رفائيل كورماك و»منتصف الليل في القاهرة»: دراسات متعمقة لفنون مصر ومجتمعها مطلع القرن المنصرم

نزار صالح
حجم الخط
0

يفتتح رفائيل كورماك كتابه «منتصف الليل في القاهرة: مطربات مصر في العشرينيات العارمة» باقتباس من الكاتب والناقد المصري الكبير لويس عوض، حول سنوات شبابه الأولى وحياة الليل في حيّ الأزبكية القاهري بين الحربين: «لم يكن عسيراً اكتشاف هذه البيوت السرية، فما كان عليك إلا أن تجلس في شارع ألفي بك في قهوة أو بار كالباريزيانا أو التافيرنا يطل على الشارع حتى يتردد عليك عشرات من الباعة، هذا يبيع اليانصيب وهذا يبيع الجرائد وهذا يبيع السميط والبيض وهذا يبيع أمواس الحلاقة والأمشاط وهذا يمسح الجزم وهذا يبيع الفستق ويلعب (جوز ولا فرد) وهذا قرداتي أو بهلوان يلعب على البيانولا مع زوجته أو يأكل النار ويمشي مشية شارلي شابلن. وبين هؤلاء جميعاً يندس دائماً القواد الذي يحاول أن يقنعك ببلاغته أنه سيقودك إلى أجمل بنت في الدنيا وأنها على بعد خطوتين منك ولن تكلفك إلا نصف جنيه أو ربع جنيه بحسب الحالة».
والمؤلف تخرج من جامعة إدنبرة حيث تناولت أطروحته للدكتوراه موضوع المسرح المصري، وله اهتمام خاص بفنون الغناء والاستعراض والتسلية العربية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويعمل حالياً أستاذاً في جامعة كولومبيا، نيويورك. وفي كتابه هذا يستأنف، ولكن من زاوية البحث التاريخي والثقافي في ميادين الغناء تحديداً، تلك الجاذبية الطاغية التي تمتعت بها مصر عموماً، والقاهرة والإسكندرية خصوصاً، لدى العديد من الأوروبيين، وتجلت على سبيل أبرز الأمثلة في قصائد الشاعر اليوناني قسنطين كفافيس وفي نثر لورنس داريل ورباعيته الشهيرة. وهو يشير إلى أنّ مجرد تسطير لائحة بأسماء نجوم مصر ومطرباتها خلال العقود الأولى من القرن العشرين سوف يكشف الخلفيات بالغة التنوّع من حيث الدين والجنسية والثقافة. وبعض هؤلاء صاروا نجمات ونجوماً من المشاهير مصرياً وعربياً، وبعضهن ممن أتوا من مختلف أقطار العالم العربي استقروا في المشهد المصري بصفة نهائية حتى يندر أن يتذكر الناس جنسياتهم الأصلية.
ولا تفوته الإشارة إلى الخلفيات السياسية والاجتماعية التي تصدرت تلك الحقبة من تاريخ مصر وكانت وراء جملة من المتغيرات الفارقة، خاصة تطورات سنة 1919 التي بلورت حساسيات جيل بأكمله. فبعد أن ثارت مصر على الحكم الاستعماري البريطاني وأحرزت استقلالاً وإن مشروطاً، بدأت الأسئلة تتكاثر حول الهوية والمستقبل والعقائد والإيديولوجيات المستجدة وبينها الليبرالية والشيوعية والإلحاد والتيارات الإسلامية، وكان بطل فيلم «انتصار الشباب» لسنة 1941 خير معبّر عن تلك التحولات حين طالب باعتبار الماضي ثياباً بالية يتوجب خلعها والتخلص منها. إلى هذا تُضاف حركات تحرير المرأة والمجموعات النسوية، التي أسفرت عن ولادة كاتبات شهيرات مثل هدى شعراوي ونبوية موسى ومي زيادة وسيزا نبراوي، ولم يغب الرجال عن ميدان دعم النساء فنشطت روابط سياسية وأدبية وفكرية توفّر الدعم وتشترك في خوض معارك التنوير.

2021-07-31_13-31-53_164601
وفي أروقة الأندية الليلية والكباريهات والمسارح كانت المرأة تمخر عباب بحور عاتية لتمكين وجودها، فصارت مطربة مثل منيرة المهدية مالكة جمهور واسع النطاق فأدارت فرقتها المسرحية الخاصة بها منذ العام 1915. واقتدت بها مجموعة مميزة من المطربات والممثلات والراقصات ممّن تركن بصمات لا تُنسى في التاريخ الثقافي والفني لمصر خلال العقود الأولى من القرن العشرين. لهذا فإنّ فصول كتاب كورماك تتناول أسماء لامعة مثل روز اليوسف، التي كانت في سنة 1925 ممثلة بارزة نقلت ليالي الكباريهات وصالات الموسيقى إلى مرحلة أعلى مسرحية وأدائية، بمعونة مباشرة من زوجها الثاني زكي طليمات، بلغت أوجها مع تأسيس مسرح رمسيس، ثم إطلاق المجلة الشهيرة. فصل أخر يناقش دور الممثلة الفرنسية الأشهر سارة برنار، من خلال مرورها الأول في مصر وأدائها عدداً من تمثيلياتها على مسرح الأوبرا شتاء 1888 ـ 1889 ومرورها الثاني في خريف 1908 حيث عرضت بعض مسرحياتها رغم إصابة في قدمها وأشادت بمدى تطور ذائقة المصريين بالقياس إلى 20 سنة خلت.
لكن فاطمة رشدي سوف تستحق لقب «سارة برنار الشرق»، منذ أن اكتشفها يوسف وهبي في سنة 1925 وصادفها سيد درويش وأختها إنصاف في إحدى مقاهي الإسكندرية وضمهما إلى فرقته المستحدثة في القاهرة. وفي العاصمة سطع نجم فاطمة، حتى من خلال سيرك نجيب الريحاني، فتخصصت في فنون المونولوغ و»الطقطوقة»، وأنشأت قاعة رقص مونتي كارلو في حي روض الفرج، الذي على صغره أخذ ينافس ليالي الأزبكية. ولم يطل الوقت حتى شرعت رشدي في تجسيد طموحاتها نحو الانتقال من الأداء في العلب الليلية إلى التمثيل على المسرح واقتراح الموضوعات للسينما، خاصة بعد لقائها مع عزيز عيد. ويعقد كورماك فصلاً خاصاً للمطربة فاطمة سري، التي لم تنل حظها من الشهرة والانتشار رغم إنجازاتها المميزة، وما قدمته من أعمال بالتعاون مع الملحن داود حسني، وكيف تحولت قصة الحب التي جمعتها مع محمد الشعراوي إلى موضوع فيلم «فاطمة» الشهير، 1947 الذي مثلت فيه أم كلثوم.
الفصل الثامن من كتابه يخصصه كورماك لكوكب الشرق أم كلثوم، ويبدأه باستعراض التنافس الفريد الذي شهدته عشرينيات القرن الماضي بين منيرة المهدية نجمة صالات الموسيقى خلال العقد الأول ومبتكرة فنون الأوبرا العربية وأول امرأة تقود فرقة مسرحية في العالم العربي من جهة أولى، وتلميذتها الموهوبة والمجتهدة والقادمة من الريف المصري ونجمة السينما والمطربة البارعة أم كلثوم من جهة ثانية. ولكن فوارق جوهرية كانت تفصل بين النجمتين، تتجاوز الأداء والموهبة والخيارات الغنائية والموسيقية، فقد كانت منيرة المهدية متطرفة في التعبير وبعيدة عن التقاليد وخطيرة من الناحية الجنسية، وعلى النقيض كانت أم كلثوم منضبطة ومتحفظة ومحترمة. وإذا كانت اليوم الـ»ديفا» الأشهر والأبرع في مصر والعالم العربي، فإنّ ارتقاءها سلالم المجد لم يكن بالأمر اليسير في أزبكية عشرينيات القرن المنصرم، وتوجب أن تشتغل كثيراً على نفسها، وأن تنتقي بعناية الملحّن والشاعر والعازف والتخت بأكمله، وكورماك لا يبخل على قارئه (الغربي في نهاية المطاف) سرد التفاصيل المحورية في حياة هذه الصبية القادمة من الريف المصري لتصنع قصة نجاح غير مألوفة وغير مسبوقة.
وفي فصول لاحقة يناقش كورماك إشكاليات صناعة السينما في مصر لجهة الرقابة على الموضوعات ذات الطابع الديني، وكذلك صعود موجة «الصالة» التي حجبت الكثير من الأدوار التي كانت مناطة بالكباريه والمسرح والمرابع الليلية، وكانت بديعة مصابني القادمة من سوريا هي الرائدة خلف هذا التحول. وبدأت بديعة حياتها الفنية كممثلة كوميدية، لكنها في سنة 1926 افتتحت أوّل صالة لها في شارع عماد الدين، وحرصت أن يجمع تصميمها وديكوراتها بين الكباريه الأوروبي وقاعة الموسيقى العربية، وأن تحتضن راقصات ومطربات أمثال تحية كاريوكا وسامية جمال وليلى مراد، لن يطول الوقت حتى أصبحن من المشاهير في مصر والعالم العربي بأسره. ولا يفوت كورماك التوقف عند مقالة إدوارد سعيد اللامعة حول تحية كاريوكا والتي سينشرها في سنة 1990 ويروي فيها حضوره حفلة للراقصة الشهيرة تؤدي على أنغام «منديل الحلو»، كما يحرص كورماك على أن يكرّس فصلاً كاملاً لحضور هذه الرقصة في خمسينيات مصر والعالم العربي، وكيف كان الرقص الشرقي قد دخل طوراً مختلفاً مع تجديدات عدد من الراقصات المتميزات.
كتاب كورماك أقرب إلى استعراض مسرحي في ثلاثة فصول: تاريخ حياة الليل في مصر أواخر القرن التاسع عشر وحتى نهايات 1920، واستعراض حياة وأعمال حفنة من أبرز النجوم النساء خلال الحقبة إياها، وسرد حكاية حيّ الأزبكية القاهري وما شهده من تحولات فنية وثقافية، كانت أيضاً سياسية واجتماعية. والكتاب ثري في التفاصيل، وموضوعي في استخلاص الأحكام، وكبير الفائدة لجهة المراجع العربية والأجنبية والوثائق التي اعتمد عليها المؤلف.
Raphael Cormack: “Midnight in Cairo – The Divas of Egypt’s Roaring ’20s”
Norton, New York 2021
384 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية