«رف اليوم» رواية السعودية نجوى العتيبي: اللغة ومصائر الآليات الشبيهة بالبشر

سارة سليم
حجم الخط
0

ما يميز عملا إبداعيا عن آخر هو قدرة اللغة على احتواء متطلبات الحاضر الذي لا يحتم عليها التجديد فقط، بل الابتكار أيضا، لذا يرى ماريو فارغاس يوسا «أن نتعلم السيطرة على نسيج اللغة ودفقها، يعني أن نتعلم كيف نفكر، وكيف نطور حساسيتنا وخيالنا وفكرنا النقدي»، فاللغة تتجاوز كونها وسيلة للتعبير عما نريد قوله فهي: «ليست أداة نستعملها، بل هي المادة التي نحن مصنوعون منها» كما عبر جاك دريدا.
لذا  نتوقف مليا عند قراءة نص ابتكر لغته الخاصة، فليس من السهل أن يخلق الكاتب مصطلحاته المتفردة في رواية تميل إلى الخيال العلمي والديستوبيا، لكن من زاوية إنسان الحاضر الذي أصبحت التكنولوجيا جزءا من حياته، فعندما تقرأ مصطلح تدوير الأجساد المعلقة، ووحدة إعادة تدوير الأصدقاء القدماء، ومصطلح الجسد يتحدث، خط الإنتاج الجديد للأطفال، وخط إنتاج الوالدين، وعندما تتحول كلمة صديق إلى منتج صديق والإنترنت إلى إنترنت الجسد والحدس إلى حدس الآلة، والماء إلى الماء الرقمي، واللغة إلى لغة آلية، والحيوان إلى إنتاج حيوان، والنبات إلى إنتاج نبات فتأكد أنك تقرأ رواية «رف اليوم» أول أعمال الكاتبة السعودية نجوى العتيبي. هذا العمل يعتمد كما ذكرت سابقا على لغته الخاصة في وصف شخصية آلية شبيهة بالبشر، ترتكب الأخطاء لأنها تعاني من خلل جسدي أدى بالضرورة إلى نقص لغوي وثقافي، وهذا ما جعل الكاتبة تستخدم لغة تناسب حالة الشخصية التي لا تستمتع بالموسيقى ولا تفهم النكات، ولا تمتلك المقدرة على استيعاب التراث، كما أنها لا تستطيع تعلم لغة جديدة. وربما للسبب ذاته قسمت الرواية بين الزمن الرقمي الواقعي وزمن الأحلام المستحضر سرديا من خلال الذاكرة الحية، فالعقل الباطن على حد تعبير كالفينو «هو مقر لما لا يمكن قوله، ولما لفظته اللغة وطردته، ولما تم حذفه وجرت إزالته نتيجة لتحريم أو حظر قديم. العقل الباطن قادر على الكلام، ولكن من خلال الأحلام، وزلاّت اللسان، وتوارد الخواطر الفجائي، وبالكلمات المستعارة، وبالرموز المسروقة».
وفيما يخص اللغة وعلاقتها بالأمراض النفسية والتشوهات التي تصيب الإنسان، ترى كريستينا رودا أن في «هذا النوع من المرض الذهني النفسي العاصف تظهر اللغة كسبب من الأسباب الرئيسة التي تجعل مجرى حالتها بهذه الحدة من القلق والاضطراب»، وما قالته رودا ينطبق تماما على شخصية بطل رواية «رف اليوم» مع الأخذ بعين الاعتبار أنه شبيه بالبشر. ويبدو أن الكاتبة تعمدت استخدام ذلك ليس للحديث عن أثر التكنولوجيا في عالمنا المعاصر، بل حاولت أن تحلل روائيا نفسية إنسان اليوم الذي أصبح شبيها بالآلة، وكأنها أعدت دراسة عن ذلك لتكتب عنه، ما يؤكد أن الرواية بالنسبة لها ليست قصة تكتبها كيفما اتفق بل مشروعا قائما على البحث والترتيب استجابة لما يقتضيه السرد الروائي، فلكل نص منطقه الخاص الذي يُبنى عليه، وأي خلل يهدم ذلك البناء حتى وإن كان الموضوع جيدا، فنحن في الأخير نريد أن نقرأ الأدب من زاوية الأدب، لا مواضيع يمكن أن نصل إليها بكبسة زر.
قد يشبه بعض من قرأ رواية «رف اليوم» بكتابات ألدوس هكسلي وجورج أورويل، وقد يسترجع البعض الآخر روايات أخرى قرأها، لربما يصح هذا الاعتقاد إلى حد ما، لذا قال أندريه جيد في ما معناه أننا «نعيد ما كتبه الذي سبقونا» وطبعا ليس المقصود بالإعادة التناص أو التشابه، بل المقصود أنه لا يمكن للإنسان الخروج عن نسق الأفكار واللغة البشرية التي ستظل تعبر عن الأشياء ذاتها رغم الفروقات التي قد تطرأ عليها في كل زمان ومكان، لكن. في رواية «رف اليوم» الأمر مختلف تماماً فلغة العتيبي مختلفة، غريبة إذ تبدو اللغة تلك «الحافة التي نطلُّ منها على عالم باهت» كما عبر تيري إيغلتون. فأفكارها مرعبة وحقيقية تلك الحقيقة التي لا نستطيع استيعابها حين نتعثر بها روائيا، لكنها في الواقع حقيقية أكثر من الحقيقة المتعارف عليها.
يقول الروائي البلغاري غيورغي غوسبودينوف: «لا أعرف كم من الموت يغفو تحت اللغة»، ووصفه هذا يؤكد أن للغة قدرتها العجيبة على استنطاق ما تريد، وفي رواية «رف اليوم» يتجسد الموت من خلال اللغة، تتساءل: «هل هذا هو الموت؟ شعرتُ بعيني تتوهان في البياض مجددا، وشعرت بأنني أطفو بلا ثقل وبلا إحساس بجسدي». وتعيد طرح التساؤلات مجددا: «ما الذي يعنيه ذلك المسمى موتا؟ أيمكن أن يختفي الناس ببساطة هكذا بعد أن يموتوا؟».
وانطلاقا من فكرة الموت تقترب الرواية من الفقدان وما تحيل إليه كلمة «أمّ» من معاني صادقة لا تؤثر فيها لا التكنولوجيا ولا الزمن، فحتى الإنسان شبيه الآلة يتألم حين يفقد أمه، فوحدها الأم تظل العامل الحقيقي حين تتوحش الأشياء من حولنا، تقول: «في المساء، حين ذهبوا لإيقاظها وجدوها هي الأخرى قد رحلت، لقد رحلت بسلام مثل أبي، وشعرت بأنني مفقود، وألا رف بعد اليوم يمكن أن يلبي احتياجاتي، لا رف يحوي ما أفقده».
لم تتوقف الرواية عند هذا الحد من تلك العلاقات التي عرفت الكاتبة كيف تنسج تفاصيلها بدقة، بل ذهبت بعيدا في ما أسمته «إنتاج النبات»، حين شبهت النبتة بالمرأة، فتقول: «كان على رف اليوم نبتة لأول مرة أشاهد جمالا كجمالها، نبتة ممشوقة القوام على شكل جسد أنثى شهي جدا، تتفتح في أماكن أنوثتها الأزهار البديعة».
ثم راحت تنبش في تلك العلاقة التي تنسج بين النبات والإنسان، وعلى لسان الراوي تقول: «لقد صرت أعامل الأشياء بحنان منذ أن ماتت نبتة مفضلة لي ذات مرة»، وتضيف: «لا أعلم ما الذي حدث حين احتضنتني بقوة ودفعتها بإصبعي عن رقبتي، لقد تراجعت في حوضها حزينة جدا ثم ذوت سريعا وانكمشت على نفسها واسودت بسرعة»، ثم بشيء من الحزن الذي تشعر معه بالخوف تقول: «لقد حاولت أن ألمسها وأربت عليها لتنتعش، لكنها لم تتجاوب معي، فشعرتُ أنها ماتت حزنا بسبب مضايقتي لها، وقد ترك حزنها على ذينك الإصبعين علامتي حرق موضعي لم يزل منهما إلا بعد أيام.»
هكذا هي رواية «رف اليوم» التي لم يمر علي فيما قرأت عربيا، بعد رواية «قلب الملاك الآلي» للكاتبة الجزائرية ربيعة الجلطي، رواية بطلها نصف إنسان آلي إلاّ هذه الرواية، وطبعا الروايتان تختلفان عن بعضهما، فرواية الجلطي الصادرة عام 2019 تحكي عن مانويلا المرأة الآلية التي زودتها العالمة أسيان بقلب ورحم لتتيح  لها فرصة كتاب عن البشر وتحديدا عن زعيم الدولة الإيمانية المسمى بالخليفة البغدادي، لتطرق ربيعة جلطي بطريقتها الخاصة مواضيع شتى. وهذا في حد ذاته يعد أمرا جيدا كون الموضوع غير دارج في الكتابات العربية، كما أن رواية نجوى العتيبي لا تعيدنا إلى قراءات سابقة بالضرورة، ولكنها تقربنا من عالم اليوم بكل التحولات التي طرأت عليه والتي استلزمت رؤية جديدة لهذه المتغيرات من زاوية الآلة وعلاقة الإنسان بها، وذلك من خلال رواية مقتصدة تميل إلى الرقمية والذكاء الآلي وانعكاساتهما على أسلوب الدولة مع المعارضة، وما ترتب عن ذلك.
أعتقد أن لكل قارئ زاوية معينة يشعر أنها الأقدر على تأويل أفكاره التي خرج بها من عمل ما دون غيره، بعيدا عن شرحه بلغة يفهمها الجميع. لذا أردت أن أتحدث عن «رف اليوم» من زاوية اللغة، التي تميزها عن غيرها، فحتى تشبيهاتها من داخل الرواية ذاتها وليست غريبة عنها، ما يؤكد أن الكتابة ليست فقط موضوعا وقصة، بل أيضا كيف نخترع لغة تقترب من حقيقة الأشياء من حولنا. لذا يقول باربارت كاسان: «الفلاسفة يلمسون اللغة بقدر ما يلمسون الحقيقة»، وأعتقد أن الكتّاب أيضا يلمسون اللغة بقدر ما يلمسون الحقيقة، لذا لمست الرواية حقيقة إنسان اليوم الذي فقد جزءا كبيرا منه وأصبح شبيها بالآلة.
فبقدر ما تجعلنا «رف اليوم» نُصاب بالذعر والخوف من فقدان أقرب الناس لنا، بقدر ما تحرك الأسئلة داخلنا إذ نسائل أنفسنا عن علاقتنا بكل ما يحيط بنا، فهي من نوع الروايات التي تجدد رؤيتك لعلاقاتك وتعاملك مع الأشياء حولك وكأنها تقول أن إنسان اليوم لم يعد شبيها بالآلة فحسب، بل تجاوزها في سرعة وشدة تخلصه من الأشياء إلى كائن آخر يجمع النقيضين. فبطل الرواية لا هو إنسان ولا هو آلة، ولكنه في حقيقة الأمر تجسيد صادق لإنسان الآن، وهذا برأيي هدف الأدب الجيد فإن لم يجعلنا نستقرأه في الواقع فهو ليس أدبا بالمعنى الأصدق للكلمة.

نجوى العتيبي: «رف اليوم»
دار أثر، الدمام 2022
112 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية