بيروت ـ “القدس العربي”:
حاملاً رسالة شديدة اللهجة الى المسؤولين السياسيين الذين يعطّلون تشكيل الحكومة ورسالةً تعبّر عن تضامن تام مع اللبنانيين، باشر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان زيارته بيروت، وإستهلها من قصر بعبدا بلقاء رئيس الجمهورية ميشال عون لمدة نصف ساعة فقط غادر بعدها من دون الادلاء بأي تصريح، كذلك فعل بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وكأنه إكتفى بتغريدته الحازمة النبرة التي سبقت زيارته في وجه الذين يعرقلون تشكيل الحكومة بقوله” لقد اتخذنا إجراءات وطنية، وهذه مجرد البداية”.وبقي الغموض يلفّ موعد لودريان مع الرئيس المكلف سعد الحريري وتوقيته قبل الافطار أو بعده.
على خط بعبدا، أفادت المعلومات الرسمية أن الرئيس عون عرض أمام لودريان للمراحل التي قطعتها عملية تشكيل الحكومة،شارحاً”المسؤوليات الدستورية الملقاة على عاتقه بموجب الدستور المؤتمن عليه وعلى مسؤوليته في المحافظة على التوازن السياسي والطائفي خلال تشكيل الحكومة”، وشدّد “على كلفة الوقت الضائع لانجاز عملية التشكيل”، مشيراً الى” أولوية قصوى لتشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة مجلس النواب”، مؤكداً انه” سيواصل بذل الجهود للوصول الى نتائج عملية على رغم العوائق الداخلية والخارجية، وعدم تجاوب المعنيين بإتباع الأصول الدستورية والمنهجية المعتمدة في تأليف الحكومات”.وإعتبر” ان تحقيق الإصلاحات التي يشكّل التدقيق المالي البند الأول من المبادرة الفرنسية المعلنة في الأول من أيلول الماضي، هو امر أساسي للنهوض بلبنان واستعادة ثقة اللبنانيين والمجتمع الدولي”.
وفيما لم ينقل بيان بعبدا أي كلام عن الوزير الفرنسي، فقد أفاد أن عون حمّل في نهاية اللقاء لودريان تحياته إلى الرئيس ماكرون شاكراً “اهتمامه الدائم بلبنان وحرصه على مساعدته في المجالات السياسية والاجتماعية والصحية والتربوية كافة”، وطلب منه “مساعدة فرنسا والدول الأوروبية في استعادة الأموال المهرّبة الى الخارج”، مؤكداً “ان ذلك يساعد على تحقيق الإصلاحات وملاحقة من اساء استعمال الأموال العامة او الأموال الأوروبية المقدمة الى لبنان او هدر الأموال بالفساد او بتبييضها”.
أما مصادر الرئيس بري، فأوضحت بعد لقاء لودريان “أن المبادرة الفرنسية لحل الأزمة اللبنانية لا تزال قائمة ومسؤولية تنفيذها تقع على عاتق اللبنانيين من خلال الإسراع في تشكيل الحكومة”.
وتباينت الآراء حول زيارة لودريان التي خلقت بلبلة لناحية جدول المواعيد وشمول الرئيس المكلف سعد الحريري أو لا، فوصفها بعضهم بأنها “حاسمة” لمسار المبادرة الفرنسية وتطبيق العقوبات في ضوء تعثّر تشكيل الحكومة اللبنانية، داعين الى ترقّب المحاولة الفرنسية بجمع كل من الرئيس المكلّف.والبعض الآخر قلّل من أهمية هذه الزيارة وتأثيراتها طالما أن الرئيس إيمانويل ماكرون بنفسه لم ينجح في جعل القيادات اللبنانية تلتزم بتعهّداتها التي قطعتها امامه في قصر الصنوبر.وهذا ما دفع الى إستبعاد تحقيق إختراق جدي من قبل الدبلوماسية الفرنسية التي تمارس دوراً في الوقت الضائع ،حيث الانتباه يتركّز على ما سيصدر من نتائج عن المفاوضات الامريكية الايرانية من جهة وعلى عودة الاتصالات بين الجانبين السعودي والسوري وإنعكاساتها على لبنان.
ولكن على الرغم من تباين النظرة الى نتائج زيارة لودريان إلا أنه لا يمكن فصلها عن أي موقف سيتخذه الرئيس الحريري بعد انتهائها. فإقدام الحريري على الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة يعني أنه لم يعد في قلب المعادلة الفرنسية، واذا طالت العقوبات الفرنسية مقرّبين منه فهذا يعني أنه متهم ايضاً بعرقلة تشكيل الحكومة وعدم تسهيل مهمة باريس في عقد اللقاء مع رئيس التيار الوطني الحر. وكان الحريري استبق مجيء لودريان بالتلويح بخبار الاعتذار بعدما كان هذا الخيار مستبعداً قبل فترة ومشروطاً باستقالة رئيس الجمهورية. وإذا كان الرئيس المكلّف تراجع عن خياره في انتظار معرفة ما يحمله لودريان، إلا أن الاعتذار سيشكّل نكسة للحريري الذي كان إعتبر نفسه مرشحاً طبيعياً لرئاسة الحكومة،وسيسجّل عليه فريق العهد انتصاراً بإزاحته قبل أن يدخل في مرحلة استنزاف ما تبقّى من الولاية وتحمّل أخطار أي انفجار اجتماعي.