خلال شهور الصيف تنشط الرحلات السياحية وتبدأ الأفواج في النزوح من القاهرة إلى المُدن الساحلية، هرباً من حرارة الجو وطمعاً في التمتع بقدر من الراحة والانسجام بين مياه البحر والهواء النقي، فضلاً عن ممارسة هواية السباحة التي يفضلها البعض أحياناً على الهوايات الأخرى.
وأمام الهجرة الجماعية لجمهور الشباب تتأثر دور العرض السينمائية إلى حد كبير داخل العاصمة القاهرة وتقل نسبة المُشاهدة بشكل ملحوظ للأفلام الجديدة، إلا أن السياحة العربية الوافدة تعوض نسبياً الفاقد من جمهور السينما فتُنقذ الأفلام من الهبوط في بورصة الإيرادات إذا ما تراجعت الإيرادات عن حدها الآمن.
هذه الإشكالية التي تواجه السينما المصرية سنوياً كان بالإمكان التغلب عليها لو تم تنشيط دور السينما المُعطلة بالأقاليم، لا سيما دور السينما الصيفية التي ظلت نشطة لسنوات طويلة واستوعبت عبر مراحل زمنية مُتتالية أعدادا غير قليلة من الجمهور النوعي الذي كان يُفضل مشاهدة الأفلام في الهواء الطلق داخل قاعات عرض خاصة بدون سقف.
لكن هذه الظاهرة اختفت تماماً بعد هدم دور السينما الصيفية وتحويلها إلى محال تجارية وتقسيمها إلى بوتيكات، الأمر الذي قلل بشكل مُباشر من جُملة الأرباح ومنع سفر الأفلام إلى بعض المُدن الإقليمية الواقعة على سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، فجعل تركيز المُصطافين مقصوراً فقط على الذهاب إلى الشواطئ نهاراً وقضاء جزءً من الليل في النزهة والتسوق.
وبرغم الحديث المُتداول منذ فترة عن تنشيط قاعات العرض بقصور الثقافة واستغلالها تجارياً في عرض الجديد من الأفلام لحل أزمة دور السينما وتقديم خدمة جماهيرية مُتميزة لهواة مُشاهدة الأفلام بقيمة نقدية بسيطة، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن لوجود خلافات حول هذا المشروع، حيث يرى البعض أن قصور الثقافة يجب أن تُقدم خدماتها الثقافية للجمهور بالمجان وفق الغرض الذي أنشئت من أجله منذ فترة الستينيات.
وأمام الخلافات والاختلافات في الآراء والتقييمات لم يتم التوصل لحل مُناسب، ما أدى إلى خروج السينما كوسيط ثقافي شعبي من بروتوكول المصايف بالمُدن الساحلية لتبقى خانة الترفيه خالية من تدوين أي نشاط أو تفاعل سينمائي.
وقد بات الجمهور المصري بالأقاليم معزولاً عن الحركة السينمائية وتطوراتها المتلاحقة، اللهم غير الاحتفاليات والكرنفالات التي يتم تنظيمها تحت عناوين مُختلفة وتُنسب قسراً إلى المهرجانات التي تُمثل هي الأخرى مُشكلة كبرى، كونها باحثه طوال الوقت عن تمويل يضمن بقائها واستمرارها بطريقة مُجدية فنياً ومادياً، فالقائمون عليها يطمحون في تنميتها ويأملون في إيجاد موارد مالية ثابتة لها تمكنهم من تغطية التكاليف وتحقيق هامش ولو قليل من الربح.
ولأن وزارة الثقافة لا تمتلك القُدرة المادية على دعم كافة المهرجانات التي تُقام تحت مظلتها، فإنها تكتفي فقط بدعم المهرجانات الرسمية كمهرجان القاهرة السينمائي ومهرجان الإسكندرية ومهرجان السينما المصرية، بينما تترك للمهرجانات الأخرى فرصة الاجتهاد في الحصول على الدعم اللازم من جهات خاصة وينتهي دورها عند منح الموافقة الشفهية وتأشيرة ممارسة النشاط حتى لا يكون هناك تفاعل ثقافي أو سينمائي خارج الإطار المُحدد وخطة التثقيف الرسمية للوزارة، وهو نوع من الالتزام بالخريطة الكلية المُوسعة للثقافة والتثقيف داخل القاهرة وخارجها.
ويُعتبر ذلك من أبجديات التنسيق من وجهة النظر الرسمية، حتى لا يحدث تضارب بين المهرجانات في تخصصاتها وعناوينها وطبيعة الأفلام المنوط بها عرضها، ولكن هذا التصنيف لم يمنع بأي حال عملية التداخل والخلط بين الثقافات والاحتفالات والمهرجانات، فهناك أكثر من مهرجان في القاهرة والإسكندرية والأقصر وأسوان وغيرها من المُحافظات تتشابه فيه العروض والأفلام والأفكار مع فعاليات أخرى وتتقارب فيه المواقيت والأزمنة، ومع ذلك يتم التصريح له بالانطلاق وتستمر فعالياته بلا أي اعتراض أو مساءلة، طالما أنه يعتمد على التمويل الذاتي ولا يُرهق ميزانية وزارة الثقافة بأعباء إضافية هي في غنى عنها.
ويُستنتج من المُعطيات الواردة في السطور السابقة أن المُشكلة السينمائية بكل جوانبها وتشابكاتها قائمة ولم يتم حلها، فأزمة دور العرض لم يُلتفت إليها والاستثمار الصيفي بعرض الأفلام التجارية لجمهور المُصيفين في المُدن الساحلية لزيادة دخل السينما مسألة من وجهة نظر المسؤولية مؤقتة وتُمثل رفاهية زائدة وفي غير محلها.
وكذلك المهرجانات، فعلى قدر تعددها لم تُحقق المطلوب في الارتقاء بمستوى الصناعة وتقدمها، وبالنسبة لقاعات العرض بالفنادق الكبرى فتعمل لصالح المُستثمر وتُقدم الخدمة السينمائية في الإطار السياحي للشريحة الاجتماعية المُتميزة مادياً، في حين تظل القاعدة الجماهيرية التي يقوم عليها الاقتصاد السينمائي خارج الحسابات متقوقعة حول ذاتها تنتظر دعم التذكرة الشعبية الذي لم يأت بعد!