قبل انعقاد مؤتمر غلاسكو لشركاء البيئة «COP26» كان من المعروف أن الحكومات والمنظمات الدولية عجزت عن تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ داخل الإطار الزمني المحدد. ومن أبرز مظاهر ذلك العجز توفير تمويل بقيمة 100 مليار دولار سنويا لمساعدة الدول النامية المعرضة لمخاطر التصحر ونقص المياه والمجاعات وانقراض أنواع كثيرة من الحياة البرية والبحرية. ومن ثم فقد كان المؤتمر فرصة لإعادة التأكيد على التزام الحكومات والمنظمات الدولية ومؤسسات التمويل بدورها الرئيسي في مواجهة تهديدات البيئة الناتجة عن النشاط الاقتصادي الجائر، الذي يسلك أقصر السبل لتحقيق أقصى الأرباح، عبر تدمير البيئة البحرية والنباتية والهوائية، خصوصا مع الإفراط في استخراج واستخدام الوقود الاحفوري، وقطع أشجار الغابات، وتلويث البحار والمحيطات.
وعلى الرغم من أن الكوارث البيئية أصبحت واقعا تعيشه البشرية خصوصا في العامين الأخيرين، ولم تعد مجرد احتمال يتم التخطيط للوقاية منه، فإن الرد الذي جاء من حكومات العالم تمثل في اتفاقيات فضفاضة غير ملزمة، بلا صيغة تنفيذية ولا معايير للمحاسبة أو المتابعة، وفتحت أبوابا للتحايل على أهداف اتفاقية باريس للمناخ. وعلى التوازي فإن صناديق الاستثمار الخاصة العملاقة سعت إلى استخدام المؤتمر كمنصة لترويج استراتيجية لتمويل مشروعات أضفت عليها اللون الأخضر، هي في حقيقة الأمر جسر لتحويل «أزمة وجود للبشرية» على المستوى العالمي إلى فرصة لتحقيق أقصى ربح ممكن لحفنة من صناديق الاستثمار المالي. الاستراتيجية التي قدمها الاقتصادي الكندي مارك كارني محافظ بنك انكلترا السابق، ومبعوث الأمم المتحدة للمناخ حاليا تمثل نموذجا لكيفية مشاركة رؤوس الأموال في تخريب البيئة الطبيعية العالمية، وتهديد الحياة البشرية لصالح أصحاب محافظ الاستثمار.

حقائق جديدة
ترافق بدء المؤتمر مع صدور عدد من التقارير والدراسات التي تؤكد أن الأخطار البيئية تهدد العالم بأسرع مما تظن القيادات السياسية. وكان تقرير وكالة الطاقة الدولية من أخطر تلك التقارير وأكثرها دقة. فقد جاء في التقرير أن الجهود المبذولة حاليا لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ليست كافية لتحقيق هدف اتفاقية باريس. وأن تلك الجهود يجب مضاعفتها، لأن الانبعاثات من المتوقع زيادتها في العام الحالي بعد أن كانت قد انخفضت بنسبة 3 في المئة بفضل تراجع النشاط الاقتصادي، نتيجة جائحة كورونا. وقال التقرير أن قطاع توليد الكهرباء والتدفئة يسهم وحده بنحو 40 في المئة من انبعاثات الكربون على مستوى العالم. وحدد التقرير بدقة أن نسبة تخفيض الانبعاثات من قطاع الطاقة يجب أن تبلغ 7.6 في المئة سنويا من الآن وحتى عام 2030 وأن يتم التخلص من انبعاثات الكربون تماما في العام 2040 وليس في عام 2050. ونبه التقرير إلى أهمية التوسع في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة وعلى رأسها الرياح والشمس، حيث أن زيادة قدرات توليد الكهرباء من هذه المصادر تسهم الآن بنحو 29 في المئة من القدرات الكلية لتوليد الكهرباء في العالم.
وفي نطاق التلوث الناتج عن حرق الوقود أيضا قالت منظمة الملاحة البحرية العالمية أن التلوث الناتج عن حركة السفن في بحار ومحيطات العالم يعادل ما تنتجه سنويا 2 مليون سيارة وشاحنة نقل في الولايات المتحدة، وقالت إن صناعة النقل البحري مسؤولة عما يتراوح بين 2 إلى 3 في المئة من الانبعاثات الكربونية سنويا، وذلك إضافة إلى ما يتراوح بين 10 إلى 15 في المئة من انبعاثات مواد سامة أخرى مثل أبخرة الرصاص وأوكسيد النيتروجين. وقالت إن خطة تحويل صناعة النقل البحري إلى الوقود الصديق للبيئة سوف تتكلف حوالي 1.15 تريليون دولار.
أما بالنسبة للغابات فقد أشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة إلى أن العالم فقد حتى الآن أكثر من نصف مساحة الغابات، وأن بعض البلدان مثل نيجيريا فقدت ما يقرب من 90 في المئة من غاباتها، وأن معظم عمليات قطع أشجار الغابات جرت خلال السنوات العشرين الأخيرة على الرغم من اتفاقية باريس للمناخ، وأن أفريقيا وحدها استحوذت على ما يقرب من نصف مساحة الغابات التي فقدها العالم حتى الآن.
موقف دول وشركات النفط
اتخذت دول وشركات النفط في مؤتمر شركاء البيئة في غلاسكو موقفا يتسق مع مصالحها الخاصة بصرف النظر عن كثافة وخطورة التهديدات البيئية التي يواجهها العالم. كذلك فإن دولا أخرى مستوردة للطاقة مثل الهند والصين، اتخذت موقفا لا يتفق مع الأهداف الكبرى التي حددتها الأمم المتحدة للوصول إلى وضع «الحياد الكربوني» بحلول منتصف القرن الحالي، والمحافظة على معدل لدرجة الحرارة على الأرض في حدود 1.5 إلى 2 في المئة، فوق المتوسط الذي كان سائدا في بداية عصر الثورة الصناعية الأولى. وتحاول الدول والشركات النفطية وعلى رأسها الولايات المتحدة والسعودية وروسيا وشركات مثل شل البريطانية – الهولندية واكسون الأمريكية وتوتال الفرنسية، التساهل في تحديد معدل درجة الحرارة على الأرض إلى ما يقرب من 2 في المئة على الأقل، ودفع المدى الزمني إلى ما وراء المدى المستهدف في اتفاقية باريس بما يتراوح بين 10 إلى 20 عاما، أي إلى 2060 أو 2070. وتقوم حجة الدول النامية مثل الهند على أساس أنها لم تبدأ التنمية الصناعية إلا متأخرا، ومن ثم فإنها لم تسهم في زيادة درجة حرارة الأرض وتلويث الكون كما فعلت الدول الصناعية المتقدمة.
وتعارض الدول والشركات النفطية بما فيها الولايات المتحدة تخفيض الاعتماد على النفط وأنواع الوقود الاحفوري الأخرى بسرعة، وتقول إن من الضروري التأسيس لمرحلة انتقالية تمتد حتى عام 2060 أو 2070 لتخفيض الانبعاثات الجديدة من الكربون إلى الصفر، مع التوسع في استخدم حلول تكنولوجية ومالية في مواجهة زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وكما أظهر رئيس مجلس إدارة شركة شل، فإن الاستثمارات في تكنولوجيا وأنظمة الطاقة الجديدة النظيفة تستدعي الاستمرار في إنتاج النفط والغاز، مع تعديل النسبة لصالح الطاقة المتجددة بمرور الوقت. وذكر أن الشركات لن تستطيع القيام بتلك الاستثمارات إذا تم حرمانها من عائدات تصدير النفط والغاز. وقالت وزيرة الطاقة الأمريكية جينيفر جرانهولم أن المرحلة الانتقالية مهمة، وأن استمرار الولايات المتحدة في منح التصاريح وتمويل استثمارات استخراج النفط والغاز والفحم ضروري خلال السنوات المقبلة، لكنها تعمل في الوقت نفسه على زيادة استثمارات الطاقة الخضراء، وأوضحت أنه بحلول العام 2035 ستحصل الولايات المتحدة على 100 في المئة من استهلاك الكهرباء من محطات تعمل بمصادر الطاقة المتجددة.

أهم مبادرات مؤتمر غلاسكو
انصب اهتمام رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على محاولة تحقيق إنجازات ترتبط باسمه. لكنه أدرك في قمة مجموعة العشرين التي عقدت في روما قبل أيام من مؤتمر غلاسكو أن أغلبية دول المجموعة غير متحمسة لإعلان أي التزامات جديدة، أو تقديم ما يمكن أن يعوض القصور في الخطوات التنفيذية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس. ولذلك فإنه تم عمدا تخفيض مستوى التوقعات منذ اليوم الأول للمؤتمر، فتم إسقاط التركيز على هدف المحافظة على درجة حرارة لا تتجاوز 1.5 في المئة فوق المعدل الذي كان سائدا قبل الثورة الصناعية الأولى، والاكتفاء بالحديث عن معدل يقل عن 2 في المئة، أو تجنب الحديث عن ذلك تماما. كذلك فإن قيادة المؤتمر تجنبت الحديث عن أي اتفاقات أو تعهدات ملزمة، واكتفت فقط بترويج نصوص «طوعية» تفتقر إلى صيغة تنفيذية أو إجراءات عملية أو خطط تمويلية أو معايير للمراجعة والمتابعة.
مبادرة مارك كارني للتمويل الخاص
مارك كارني هو اقتصادي كندي، وهو مبعوث الأمم المتحدة للمناخ حاليا، ومحافظ بنك انكلترا السابق، ويحظى بعلاقات واسعة مع صناديق المحافظ المالية في العالم. وقد وجد كارني مثل غيره من رجال السياسة والمال أن قضية البيئة تخلق سوقا جديدة مهمة للتمويل تشارك فيها الحكومات والمنظمات الدولية والشركات، وانها توفر فرصا عظيمة للربح لشركات التمويل الخاص. وفي هذا السياق أعلن كارني في المؤتمر مبادرة لمشاركة القطاع الخاص المالي لتنظيم عمليات تمويل مشروعات البيئة، وأن تصبح هذه المبادرة بمثابة الإطار التنظيمي العالمي لتمويل مشروعات الاقتصاد الأخضر. وحصل كارني على موافقة 6 من أكبر شركات إدارة الأصول تتحكم في أكثر من 103 تريليونات من الأصول المالية على مستوى العالم، لكي تشارك في استراتيجية التمويل الخاص لمشاريع حماية البيئة. ويسعى مارك كارني إلى أن يصبح صندوق استثمارات البيئة الجديد هو المؤسسة التي تتولى تقييم المشروعات وإجازة التمويل ومتابعة الأداء مقابل رسوم على الخدمات التي تقدمها إضافة إلى خدمة التمويل. ويتم الآن إعداد خطط تنفيذية لإقامة صناديق إقليمية لتمويل مشروعات البيئة ضمن الهيكل العالمي للتمويل الذي أعلنه كارني. ومن المرجح أن تكون العاصمة الأردنية عمان هي المقر الإقليمي للصندوق في الشرق الأوسط.

مبادرة المحافظة على الغابات
هي واحدة من المبادرات التي أعجبت بوريس جونسون، مع أنها نسخة مكررة من اتفاقية سابقة في الموضوع نفسه صدرت عام 2014 ولم تحقق الأهداف المرجوة منها، حيث استمر قطع أشجار الغابات بسبب عدم تقديم المساعدات المالية الكافية إلى الدول النامية. وبسبب الحاجة إلى الأرض لأغراض الزراعة ومشاريع البنية الأساسية فإن حكومات الدول النامية وسكانها يجدون أن قطع أشجار الغابات نشاط اقتصادي مربح، ففي نيجيريا وإندونيسيا وماليزيا يتم قطع أشجار الغابات وإقامة مشاريع زراعية محلها أو تركها خرابا. وكانت الدول المتقدمة قد تعهدت بتقديم مساعدات قيمتها 100 مليار دولار سنويا إلى الدول النامية، لكن هذه التعهدات كانت مجرد أقوال مرسلة غير ملزمة، ولا تتوفر لها آلية تنفيذية. المبادرة الجديدة التي تم توقيعها من أكثر من 100 دولة للمحافظة على الغابات منها البرازيل، من المرجح أن تلقى مصير اتفاقية 2014.
مبادرة التخلي عن الفحم
تهدف المبادرة إلى التخلص نهائيا من استخدام الفحم في صناعة الطاقة خلال عشر سنوات، وقد انضم للمبادرة أكثر من 70 دولة نصيبها جميعا من سوق الفحم العالمية 35 في المئة، ليس من بينها الولايات المتحدة والصين والهند وأستراليا وروسيا وإندونيسيا، وهي أكبر الدول المستهلكة والمنتجة للفحم على مستوى العالم. الصين وحدها تستحوذ على نصف استهلاك الفحم، بينما تستحوذ الهند على 11.3 في المئة، والولايات المتحدة على 8.5 في المئة. وقد أعلنت الصين صراحة انها ستستمر في إنشاء محطات الطاقة التي تعمل بالفحم حتى العام 2024 وأن انبعاثات الكربون الجديدة لن تتوقف عام 2050 كما تقول اتفاقية باريس. ومع ارتفاع أسعار الفحم فإن إندونيسيا، وهي أكبر دولة مصدرة للفحم تنظر إلى زيادة الإنتاج والصادرات على أنها هبة من السماء لتوفير السيولة اللازمة لتمويل الانفاق الحكومي. كما أن إندونيسيا مستمرة في التوسع في قطع أشجار الغابات وزراعة أشجار زيت النخيل. ومن المتوقع أن يستمر ذلك بوتيرة أسرع خلال السنوات المقبلة، نظرا لارتفاع أسعار زيت النخيل إلى مستويات قياسية.

مبادرة التخلص من الميثان
يعتبر الميثان من أشد الغازات تلويثا للهواء التي تتسبب في زيادة درجة الحرارة أكثر من غيرها. لكن انبعاثات غاز الميثان ترتبط بالزراعة أكثر من ارتباطها بالصناعة أو الطاقة. ولذلك فإن نجاح هذه المبادرة يتوقف على تعويض الدول النامية على الفاقد في الإنتاج الزراعي الناتج عن الالتزام بها. وحيث أن المبادرة لا تتضمن آلية مالية لتعويض الدول المنضمة إليها، فليس من المتوقع تحقيق نجاح إلا إذا تم ربط الالتزام بها مع الحصول على تعويضات محددة. وقد تحدث الخبراء المشاركون في المؤتمر عن ضرورة صياغة معادلات للحصول على التعويضات ترتبط بنسبة الميثان أو الكربون التي يتم التخلص منها أو التوقف عن إنتاجها.
لقد تحولت أزمة المناخ العالمي في مؤتمر غلاسكو لدى قيادات الدول الصناعية إلى فرصة لتأجيل أمد تحقيق «الحياد الكربوني» ولدى صناديق الاستثمار المالي والشركات العملاقة إلى فرصة لتعظيم الأرباح، ولدى قيادات الدول الفقيرة إلى باب جديد من أبواب طلب المساعدة وسط فساد سياسي وفقر يطحن شعوبها. وعندما ينتهي المؤتمر سيحاول كل طرف أن يحصي قائمة المكاسب التي حصل عليها، بصرف النظر عن مدى التقدم الحقيقي في العلاقة الصحية بين الإنسان والبيئة.