القاهرة – “القدس العربي”: قوبلت زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى القاهرة، برفض شعبي واسع. وأثار الخطاب الذي ألقاه بومبيو، خلال وجوده في مصر الأسبوع قبل الماضي، جدلا واسعا حول سياسات واشنطن في منطقة الشرق الأوسط ودعمها للأنظمة المستبدة وتصديها لتطلعات الشعوب في الحرية ودعمها لإسرائيل، وفتح الباب للمقارنة بين خطابه، وخطاب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة عام 2009.
فرع اللجنة الوطنية لمقاطعة الاحتلال الإسرائيلي، المعروفة بـ “BDS ” في مصر، أعلنت رفضها لزيارة وزير الخارجية الأمريكي في بيان حمل عنوان “لا جئت أهلا ولا نزلت سهلا”.
وقالت الحملة في بيانها: بصلف وكبر ووقاحة وعنجهية لم تعد مستغربة من إدارة أمريكية يرأسها الأحمق ترامب، خرج علينا وزير خارجيته مايكل بومبيو بالجامعة الأمريكية في القاهرة بخطاب يقطر كذبا وجهلا.
وأضافت أن الحملة الشعبية المصرية لمقاطعة إسرائيل تؤكد على عدم ترحيبها بهذه الزيارة، ورفضها كل ما جاء بها من رسائل فجة لترويج التطبيع مع العدو الصهيوني باعتباره قاطرة للسلام في المنطقة، وما نراه إلا باكورة للاستسلام والتفريط والتخاذل والتركيع.
دعم إسرائيل
وتابعت: وقف بومبيو يدعونا أن نعترف بأن أمريكا قوة تخدم الخير في الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه يؤكد التزامها بأمن وحماية الكيان الصهيوني بما يمثله من كل أوجه الشر في المنطقة بانتهاكاته المستمرة للقانون الدولي، وجرائمه بحق الشعب الفلسطيني، وتكريسه سياسات الفصل العنصري ضد أصحاب الأرض الأصليين، ويؤكد أيضا على دعمها لأنظمة شرق أوسطية لا تتورع هي الأخرى في انتهاك كافة حقوق مواطنيها.
وزادت: في وقت تتعالى فيه أصوات الأحرار من كل أنحاء العالم بالتضامن مع الشعب الفلسطيني وتتزايد فيه دعوات عزل إسرائيل ومقاطعتها اقتصاديا وعسكريا، وتتنامى فيه حركات المقاطعة الفنية والثقافية والرياضية حول العالم، وقف الأحمق يتفاخر بقرار الإدارة الأمريكية بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ويشيد بالدور الذي باتت تلعبه أنظمة التفريط والعمالة العربية لترويج التطبيع ومحاولاتها الفاشلة لتمريره إلى مستويات شعبية ما زالت على عهد المقاومة والمقاطعة.
سياسيون وإعلاميون اعتبروا أن حديث بومبيو عن ثورات الربيع العربي، واعتباره مساندة أوباما للثورات الشعبية في ذلك الوقت خطأ فادحا أضر بالمنطقة، رسالة مفادها أن واشنطن تدعم الأنظمة المستبدة ضد أي تحركات شعبية محتملة للحصول على الحرية.
إدارة ترامب
وكتب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية دكتور مصطفى السيد على فيسبوك، أن خطاب مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي في الجامعة الأمريكية في القاهرة يعكس في مكانه ومضمونه الوجه القبيح لإدارة دونالد ترامب.
وأضاف: بدلا من مخاطبة الرأي العام العربي والإسلامي من مؤسسة مصرية هي رمز للتنوير اختار الوزير الأمريكي الجامعة الأمريكية في القاهرة، التي أعتز بالعمل فيها إلى جانب عملي الأساسي في جامعة القاهرة، ولكونها رمز للوجود الثقافي الأمريكي في الشرق الأوسط، وبدلا من مناصرة تطلعات الشعوب العربية والمسلمة لاحترام حقوق الإنسان، وعد بمساعدة حكومات الدول التي تنكر هذه الحقوق، وبدلا من الاعتذار عن سياسة حكومته التي تساند الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية وفلسطينية، لم ينطق بكلمة واحدة عن حقوق الشعب الفلسطيني، وبكل صلافة دعا حكومات المنطقة إلى أن تساند سياسات حكومته في عقاب الشعب الإيراني ومكافحة الجماعات الإرهابية التي ساهمت حكومته في نشأتها وحمايتها.
وزاد: ماذا نتوقع من إدارة بادرت منذ أيامها الأولى بإعلان عدائها للمسلمين ولكل من لا ينتمي للجنس الأبيض، بمن في ذلك أمريكيون؟
محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية المصري السابق، حذر من زيارة وزير الخارجية الأمريكي لمصر وحديثه عن الإسلام المتطرف.
وقال في تغريدة له على صفحته الرسمية على تويتر: “إذا كانت الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط كما وردت على لسان وزير خارجيتها، تقتصر على مواجهة الإسلام المتطرف وإيران وضمان أمن اسرائيل والتفاخر بنقل السفارة إلى القدس دون أي اشارة إلى آمال وتطلعات الشعوب في الحرية والكرامة، فالرسالة واضحة”.
واختتم تغريدته بقوله: “علينا أن نعتمد على أنفسنا وأنفسنا فقط”.
الأنظمة المستبدة
الكاتب الصحافي أنور الهواري علق على الخطاب وكتب على فيسبوك: “المشكلة الكبيرة ليست في خطاب وزير الخارجية الأمريكي، المشكلة الحقيقية إذا قرر الحكام في المنطقة العربية اتخاذ سياسات طويلة المدى تأسيساً على ما ورد في الخطاب”.
وأضاف: “هذا خطاب نصفه أكاذيب خاصة ما يتعلق بأن أمريكا قوة خير وسلام، وهذا الكلام الفارغ، لكنه رغم ذلك مهم من ناحيتين على الأقل، الأولى، تتمثل في إهالة التراب على سياسة أوباما التي انتهت بصعود الإخوان إلى حكم مصر، والثانية تؤكد على أن الدولة الوطنية حجر الزاوية في النظام العالمي”.
وزاد: “بذلك غير مسموح على الإطلاق، إسقاط الأنظمة عبر الثورات، وخلق فراغ سياسي أو فوضى، مهما تكن الأسباب، وتستطيع أن تقول أن هذا الخطاب هو النقيض الكامل لخطاب أوباما في جامعة القاهرة عام 2009”.
الإعلامي حافظ الميرازي، علق هو الآخر على خطاب بومبيو وكتب على فيسبوك: “من غير الإنصاف المقارنة بين خطاب رئيس أمريكي في مكانة أوباما، وتمثيله شخصيا بلونه وأصل وديانة والده، لأفضل ما لدى أمريكا من تعددية صادقة، وبين وزير خارجية مثل بومبيو ينتمي لليمين التبشيري المسيحي، غير القابل للآخر، وكان اختيار ترامب له لمنصبه السابق مديرا للمخابرات لتشدده ضد التشدد الإسلامي وقبوله أساليب انتزاع الاعترافات في معتقل غوانتانامو”.
وزاد: “لا داعي لمقارنة مكان خطاب بومبيو، حتى في القاعة المتواضعة الأقل رونقا من بين باقي قاعات الجامعة الأمريكية، في القاعة التاريخية لجامعة القاهرة التي ألهب فيها أوباما حماس كل ألوان الطيف السياسي المصري في يونيو/ حزيران 2009”.
خطاب رايس
وتابع : “لنهبط بالمقارنة، إلى خطاب ألقته أيضا في الجامعة الأمريكية في القاهرة (ولكن في المقر التاريخي في التحرير وليس القاهرة الجديدة الآن) وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في يونيو/ حزيران 2005 ممثلة رئيسا غير محبوب أيضا، هو جورج بوش (الابن)، لكنه ليس بسوء أو بذاءة لغة ترامب”.
ولفت إلى أن “خطاب رايس تحدثت فيه عن الحريات والتحول الديمقراطي، وقالت لرجال ونساء هذه المنطقة المتطلعين للحرية نقف معكم، مثلما مدحت الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك على تعديل الدستور ليحول اختيار الرئيس من الاستفتاء إلى الانتخابات المتعددة المرشحين، كما تحدثت عن حق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة ضمن حل الدولتين، وهنأتهم على أول انتخابات فلسطينية آنذاك”.
وأوضح أن “مايك بومبيو لم يشر ولو بالكلام الفارغ بكلمة حق إلى الدولتين، بل دافع عن اعتراف رئيسه بالقدس عاصمة لإسرائيل بنقل سفارته اليها، دون أن يوضح لماذا أحجم ثلاثة رؤساء قبله على فعلها، وأوضح بومبيو أنهم أخطأوا في سياستهم مع شعوبنا من قبل، ورأوا مساوئ ما حدث من تغيير، وأنهم الآن مع الدولة كدولة وليس بالتعامل مع الشعوب والتنظيمات أوالائتلافات”.
واختتم: “كل المطلوب أن تُسعدوا بومبيو وترامب من الخليج للمحيط بعزف النشيد الوطني الإسرائيلي في ملاعبكم ومسارحعلى النقيض، جاء موقف مؤيدي نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي مشيدا بما جاء في خطاب الوزير الأمريكي”. النائب طارق الخولي، أمين سر لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، قال إن “خطاب بومبيو في الجامعة الأمريكية في القاهرة، مثل رسالة تحدث فيها إلى الأمة العربية والإسلامية من قلب القاهرة”.
رسائل بومبيو
وكان بومبيو في القاهرة، على مدار يومين، في إطار جولته الشرق أوسطية التي تستمر تسعة أيام، حيث بدأت الثلاثاء الماضي من الأردن، ثم توجه إلى العراق في زيارة غير معلنة، حتى حطت طائرته في مطار القاهرة الدولي في وقت متأخر مساء الأربعاء الماضي. وأعلنت الخارجية الأمريكية أن “الهدف من زيارة بومبيو للشرق الأوسط هو وضع الخطوط العريضة للسياسات الأمريكية حيال المنطقة، بعد التطورات التي حدثت أخيرا، كان أحدثها سحب القوات الأمريكية من سوريا”، موضحة أن “المسؤول الأمريكي سوف يطرح القضايا الإقليمية الحيوية، التي بينها ملف إيران ووضع غزة ومحاربة الإرهاب والتعاون في مجالي الطاقة والاقتصاد”.
وكان بومبيو أشاد في خطابه الذي ألقاه من مقر الجامعة الأمريكية في القاهرة، بالجهود التي يبذلها السيسي لمواجهة التطرف، معربا عن شكره له لـ”شجاعته”.
وبين أن بلاده “تمثل قوة تخدم الخير في الشرق الأوسط”. وهاجم سياسات الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما، قائلا: أمريكا صديقكم القديم كانت غائبة بصورة كبيرة في تلك الفترة لأن قادتنا أخطأوا في قراءة تاريخنا، والحظوظ التاريخية التي صادفت تلك الانتفاضات، وتم التعبير عن سوء الفهم الأساسي في هذه المدينة في عام 2009، وأثر بصورة سلبية على حياة مئات الملايين من شعب مصر وفي جميع أنحاء المنطقة”.
وأضاف “هنا، وفي هذه المدينة بعينها وقف أمريكي آخر يخاطبكم وقال إن إرهاب الإسلام المتطرف لا ينبع من أيديولوجية، وقال إن أهداف الحادي عشر من سبتمبر دفعت بلاده إلى التخلي عن مثلها العليا لا سيما في الشرق الأوسط، وقال إن الولايات المتحدة والعالم الإسلامي بحاجة إلى بداية جديدة وكانت نتائج هذه الأحكام الخاطئة وخيمة”.