رحيل الشاعر الأردني عمر أبو سالم

تجاهلت وسائل الإعلام الأردنية مقروءة وغير مقروءة رحيل الشاعر الأردني عمر أبو سالم الخميس الماضي 3 آذار/ مارس 2022 في دبي حيث، يواصل عمله في الإذاعة والتلفزيون منذ عام 1971. فهو من مواليد إربد التي تقع على مسافة 80 كيلومترا شمالي عمان. وهو شاعر يتبوأ وفقا لبعض الدراسات موقع البؤرة من حركة الشعر الحديث في الأردن. صدرت له ست مجموعات شعرية كانت الأولى منها بعنوان «الحكاية منذ البدء» 1966 تهيمن عليها النزعة الرومانتيكية، إذ يكثر فيها ويلح على العلاقة بين العاشق ومن يحب:
لقاؤكِ يا محدثتي
دروبٌ ما لها آخر
سحائب من دخان التبغ والسهَرِ
نداءٌ زائغ العينين،
والرؤيا على سفرِ

أما المجموعة الشعرية الثانية فكانت بعنوان «السنوات المقبلة» وفيها يقف القارئ إزاء مشاعر الحنين والإحساس بالغربة، إذ يبدو أن الشاعر أبا سالم كان قد غادر بلاده، وساوره الحنين والتوق للعودة، وهذا ما لا نعرفه من سيرته ولا من أخباره، وإن كنا نعرفه حق المعرفة من شعره، يقول في قصيدة «بعيدا عن الوطن» ما يوحي بهذا الاغتراب:
هذا طريق لا يقود إلى بلادي
وأنا تعبت تعبت من هذا السفر
والخطو هاجر كالسراب.
عين على وطني.. وأخرى ترحلُ
ونجوم هذا الليل فيها تأفلُ

ولم تلبث دواوين أبو سالم أن تتابعت، فأصدر في عام 1992 «طائر الوقت». وفيه يتضح دون لبس أن الشاعر كان قد غادر وطنه للعمل في الإمارات وفي دبي تحديدا. وأن له علاقة طيبة وجيدة بالشاعر والقاص السوري حسيب كيالي. الذي توفي فكتب أبو سالم قصيدة في تأبينه ورثائه بعد عام من رحيله. بيد أن هذه القصيدة وعنوانها «مرثية للرحيل» تؤكد مثلما يلاحظ في قصائده السابقة على شعوره بالحنين لبلده. فالرحيل الذي فوجئ به محبو حسيب كيالي رحيل فاجع، لأن الكاتب رحل وهو في منفاه، وفي غربته، حيث لا عزاء:
ومضيت وحدكَ بعد ما غاب النهار
لا صوت يسمع في الفراغ
لا حلم في الأرجاء يومض فجأة
لا ضوء يسري
ما تركتَ سوى نواقيس الرحيل المرّ
من زمنٍ تدق على الجدار

في عام 1985 كانت قد صدرت له مجموعة شعرية عن اتحاد كتاب الإمارات، وهي المجموعة الأولى التي تصدر له في الخليج. وغلبت على قصائد هذه مشاعر الحنين، ففي القصيدة الموسومة بعنوان «المغني الذي كان» يعبر تعبيرا قويا عما يلاقيه في مقر إقامته من معاناة بسبب البعد عن بلاده، وعن وطنه، وعن أهله وأحبائه وذويه في الأردن، وعن حيرته وشجوه مما يحيط به من إحساس بالوحشة، وما يكتنفه من شعور بالوحدة:
حينما تغرب الحلم في الذاكرة
واستراح المغني
وأسند جبهته الفاترة
للجهات التي اغتربت من أغانيه ِ
ظل يردد لحنا حزينا يعزيه حتى توحد
فيه وأمسى كأغنية حائرة

أما ديوانه الموسوم بعنون «أسفار الرحلة وبدايات الخروج» فكان قد صدر عام 1985 ويبدو لنا أنه أختار في هذا الديوان قصائد كتبها ونشرها في مناسبات متعددة، ونشرت في أزمنة متباعدة. بدليل أن بعض هذه القصائد تحمل تاريخ كتابتها، وهو السنة 1968. ومنها قصيدة «أسفار الرحلة» وقصيدة «قراءات في الوجه الآخر» وقصيدة «الفارس ذو الشارة» والأخيرة من قصائده اللافتة للنظر، فقد نشرها في عدد خاص من مجلة «الآداب» اللبنانية صدر تحت عنوان الثورة الفدائية في سبتمبر/أيلول عام 1968 أي بعد سنة من واحدة من حرب (الأيام الستة) التي انتهت باحتلال (إسرائيل) الغاشمة أجزاء من سوريا ومصر وفلسطين. وظهرت بعد ذلك – وللمرة الأولى- مقاومة تصدَّر المشهد السياسي فيها الفدائي الفلسطيني الذي كتبت عنه قصائد كثيرة جدا، عربية، وفلسطينية، وأردنية منها هذه القصيدة. يقول الشاعر عمر أبو سالم في ما يشبه الاستهلال الدال على طول الانتظار والترقب:
وانتظرناك طويلا
مذ بكيناك صغارا وكبارا
ولعقنا جرحنا النازف من عشرينَ
كبريتًا وقارا

وفي صور شعرية متكررة يتناسل بعضها من بعض، تنمو القصيدة نموا عضويا على هيئة الانفعالات التي لها صلة وثيقة بذكر الغاصب تارة، والعداء، واستجداء العودة، والضجر من النزوح واللجوء، وإدمان الدعوات، وضياع السنين، واحتراف الصبر والخوف تاراتٍ أخر. علاوة على تتابع الأجيال من الشهداء المتعبين. وتلك صور تتوإلى في نسق غنائي حزين، وصوت جماعي يضفي على القصيدة هذا الإحساس الملحمي باللاجدوى.. من أجل أن يتجه الضوء إلى هذا الفارس الذي يحيا به الأمل، وتتجدد الثقة بالذات. تلك الثقة التي تتصاعد على وقع المزامير، والتلويح بمناديل البشارة؛ أي البشرى بيوم النصر والعودة:
أيها الآتي إلينا كالفرح
في مزامير العبارة
أشعل النار بقلب الليلِ مزق وجهنا المجدور
هبنا نعمة النطق
وعلمنا حواره
واطرح عنا دثار الصمت
مزقه ولوّح بمناديل البشارة

تنمّ هذه القصيدة، وقصائد أخرى غيرها، عن وعي الشاعر عمر أبو سالم بضرورة مقاومة العدو الإسرائيلي بالحديد والنار لا بالخطب، ولا بالشعارات الجوفاء التي لا تعيد لاجئا فلسطينيا واحدا لبلاده:
أيها القادم من أرض الحقيقة
عربيا شق في الليل طريقه
عمّقَ الجرح، بعصف الريح صاغه
وبه خط انتصاراتٍ عريقة

على أن شعر عمر أبو سالم يكثر فيه ـ بصفة خاصة- الحديث عن الغربة والاغتراب، وعن السفر والأسفار، وتتكرر لديه ألفاظ الغياب والرحيل والرجوع، ولا تكاد قصيدة من قصائده تخلو من هذه الألفاظ. فهو لا يفتأ يلح على قيم الحنين والعودة والإياب والدروب التي تحمل في دلالاتها معاني الحركة والتنقل وعبور المسافات والطرق، وذلك شائع في تجاربه الشعرية المبكرة، مثلما هو شائع في أشعاره المتأخرة.
يذكر أن الراحل ولد في مدينة إربد، وتابع دراسته الجامعية في جامعة دمشق التي ظفر منها بالشهادة الجامعية الأولى في الحقوق. وعمل مذيعا ومقدما للبرامج في إذاعة عمان من عام 1966 حتى عام 1971 حين غادر إلى الإمارات ليعمل في إذاعة دبي والتلفزيون الرسمي في تلك الإمارة. وقد صدرت له الدواوين: «الحكاية منذ البدء» 1966 و»ليل السفر»1985 و»أسفار الرحلة وبدايات الخروج» 1985 و»وردة للوطن قبلة للحبيبة» 1986 و»طائر الوقت «1992 و»سيدة الظلال» 1993 و»السنوات المقبلة» 1996 وله مشاركات أدبية في الأردن والوطن العربي. ونشر بعض أشعاره في مجلات وصحف يومية في عمان ودمشق وبيروت والقاهرة ودبي. وفي عام 1999 أصدرت دار العودة ببيروت مجلد أعماله الشعرية في 456 صفحة.

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية