مرت سنوات لم أقرأ فيها شيئا لمي التلمساني، التي تابعتها في التسعينيات، وأدركت أنها من أهم الأصوات الجديدة في الإبداع والفكر. صدر هذا الكتاب «للجنة سور» أول مرة عام 2009 عن دار شرقيات، ثم أعيدت طبعته الأخيرة منذ أسابيع عن دار دوّن للنشر. سعيت لاقتناص نسخة وتفرغت يومين أقرأ فيهما هذه اليوميات الحافلة بالفكر والموسيقى والسينما والحياة، في مظاهرها السلبية والإيجابية بين مصر وكندا، حيث تعمل أستاذة للدراسات السينمائية في قسم الإعلام في جامعة أوتاوا.. إنها يوميات مكتوبة بلغة الفن، رغم ما فيها من أفكار تتبعثر في ثناياها، فضلا عن حيرتها أيضا بين مصر وكندا، وكيف يشغلها موضوع الهجرة.
لم تهاجر إلا بعد معاناة وغيرة من الآخرين في الجامعة والدراسات العليا، هنا أيضا رأيها في الكثير من القضايا، وبصفة خاصة فلسطين وغزة، وكيف تجتمع حكومات العالم الغربي ضدها، وكان ذلك في أحداث التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن حيث تدوراليوميات. هو الرأي نفسه مستمر إلى الآن، فنحن نتابع ما تكتبه على فيسبوك ونشاطها في دعم القضية الفلسطينية.. المكان لا ينفصل عن الكتابة فهنا تجسيد حميم أو مدهش لكل مكان زارته. تبدأ بباريس ثم تكون بين كندا ومصر ومدن مثل مونتريال وجنيف، والمطارات وما تثيره في الروح من رغبات في الكتابة الروائية، والحيرة بين السفر والطريق.
الكتاب يوميات عديدة من الصعب أن تقف عند كل فصل وحده، لكن هناك ما يجمع بينها، وهذا ما سأحاول لفت الانتباه إليه، فلغة لمى رائعة جذابة تدخلك في الصورة الفنية، وترى كل شيء أمامك.. تبدأ بفصل عنوانه «مقعد على التراس» في مقهى في شارع سان جيرمان في باريس، بعد أن لم تستطع الانتظار ساعة أمام متحف «دورسيه» حيث تعرض مقتنيات أمبرواز فولار. يأخذها سان جيرمان إلى حالته الآن ومن قبل، وإلى مقهى «دو ماجو» حيث كان جان بول سارتر يجتمع مع حواريه. تجلس باسترخاء على تراس المقهى تتذكر رواية قديمة لخوسيه ساراماجو عنوانها «كتاب التصوير والخط «، وتتداعى الذكريات، وكيف صار في باريس تغول أمريكي، في مقاهيها ومطاعمها، وبعضها داعم لإسرائيل. تنظر حولها لعلها تستطيع يوما أن تكتب عن طرز العمارة، كما كتب ساراماجو.
ننتقل إلى شهر أكتوبر/تشرين الأول وماذا يعني لها، هل هو الشهر العاشر، أم هو بداية العام الجديد، ففي الشهرين الباقيين تنهي ما لديها أو عليها من أعمال، وينهي الخريف على ورق الشجر. ترى الخريف وما يحدث في الأشجار من سقوط الأوراق، هو السنة، التي اقتربت من النهاية بالتوقيت الميلادي، تراه النهاية الحقيقية. رحلة مع المشاعر حتى بداية العام. الثلج في كندا يأخذها لرحلة أخرى بعد ذلك وسيتكرر الحديث عنه. ليست مدن الثلج بالرومانسية التي نتخيلها أو نراها في أفلام الحب. كانت تتخيل الثلج في كندا مثلما رأت في أفلام مثل «قصة حب» أو غيرها، لكن الزحلقة على الثلج ليست لها، وتقف عند مدخل البيت بمعطف هائل و»جوانتيات» ضخمة مثل جندي وحيد في صحراء الثلج. علاقتها بالثلج مبتورة منذ عشر سنوات بقرار حاسم من جانبها، وبتجاهل تام من قِبِل الثلج! هذا الشعور بحياة الجماد يمشي مع اليوميات، هكذا تنفخ الروح في كل الظواهر. في كل الأحوال هي على يقين أن أفضل شهر للاحتفال برأس السنة هو شهر أكتوبر قبل موسم الصقيع. في يوميات لافتة تتحدث عن الحركة التي استهوتها في معناها في كتابات الفيلسوف جيل دولوز، لأنه لا يمارس مهنة الفكر والتأمل وكأنه «موظف أفكار» ولا يكتب بلغة يُستغلق فهمها على الناس، ولا يفصل بين أمور الفكر والحياة، وهو فضلا عن ذلك يساري الهوى وإن كان بلا انتماء حزبي، يعتبر نفسه مبدعا ويدافع عن هذا الإبداع بصفته كاتبا وفنانا وفيلسوفا وعالما متمردا وثائرا، لا يحلم ولا يكف عن العمل. في مقاله المعنون بـ»الوسطاء» أو «الشفعاء» إشارة إلى فكرة تهمها كثيرا وهي فكرة الحركة، وتتحدث عن سبب كونها جوهرية للإنسان والمجتمع.
ينتهي الكتاب بالعتبة التي كانت عنوانه، لم تبدأ بها ربما ليظل القارئ متلهفا على المعنى. في كل الأحوال تبدو فصول الكتاب كأنها قصص قصيرة نهاياتها كاشفة، وإن كان فيها الفكر أحيانا والرأي.
هو يرى أن سبب معاناة الفكر اليوم هو العودة إلى الأفكار المجردة تحت مسمي «الموديزم» فتصاب التحليلات المهتمة بالحركات واتجاهاتها بالجمود والتعطل. ملخص الرؤية إذا كانت عملية القهر شديدة الفظاعة، فذلك لأنها تحول دون الحركة، وليس لأنها تتطاول على القيم الراسخة الأبدية. تتنقل بين فلاسفة مثل برجسون وغيره ويظل دولوز هو الأهم لها. دورة بين المقاهي والمشروبات والناس ومن تقابلهم أو تتذكرهم، وبيت العجائز في كندا وكيف يعيشون، وما تقدمه الدولة لهم من تسهيلات ومتعة، فهم يبدأون الحياة بعد الستين. الدولة في كندا وكيف تحل محل الأسر، فالابن يمكن أن يبلغ البوليس عن والديه إذا عاملوه معاملة سيئة، وتجربتها اللطيفة مع طفلها الذي أخبرها بذلك، ومع أصحابه. الأعياد في مصر وكندا وذكرياتها معها وكيف تغيرت، قضايا فكرية في الجامعات، فكثير من العرب يرون أن ما تحققه كندا من حقوق إنسان رائع، لكن يتمنون أن تكون دولة مسلمة، ولا يحبون العلمانية التي فصلت بين الدين والدولة، وعاشوا في كرمها وإنتاجها، حتى إن أحد رجال الأعمال لاذ بكندا تخلصا من الفساد المصري، لكنه يتمنى لو كانت كندا مسلمة.. مهرجانات أدبية ولقاء لم يعجبها مع زكريا تامر، فحين ذهبت تهنئه على الجائزة التي حصل عليها وجدته يتذكرها، ويتذكر لقاء جمعهما منذ أكثر من ثماني سنوات في مدينة فرانكفورت، ووجدته يقول لها، إنه لا ينسى خلافهما حول معنى الأدب، ولا ينسى تحالفها مع الكاتب رشيد الضعيف ضده. بدا كأنه يريد العلاقة مع الشباب مثل علاقات البنوة مع غيرهم من الأكبر سنا، وهي لا تهوى الصراعات الأبوية، رغم أنها لم تعد شابة، وقالت له الأفضل أن تنساني، وانتهت لعبة أرشيف الذكريات.
رحلة من الرحلات الصعبة على طائرة متجهة بوفد كامل من الصهاينة، وكيف كانوا ينظرون إليها في شك وريبة. هم في طريقهم إلى إسرائيل وهي إلى أوروبا. بين ذلك تتداعي الفصول عن القاهرة ومصر الجديدة وغيرها من الأماكن التي عاشتها وأحبتها وكيف تغيرت، وأسماء مقاهي وكافتيريات كانت ملاذا جميلا للشباب مثل، أمفتريون وبالميرا، وهو ما عرفته أنا وأدمنته سنوات السبعينيات الأولى في القاهرة، وظهر في راوية مثل «هنا القاهرة» حديث رائع عن نساء مصر الجديدة والنساء عموما، وما أصابهم من فكر رجعي، وكيف صار الخروج عليه في الشواطئ بالمايوه الشرعي مثلا! بعيدا عن العمارة التي تشغل مساحة عظيمة من الكتاب، هي لا ترى معنى لأي فكر كلي، فمن يقول مثلا إن الدنيا خراب، لا يدرك أن هناك من لا يراها كذلك، أو يسعي لمحو الخراب. آفة الأحزاب والأفكار السياسية مثل آفة الحكم هي الشمولية، التي لم تنجح أبدا في عصر من العصور. صفحات كثيرة في ذلك تتناثر مع رحلاتها وخروجها وقراءاتها.
ينتهي الكتاب بالعتبة التي كانت عنوانه، لم تبدأ بها ربما ليظل القارئ متلهفا على المعنى. في كل الأحوال تبدو فصول الكتاب كأنها قصص قصيرة نهاياتها كاشفة، وإن كان فيها الفكر أحيانا والرأي. من أين جاء العنوان «للجنة سور»؟ جاء من رباعية صلاح جاهين التي يقول فيها: البط شال عدّى الجبال والبحور.. ياما نفسي أهج.. أحج ويا الطيور.. أوصيك يا ربي لما أموت.. والنبي ماتودنيش الجنة.. للجنة سور.. عجبي». هكذا المبدعون لا يحبون الأسوار، حتى لو كانت في الجنة. الشعر مؤثر وذا دلالة على الطيران الذي تحبه وتعيشه وعلى جهدها في فهم هذا العالم، رحلة الرضا طويلة، وكذلك كل شعر تذكره معبر ومفارق للسائد من المعاني، خاصة قصيدة أحمد فؤاد نجم في حب الفنانة عزة بلبع «يا نسيم الحب لما».
كاتب مصري