رغم رحيله منذ 55 عاما.. انتقادات عمرو موسى تجدد الجدل حول عهد عبد الناصر

تامر هنداوي
حجم الخط
5

القاهرة- “القدس العربي”: في 28 سبتمبر/ أيلول المقبل، يمرّ 55 عاما على رحيل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، إلا أن العقود الخمسة لم تنجح في تغييبه عن المشهد السياسي المصري والعربي.

فمع كل حدث مصري أو عربي، يستدعي المصريون ناصر، إما باتهامه بأنه سبب رئيسي في الأوضاع التي تشهدها البلاد خاصة ما يتعلق بغياب الحريات، ويعتبرونه مؤسس الدولة العسكرية والقمع في البلاد، وآخرون يرون أن إنجازاته شاهدة على دوره في بناء الاقتصاد المصري والانحياز للفقراء والتصدي للهيمنة الأمريكية، وإن من جاؤوا بعده أضاعوا كل ما فعله وغيبوا مصر عن دورها بتوقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية المعروفة إعلاميا بـ”كامب ديفيد”، والتخلي عن سياسات التصنيع لمصلحة سياسات الخصخصة.

وكان أمين عام الجامعة العربية الأسبق ووزير خارجية مصر الأسبق عمرو موسى، أثار جدلا واسعا، بتصريحات متلفزة أطلقها خلال استضافته في قناة “إم بي سي مصر”، وصف فيها عبد الناصر بـ”الديكتاتور”.

وقال موسى: “نعم، عبد الناصر كان ديكتاتورًا، لن نضحك على أنفسنا، الحُكم كان ديكتاتوريًا، ولكن الشعب كان يؤيد عبد الناصر حتى هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967″، لافتا إلى أنه أصبح “غاضبًا من عبد الناصر بعد الهزيمة”.

وأضاف: “كان الشعب يؤيد عبد الناصر، ويثق به وبزعامته، ويدعم ما يطرحه من حقوق للمواطنين، لكن كانت هناك أخطاء كبيرة جدًا في الحكم داخليًا، وفي اتخاذ قرارات الحرب والسلام دون تشاور، وهذه هي الديكتاتورية”.

وبشأن تنحي عبد الناصر بعد الهزيمة، قال موسى: “كان ذلك حقيقيًا لشعوره بالخطأ الكبير الذي ارتكبه”، مضيفًا أن الهزيمة جعلته وكثيرين غاضبين، مؤكدًا أنه لا يمكن ولا يصح التسامح مع ما حدث في 5 يونيو/ حزيران 1967، لافتا إلى أن مصر ما زالت عالقة في هذه النكسة حتى الآن.

وانتقد اتخاذ عبد الناصر قرار الحرب، وقال: “لا يصح أن يُقامر أحد بمصير بلده، في الحرب والسلام لا يصح أن يكون القرار لشخص واحد. أنا وكثيرون نُحمّل عبد الناصر المسؤولية، ونحن حزانى جدًا لما حدث”.

ودافع الإعلامي والبرلماني المصري مصطفى بكري، عن عبد الناصر، مؤكدًا أنه كان زعيمًا وطنيًا وديمقراطيًا مخلصًا، ترك إرثًا خالدًا في مصر والعالم العربي والأفريقي.

وقال بكري، خلال تقديمه برنامج «حقائق وأسرار»: بين الحين والآخر يخرج علينا عمرو موسى مهاجمًا الرئيس جمال عبد الناصر، مع وصفه بألفاظ غير دقيقة ومتناقضة مع التاريخ.

ولفت إلى وصف موسى لعبد الناصر بـ«الديكتاتور»، وقبلها حديثه عن أن «عبد الناصر كان يطلب الطعام من الخارج»، واصفًا تصريحات موسى عن عبد الناصر بأنها “هرتلة آخر العمر”.

وتابع: رأي موسى يخصه، ولا يتجاوز شخصه، وقال إنه عاش أيام عبد الناصر، سنوات العزة والكرامة والتعليم المتميز ونهضة الفنون.

تصريحات موسى، أثارت غضب الحزب الناصري، وقال رئيسه محمد أبو العلا، إن موسى كان جزءًا من أنظمة لاحقة لم تقدّم لمصر ولا للأمّة العربية ما قدّمه عبد الناصر في سنوات قليلة.

وأضاف في بيان: إذا كان الحكم على عبد الناصر بالتجريح سهلًا، فإن التاريخ والشعوب هما الحكم العادل، والتاريخ سجل أن عبد الناصر، أمم قناة السويس في تحدٍ للاستعمار، وانتصر، وبنى قاعدة صناعية وتعليمية وصحية لا تزال قائمة حتى اليوم، وأرسى مبادئ العدالة الاجتماعية، ورفع ملايين المصريين من التهميش والفقر، وكان زعيمًا لحركات التحرر في العالم، ورمزًا للكرامة الوطنية.

وأضاف: أما الحديث عن “الدكتاتورية”، فهو تجاهل متعمّد لظروف مصر آنذاك، وهي تواجه العدوان الثلاثي والمؤامرات الدولية، وتبني جيشها واقتصادها من تحت الصفر، والشعوب التي ودّعته بالملايين لم تكن تودّع “دكتاتورًا”، بل قائدًا عاش لهم ومات من أجلهم.

وأعلن رفص الحزب الناصري هذه المحاولات المتكررة للنيل من عبد الناصر، موجها رسالة لموسى: “عبد الناصر ليس صفحة يمكن طيّها أو محوها، بل هو تاريخ مشرق وحاضر في وجدان الملايين، ومن أراد تقييم التجارب فعليه أن يسأل الشعوب لا أن يُلقي أحكامًا تخالف الواقع والتاريخ”.

استمرار الجدل حول عبد الناصر، دفع الكاتب الصحافي عبد العظيم حماد عضو مجلس أمناء الحوار الوطني للتساؤل: هل هي معجزة جمال عبد الناصر، أم هي مأساتنا الأبدية؟.

وكتب حماد على صفحته على الفيسبوك، إن ما ستحمله سطوره ليست هجوما على جمال عبد الناصر ولا هي دفاع عنه، وإنما هي رصد لظاهرة قوة وجوده السياسي حتي اليوم في الحياة المصرية والعربية، واستقراء لمدلول هذه الظاهرة، معتبرا أنها ذات مدلول سلبي للبلد والمجتمع وليس له هو كتاريخ وتجربة.

وتابع: رجل مات قبل 55 عاما، و يمرّ علي تأسيس نظام حكمه 70 عاما، أي تقريبا أطول قليلا من الحقبة بين قيام الإمبراطور نابليون الأول وسقوط الإمبراطور الثالث وبينهما ملكيتان وجمهورية، وبألفاظ أخرى فإن فرنسا في فترة مماثلة تجاوزت الحقبة البونابرتية الأصلية وتجاوزت ملكية بوربونية وملكية أورليانز وجمهورية الكاربوناري وأسست الجمهورية الثالثة.

وزاد: بل مرّت على تأسيس ذلك النظام الناصري، أو نظام الضباط، فترة تساوي عمر الاتحاد السوفيتي كله تقريبا، ثم هو مات وخلفه في حكم مصر 3 رؤساء دون حسبان المرحوم محمد مرسي منهم، لأنه بقي في المنصب قرابة 3 عقود لم يخض حربا ولم يواجه حصارا.

وتساءل حماد: كيف لهذا الرجل أي جمال عبد الناصر أن يظل كما لو كان حيا، تُقوم تجربته كل يوم وتثور من حوله المجادلات بل والمشاحنات، ويبقي له خصوم وينبري له مناصرون؟.

وواصل: كيف لم يصحح الذين حكموا بعده أخطاءه في كل هذه العشرات من السنين، وكلهم ادعي ذلك؟، وكيف لا يتجاوز التطور السياسي في البلد تجربته رغم أن هذا التطور تضمن هزيمة عسكرية مروعة ثم حرب شبه منتصرة، ثم تحوّل إلى الصلح فإعلان أنها آخر الحروب، ورغم التحول من الانغلاق الي الانفتاح الاقتصادي، السداح مداح غالبا والإنتاجي قليلا، ومن هيمنة القطاع العام إلى تصفيته أو بيعه والتحول من التنظيم السياسي الواحد إلي التعددية الحزبية. ومن الاستفتاء على مرشح واحد للرئاسة إلى الانتخابات الرئاسية التعددية.

وبين أن حضور ناصر له مدلول من اثنين، إما أنه غير قابل للتجاوز، وأن كل من جاؤوا بعده ليسوا إلا مشتقات أو صور مهزوزة منه، حتى إشعار آخر، وإما أن المجتمع المصري بكل تياراته الفكرية وقواه السياسية ونظمه الاقتصادية وعلاقاته الإنتاجية أعجز من أن يدير شؤونه في وطن مستقل كما قال اللورد كرومر منذ زمن بكل أسف.

وتابع: يقال إنه عندما ذهب ناصر لزيارة جمال سالم في مرض الموت، قال له الأخير: يا جمال خفف قبضتك علي البلد فأنت لن تظل حاكما لمصر من القبر.

وكتب مستشار رئيس الجمهورية الأسبق للشؤون العربية محمد سيف الدولة، تحت عنوان “ناصر والسادات وموسى”، إن التاريخ سيحاسب عبد الناصر ألف مرة على هزيمتنا الفادحة في 1967 التي لا نزال ندفع أثمانها حتى اليوم، ولكنه سيتذكر له قراره بمواصلة القتال رافضا الاستسلام أو الاعتراف بإسرائيل أو الصلح والتطبيع معها.

وأضاف: سيتذكر التاريخ للرئيس الراحل محمد أنور السادات حرب 1973 ومعركة العبور العظيم واسترداد سيناء، ولكنه سيحاسبه ألف ألف مرة على توقفه عن القتال وانسحابه من مواجهة المشروع الصهيوني، واعترافه بشرعية إسرائيل الباطلة والسلام والتطبيع معها، وتكبيل مصر بقيود وسلاسل كامب ديفيد الأمنية والعسكرية التي لا تزال تحكمنا وتجرح سيادتنا واستقلالنا حتى اليوم.

وتابع: سيتذكر التاريخ عمرو موسى في أغنية شعبان عبد الرحيم (أنا باكره إسرائيل وبحب عمرو موسى)، ولكنه سيحاسبه ويسجل اسمه في سجلات من قبلوا الخدمة والمناصب في نظام كامب ديفيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية