أهم ما تتميز به الأفلام الروائية القصيرة هو ذلك الاستهداف المُباشر لعُمق الفكرة بلا مُحاولات كثيرة للتمهيد، حيث تعتمد السينما القصيرة عموماً على الاختزال والتضمين كنوع من البلاغة في توصيل الرسالة المعنية بأفضل الصور الدرامية المُمكنة وأغناها، اعتماداً على جوهر الحكاية من دون الحاجة إلى المُبالغة في الشكل لتحقيق التأثير المطلوب.
في فيلم «رسائل رُقية» للمخرجة فيروز علاء تتحدد الأطر والمستويات الإنسانية للموضوع بتحديد الحالة المطروحة للمناقشة. فكاتبة السيناريو أميرة شبانه قد حرصت على تتويج القيمة الإنسانية كهدف رئيسي من الرسالة التي تبعث بها البطلة رُقية للمُجتمع كي يصحو ويستفيق من غفوته ويتخلص من شعارات التعاطف المزيف مع أصحاب الحاجات. فالحكاية ببساطة أن الشخصية المحورية للأحداث ولدت بإعاقة فريدة من نوعها تتمثل في اضطراب بالجهاز العصبي يمنعها من السيطرة على الحركات المفاجئة التي تنتابها فتجعلها أقرب إلى المُعاق ذهنياً، برغم تمتعها بذكاء حاد وقدرات معرفية فائقة.
الفيلم يقدم الفتاة البطلة كنموذج ليس للإعاقة وإنما للتفوق واستنهاض الهمم ليلفت النظر إلى فساد نظرية التقييم الشكلي والعناية بالتكوين الموضوعي للإنسان باعتباره الأقوى والأكثر دلالة على اختبار القُدرات الحقيقية الكامنة بداخل الشخص الذي يُعاني من خلل ما يُفقده التواصل مع الآخرين بطريقة طبيعية، حيث يكمن العيب في مستوى الاستقبال لدى البعض من الذين يُصدرون أحكاماً فورية على المريض بمجرد الملاحظة الظاهرية!
هذه الجزئية بالتحديد تكاد تكون هي المغزى الحقيقي في رسالة الفيلم المعنون قصداً برسائل رُقية كناية عن الدافع الذي كان سبباً في كتابته وصناعته على النحو المُبين في الشكل والمضمون والأبعاد وطريقة الأداء التمثيلي التي اختص بها الأبطال، لا سيما الشخصية الرئيسية مارينا صبحي التي تقمصت الدور وأبدعت في توظيف موهبتها وقدراتها الحركية والجسدية بما أوحى باقترابها كثيراً من الشخصية المريضة بتلف في الأعصاب ومعاناة في الحركة، كونها وقفت على حدود المأساة العضوية والنفسية بلا مُبالغة وفق توجيهات المخرجة وفرضية النص المكتوب بعناية وتدقيق.
لقد تم توزيع التأثيرات الميلودرامية والإنسانية بالفيلم إلى مراحل متساوية زمنياً ودرامياً من حيث المساحة والتكثيف والإسقاط، فالبداية كانت من لحظة الحُلم الوردي للبطلة الجامعية بالحصول على الوظيفة المُعلن عنها، ثم يأتي التطور الثاني بعد اللقاء المُباشر مع الموظف المُختص بعمل الاختبارات اللازمة، مع ضرورة تجاوزها كشرط للقبول في العمل، وهذا الجزء بالتحديد هو الأهم لأنه يُلخص حال البطلة التعيسة التي لا تجد لها فرصة حقيقية لإثبات قُدراتها في العمل، فالتعاطف معها ينتهي عند حد الترحيب والتشجيع والمُعاملة الحسنة، الأمر الذي يُضاعف من إحساسها بالغُبن ومرارة العجز.
كما أنه يكشف أيضاً عن عجز التواصل الحقيقي معها بما يُفيدها عملياً، وهو إسقاط على الحالة المرضية التي يعانيها المجتمع ككل، كونه يتظاهر بعكس ما يُبطن، فهو يجتهد في مُداراة الكذب والافتعال والعنصرية والفصام النفسي الذي يحاول الكثيرون ممن يوصدون الأبواب المفتوحة أمام المحتاجين إخفائه بمعسول الكلام وتخفيف الصدمات باستخدام المُسكنات المؤقتة ليبدو مُجتمعنا راقياً ويبدون هم في أحسن صورة، في حين أن الغالبية لا تتسم إلا بالقسوة!
هكذا تطرح المخرجة فيروز علاء كل مُعطيات المشكلة الخاصة جداً على طاولة الحوار الدائر ضمنياً بين المُتلقي وبين البطلة في محاولة لاستبيان أوجه الخلل والبحث عن مكامنه الثقافية والاجتماعية للوصول إلى موطن المرض الذي يؤدي بصاحب الحاجة الصحية والنفسية إلى العزلة والانطواء وفقدان الثقة في نفسه وفي الآخرين، وهو الجدير بكل الفرص والحقوق والأقدر من غيره على العطاء والبذل والتفوق، لولا سوء الحظ الذي أوقعه في براثن الجهل والأمية والتخلف الحضاري فأقعده عن العمل بإرادة المُتعسفين في تطبيق القانون، الحائلين دون منح الفرص لمُستحقيها من النابغين النابهين.
فيلم «رسائل رُقية» هو تلخيص لمفهوم السينما الروائية القصيرة بتجلياتها الإنسانية والإبداعية التي تجافي منطق السوق في الصناعة السينمائية بعناصرها التجارية المعهودة والتي عرفت طريقها للفيلم القصير مؤخراً مع انتشار المنصات الإلكترونية وغزو الصور الدعائية ومقاطع الفيديو المُسلية والمُندرجة قسراً تحت مسمى المُصنفات الفنية، بينما هي في واقع الحال ليست أكثر من إرهاصات لفساد عام في الذائقة الفنية وفقدان فعلي لحاسة التمييز الحقيقي بين الغث والسمين.
لقد اعتنت المخرجة فيروز علاء في فيلمها المهم بعناصر التكوين المؤثرة من تصوير وإضاءة وموسيقى ومونتاج ومكساج فأثرت الصورة الدرامية وأكسبتها رونقاً خاصاً فصارت دالة ومُقنعة وغنية ومؤلمة.