دار الفتي العربي في القاهرة أو الأهرام الاقتصادي وغيرها في مصر والعالم العربي. لكن تجربة أن أقرأ سيرته كانت مغرية لي جدا، فلا بد أن فيها الكثير مما هو غائب عني أو عن غيري.
ما إن عبرت خمسين صفحة حتى توقفت لحظات أسأل نفسي كيف لكاتب مثل بدر الرفاعي له هذه القدرة على تجسيد من يتحدث عنهم من بشر وأماكن، ألا يكتب الرواية مثلما يفعل الكثيرون الآن من النقاد، أو الشعراء، أو الصحافيين، أو غيرهم لم يبدأوا في مجال الرواية. كيف جعله الحنين يرى من جديد كل الأماكن والناس ويجعلها أمامك. لكنني مشيت أسمع وأرى ما يكتب. انقسمت حياته بين مكانين.. منطقة شبرا ثم الريف ليعود بعد ذلك إلى شبرا والقاهرة. السبب كان والده العضو السري في الأحزاب الشيوعية قبل وبعد حركة يوليو/تموز 1952، اسم الأب هو سيد سليمان الرفاعي لكن اسمه الحركي في الحزب السري كان «بدر». كان قبل 1952 السكرتير العام للحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو». مما جاء في كتاب خالد محيي الدين «والآن أتكلم» ويرويه الكاتب، إنه في زيارة عام 1951 ومعه جمال عبد الناصر إلى القاضي أحمد فؤاد أحد أعضاء الحركة الشيوعية، أن انبهر عبد الناصر بحديث الرفيق بدر، الذي كان موجودا، وحين خرجا سأل خالد محيي الذي كان أحد قيادات حركة يوليو وكان شيوعيا، عمن يكون هذا الرجل. أخبره إنه السكرتير العام لحركة «حدتو»، ولما سأله عن عمله قال ميكانيكي طيران.
لم يعجب عبد الناصر أن يكون الميكانيكي مصدر أوامر لخالد محيي الدين، أو غيره، ورغم توضيح خالد محيي الدين له أن المسألة ليست بالمهنة في العمل السياسي، لم ينسَ عبد الناصر ذلك، كان يذكرها بتهكم، حتى إنه في أحد الاجتماعات لمجلس قيادة الثورة أشار إلى خالد محيي الدين قائلا «دا زعيمه ميكانيكي».
تأخذ الحركة الشيوعية كثيرا من الكتاب لكن الدائرة الأوسع هي الحياة بين الريف الذي لجأت إليه أسرته بعد القبض على أبيه وهو طفل، ثم العودة إلى القاهرة وهو طفل أيضا ليكمل تعليمه في مدارسها. تتسع مساحة الريف إلى درجة مذهلة يبدو لم ينس فيها شيئا عن جميع أفراد العائلة من الأجداد والأعمام والعمات، وكذلك الحياة ومواسم الزراعة ومواسم جني المحاصيل والبيع والشراء والحكايات عن الجن والعفاريت تجري بينها في دراما كالتي بين أفراد العائلة أو بين السكان والأرض والمباني الطينية والترع وكل مفردات الريف. بينها تأتي ألعابه وتعليمه في الكتّاب وجرائمه الطفولية الجميلة مثل، سرقة الذرة أو غيرها. تتخيل كلما قرأت أنه لا مرحلة بعدها، لكن ينتقل إلى القاهرة. يعود إلى شبرا ليعيش مع أمه التي كانت تعمل في أحد المصانع وترعاه في غياب أبيه، ولم تشعر بأي تعب، فكان عزمها عظيما أن تكمل رسالتها. أين هو من ذلك. هل سيكون شيوعيا مثل أبيه فيكبل نفسه بالأيديولوجيا؟ أم يبحث عن حرية أكثر؟ يمشي بين الاثنين. هنا يعود الحديث عن المدارس وكيف اختلفت عن الريف، لكنه كان من هواة الهروب منها من أجل السينما أو اللعب، حتى إنه تعرَّض للفصل أكثر من مرة. ذكرني بنفسي في الكثير مما يقوله عن ذلك. من المدرسة الابتدائية ومن وصف أحياء شبرا القديمة وتجسيدها، وما جرى عليها من تغير حتى في أسمائها، والأعمال التي يقوم بها أفراد من عائلته، وبينها زيارات أمه لأبيه في أكثر من سجن، لكن أصعبها كان سجن الواحات، الذي لم تستطع أمه زيارة أبيه فيه إلا مرة واحدة لبعد المكان. هو في الحقيقة منفى. كيف كان عمل أبيه كميكانيكي وسلوكه الطيب سببا في صداقة مع بعض الحراس الذين كانوا يزورونه في البيت أثناء سجنه، أو بين فترات سجنه المتقطعة، وأحدهم أخطره مرة أن يهرب، لأنه سيتم القبض عليه. كان القبض عليه متكررا، حتى آخر مرة حكم عليه بسبع سنوات، وهي التي قضاها في سجن الواحات. لقد خرج أبوه من السجن وهو في المرحلة الإعدادية.
وتستمر الحياة في القاهرة. يصل إلى الجامعة والحركة الطلابية واليسار بعد هزيمة 1967. كيف كانت المظاهرات في أوربا وأمريكا عام 1968 ملهمة للجيل في مصر، فحدثت المظاهرات بعد محاكمات قادة الطيران الأولى الهزلية عام 1968 وتحولت كلية الآداب وغيرها إلى مراكز انتفاضات شهيرة في مصر، حتى وقعت حرب أكتوبر/تشرين الأول. ورغم عشقه للغة الإنكليزية، ترك القسم وانتقل إلى قسم الصحافة، كان السبب أن أكثر الطلبة فتيات من الطبقة الأرستقراطية. بالمناسبة قسم اللغة الإنكليزية حتى الآن في القاهرة أو الإسكندرية أكثره فتيات، لكن اختلف الأمر في الأصول الطبقية فلم يعد أحد يشعر بها. هنا تأتي رحلته مع الدراسة للصحافة وأساتذته مثل، رشاد رشدي وفاروق عبد الوهاب وغيرهما ممن عرفتهم وتعاملت معهم، وأكثرهم كان فاروق عبد الوهاب، الذي ترك مصر ليعمل أستاذا في الأدب العربي في جامعة شيكاغو، وترجم لي ثلاث روايات إلى الإنكليزية، رحم الله الجميع. ننتقل إلى رحلة عمله في الصحافة في صحف مختلفة وأسماء رائعة يطول الحديث عنها تجسد لمثلي زمنا من الأمل.. وكيف تغيرت الأمور بعد هزيمة 1967 وبعد سياسة السادات في الانفتاح الاقتصادي والتعاون مع الحركات الوهابية وجماعة الإخوان المسلمين. وقبلها كيف صار هو ضابطا احتياطيا في الجيش وعاصر حرب 1973. مشاهد من الحياة العسكرية ليعود إلى الصحافة. هي ليست رحلة بدر الرفاعي، بل رحلة جيل كامل كانت هزيمة 67 نقطة فاصلة في حياته.. بين ذلك ذكرياته ورحلة أسرته وأخوته، حديث عن كل جريدة كتب فيها وزواجه الأول الذي توفيت فيه زوجته التي كانت مسيحية. لا ينتهي الكتاب إلا بذكر شخصيات رائعة في حياتنا الصحافية والفنية مثل المؤرخ الموسيقى فرج العنتري والرسام حجازي وكتاب وصحافيين مثل عبد الفتاح الجمل وعلاء الديب. أحاديث إنسانية فائقة عنهم وعن غيرهم، وشخصيات لا يعرفها إلا من كان قريبا منها مثل المستشار مصطفى عبد العزيز، الذي كان يسهر معنا في بار ستيلا وسط البلد.
ذكرني بدر الرفاعي بأيامه الأخيرة ووفاته، وكيف حاول هو والمرحوم نزار سمك أن يدفعاه للزواج لترعاه امرأة لكن فشلا، ولي معه حكاية طريفة فقد أخذته يوما ليلا بسيارتي إلى بيته القريب من حلوان، وقررت أن أبيت عنده، فكان بين حين وآخر ينظر من النافذة يشير إلى رجل مسكين جالس على الرصيف ويخبرني إنه رجل أمن يتابعه. كان مستشارا حقا في النيابة، لكنه حوكم كشيوعي وتم سجنه من قبل وارتبك تفكيره وإن ظل على طيبته. تأخذ البارات مساحة طريفة فهي موطن المعرفة والعلاقات بين المثقفين، خاصة بار «ستيلا». في النهاية أترك لكم الكتاب الرائع الذي لا يمكن إيجاز كل ما فيه، ومع نهايته عاد إلى السؤال كيف يا بدر لا تكتب رواية وأنت جدير بها ونحن نعيش في فيض أكثره لا قيمة له.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية