بين محنة كورونا ومتاعب الأزمات الاقتصادية
تونس-“القدس العربي”: يأتي شهر رمضان هذا العام في منطقة المغرب العربي في ظرف استثنائي عالمي لم تعش البشرية جمعاء مثيلا له ويتمثل في التجند لمحاربة فيروس كورونا من خلال جملة من الإجراءات أهمها الحجر الصحي ومنع التجول. كما يأتي رمضان في ظل ضائقة مالية تعاني منها أعداد كبيرة من الأسر المغاربية نتيجة لتوقف مختلف الأنشطة بسبب الحجر الصحي الإجباري الذي فرض على الشعوب أن تلازم بيوتها وتقلل ما أمكن من الخروج خوفا من انتشار هذا الوباء.
لم تعد الشوارع تكتظ بالساهرين ليلا، والمقاهي التي تزدحم بضحكات روادها اختفت هذا العام، إلى جانب الأجواء الرمضانية الخاصة التي لطالما طبعت هذا الشهر الفضيل بخصوصيتها. وحدها مآذن المساجد التي تبث التلاوات القرآنية تكسر سكون هذه الليالي الرمضانية التي تحمل معها مناجاة البشرية وآمالها بالخروج من هذه المحنة العالمية بأسرع وقت وأقل الأضرار.
شهر رمضان في هذه الدول، وبالنسبة إلى البعض، هو شهر العبادات والتردد على المساجد للصلاة والتهجد وحضور المسامرات الدينية والتزاور بين الأهل والأحبة وصلة الرحم خصوصا بعد الإفطار. وهو للبعض الآخر مناسبة للترويح عن النفس في المقاهي والمهرجانات ودور العرض والاستمتاع بالفن وعقد الندوات الفكرية والسياسية والاجتماعات الحزبية والجمعياتية بعد يوم شاق من الصوم والعمل، وبالتالي فهو شهر التجمعات واللقاءات المستمرة التي يمكن أن تساهم في ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا.
ولعل السؤال الذي يطرح هو كيف ستتصرف الشعوب المغاربية التي اعتادت على التجمع واللقاء خلال شهر رمضان في ظل الخوف من انتشار فيروس كورونا؟ هل ستضطر للتخلي عن عاداتها وتقاليدها الموروثة أم أنه سيتم التخفيف من هذه التجمعات فحسب؟ وهل تجاوزت هذه البلدان مرحلة الخطر أم أن الأمر رهين مواصلتها للانضباط والتقيد بالحجر الصحي؟ وهل لدى هذه البلدان الامكانيات الكافية للتصدي للكارثة في حال عادت الحياة إلى نسقها الطبيعي وانتشرت العدوى على نطاق واسع مثلما حصل في أوروبا؟ وماذا ستفعل الشعوب المغاربية مع النسق الاستهلاكي المرتفع خلال شهر رمضان في ظل هذه الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الانقطاع عن العمل نتيجة الحجر الصحي للوقاية من فيروس كورونا؟
الرفع التدريجي
بدأت بعض الأصوات، من رجال الأعمال وأصحاب المصالح، تنادي في تونس للرفع التدريجي للحجر الصحي خلال شهر رمضان خدمة لمصالحها وهو ما يبدو أن الحكومة تريد الذهاب فيه قدما، ويبدو ذلك جليا من القرارات الأخيرة التي تم اتخاذها والتي أعلن عنها رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ والمتمثلة في التمديد في فترة الحجر الصحي العام في البلاد إلى غاية يوم 03 آيار/مايو. كما سيتم انطلاقا من يوم 4 آيار/مايو المقبل الدخول في مرحلة الحجر الصحّي الموجه، أي رفع الحجر تدريجيا وتخفيض ساعات الحظر ليلا خلال رمضان، لينطلق على الساعة الثامنة مساء إلى السادسة صباحا.
ولعل ما يؤكد هذا التوجه أيضا هي تصريحات الفخفاخ حول الوضع العام في البلاد بشأن جائحة كورونا، والتي اعتبر فيها أنه يسير في الاتجاه الصحيح، معترفا بوجود التجاوزات أو النقائص. واعتبر البعض أن هذه التصريحات لا تنبئ بالخير، وأن الوضع يقتضي المزيد من الحذر والحيطة والاستمرار في الحجر وعدم الاستجابة للضغوط خاصة أن التجمعات خلال شهر رمضان ستحصل في كل الأحوال مهما أحكمت الدولة قبضتها وستزيد من سرعة انتشار الفيروس.
فالتونسيون من عشاق التسوق والفضاءات التجارية الكبرى والسهر والسمر في رمضان وفي غير رمضان، ومنعهم هذا العام من أداء صلاة التراويح وارتياد المقاهي والمهرجانات الفنية التي تقام بمناسبة رمضان مثل مهرجان المدينة، سيجعلهم يبحثون عن طرق بديلة. وفي هذا الإطار يخشى بالفعل من كسر حظر التجول ليلا من قبل هذا الشعب الذي اعتاد على العيش في أجواء خاصة واستثنائية خلال هذا الشهر الفضيل بشهادة من زار البلد خلاله من غير التونسيين.
وبالنظر إلى أجواء رمضان الرائعة في تونس فإن عددا من أبناء الجاليات التونسية في الخارج يعودون إلى أرض الوطن للتمتع بدفء الأهل والأحبة من جهة وبالطابع الاحتفالي الذي يطغى على البلد طيلة أيام رمضان. لكنهم سيحرمون هذا العام من قضاء رمضان في بلادهم بسبب الأوضاع الاستثنائية التي يمر بها العالم وتوقف حركة الطيران وإغلاق المطارات.
ومن المؤكد أن شريحة من التونسيين لن تستطيع أن توفر مستلزمات شهر رمضان من أكل ومؤونة ومصاريف ملابس وحلويات العيد بالنظر لتدهور القدرة الشرائية بعد الثورة والتي زادت أزمة كورونا طينها بلة، بعد أن توقفت مهن كثيرة عن النشاط. لكن البعض يؤكد على أن الحالة ستكون عامة بالنسبة إلى العيد ولن يتمكن جل التونسيين من اقتناء ملابس العيد لأن فتح المحلات التي تبيع الملابس والحلويات سواء ليلا أو نهارا مثلما جرت العادة سيساهم في حصول التجمعات ويزداد خطر الإصابة بكورونا.
ربما ستغيب التهاني المباشرة بالعيد بين الأهل والأحباء، والتي اعتاد عليها التونسيون لأن التخاطب من مسافات قريبة يضاعف من خطر الإصابة بالوباء. لذلك اكتفى عديد التونسيين بتهنئة بعضهم البعض بالتليفونات أو بالتخاطب عن بعد أو بمواقع التواصل الاجتماعي التي بدت وكأنها المتنفس الوحيد للكثيرين خلال فترة الحجر الصحي. إذ امتلأت صفحات فيسبوك بين ليلة وضحاها بآلاف القناديل الرمضانية المضيئة التي تناقلها رواد الإنترنت، لكنها لا تستطيع ان تعوض القناديل الحقيقية وزينة رمضان التي غابت هذا العام عن شوارع تونس.
عين على الحراك
وفي الجزائر لا يبدو الوضع أحسن حالا، فالجزائريون استقبلوا رمضان بإجراءات استثنائية مع عزل صحي عام سيستمر فيها مبدئيا إلى يوم 4 آيار/مايو وذلك من الثامنة ليلا إلى الثامنة صباحا مع امكانية العودة إلى النظام العادي في بعض القطاعات الحيوية التي لم يقع تحديدها بعد، ولا بد أن يتم الأمر بالنظر إلى حاجيات المواطن في شهر رمضان. كما تم الحسم في منع صلاة التراويح والمواصلة في قرار منع صلاة الجماعة وكل التجمعات مهما كانت وسيستمر هذا الأمر إلى ما بعد شهر رمضان على ما يبدو رغم رغبة الجزائريين في الإقبال على المساجد في هذا الشهر الكريم بحثا عن الأجواء الروحية. لذلك حاولت العديد من ربات المنازل خلق أجواء خاصة من خلال المبادرة إلى إقامة ركن رمضاني فيه زينة خاصة بالشهر الفضيل مع وضع التمر الذي لا يغيب عن طاولة الإفطار كل يوم. وتقول فتحية قرعلي أستاذة ثانوية من الجزائر لـ”القدس العربي” إنها حاولت خلال هذا العام نقل أجواء رمضان إلى المنزل من خلال تخصيص ركن للصلاة وقراءة القرآن مزين بالقناديل الرمضانية وبعض التحف التقليدية التي تنقلنا إلى الماضي بأصالته وعراقته”. فالتحضيرات الرمضانية لم تتغير بالنسبة للذين حاولوا نقل الأجواء الرمضانية إلى المنازل لكي تبقى روح الشهر الكريم حاضرة مهما كانت الظروف ومهما باعدت كورونا بين العائلات.
ويشار إلى أن تواصل منع كل التجمعات إلى ما بعد شهر رمضان سببه ليس الخشية فقط من الوباء وإنما من الوضع العام في الشارع الجزائري المنتفض منذ مدة مطالبا بالإصلاح. فالسلطات يبدو أن لديها الرغبة في استباق الأحداث وضبط الأمور سلفا لأن هناك تحضيرات كبيرة من قبل جماعة الحراك للعودة إلى الشارع، فلولا كورونا لاستمرت المطالبات في شوارع الجزائر بالمزيد من الإصلاحات.
وباستثناء سكان مدينة أو مدينتين لا يبدو أن مواطني باقي مدن الجزائر معتادين على السهر في رمضان وذلك لعدم توفر أماكن الترفيه والأنشطة الفنية والمهرجانات في بلد ما زال لم يتخلص بعد من التأثيرات النفسية السيئة التي تسببت فيها العشرية السوداء لعقد التسعينيات، وبالتالي لا يبدو أن الحجر الليلي سيزعج كثيرا عموم الشعب باستثناء صلاة التراويح التي لها مريدوها وأجواؤها الروحية التي سيفتقدها عدد هام من الجزائريين والمغاربيين عموما وحتى صلوات الجماعة وخطبة الجمعة.
وقد يضطر الجزائريون كما التونسيين إلى صنع حلويات العيد هذا العام في البيوت خشية من انتقال الفيروس مما يباع في الخارج خاصة وأن المتداول أنه سيقع الترخيص لصناع الحلويات للعمل لتغطية حاجيات المواطنين لرمضان والعيد. وسيضطرون أيضا للمعايدة عن بعد تطبيقا لقواعد الوقاية من فيروس كورونا من دون المصافحة والعناق والقبل بين أفراد العائلة الواحدة.
تهاني افتراضية
ويشهد المغاربة هذا العام رمضانا مختلفا عما كان سائدا حيث لم يحصل الإقبال على الأسواق على غير العادة باعتبار أن المحلات المخصصة لبيع الملابس والمواد الاستهلاكية مغلقة أو تكاد. كما يخلو رمضان المغربي هذا العام من صلاة التراويح التي لها نكهة خاصة على غرار سائر البلدان المغاربية التي لا يتصور فيها رمضان من دون هذه الصلاة التي تعمر بها المساجد.
أما التهاني بالشهر الفضيل فهي افتراضية وغاب عنها اللقاء المباشر ويبدو أن الأمر سيشمل تهاني العيد أيضا باعتبار أن التوقعات تفيد استمرار خطر الفيروس إلى نهاية رمضان. وتعاني عائلات مغربية عديدة من قلة ذات اليد جراء الإجراءات المفروضة لمحاصرة فيروس كورونا وهو ما أثر سلبًا على استعدادها لرمضان وسيؤثر سلبا على استعدادها للعيد وذلك رغم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المغربية وأهمها تقديم المساعدات المالية للعائلات الفقيرة ومحدودة الدخل.
ليبيا بين الحرب وكورونا
وليبيا التي تعيش حربا أهلية داخلية إضافة إلى الحرب على كورونا، يبدو أن شعبها اعتاد في السنوات الأخيرة على الظروف الاستثنائية خلال شهر رمضان وعلى غلق مختلف المرافق خلال فترات طويلة من العام. ويشكك البعض في صحة الأرقام التي تقدم بشأن العدد المحدود جدا من الإصابات بفيروس كورونا ويرجعونه إلى انقسام البلد وعدم وجود سلطات صحية موحدة قادرة على تقديم أرقام دقيقة، بالإضافة إلى قلة التحاليل الحاصلة للتعرف على العدد الحقيقي للإصابات.
ويشار إلى أنه أعلن رسميا في ليبيا عن استمرار حظر التجوال في شهر رمضان من الساعة السادسة مساءً إلى الساعة السابعة صباحاً وسيتواصل غلق المدارس والحضانات والجامعات والمساجد ومحال الحلاقة والمقاهي وقاعات الأفراح وغيرها. ويعني هذا ضمنيا غياب التراويح وصلاة الجماعة فيما يبدو أن الليبيين سيقضون الوقت بالإضافة إلى العبادات في اقتناء المواد الغذائية ومشاهدة التلفزيون والإبحار في مواقع الإنترنت.
كما قررت موريتانيا التخفيف من حظر التجول خلال شهر رمضان بسبب عدم تسجيل البلاد لحالات إصابة جديدة بكورونا منذ أيام مع تأكيد سلطات نواكشوط ان خطر انتشار الوباء ما زال قائما إذا لم يلتزم المواطنون بالإجراءات الوقائية. وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف والتي لم تسجل فيها أي إصابة بالفيروس شأنها شأن المناطق التي تسيطر عليها البوليساريو في الصحراء الغربية، أمنت الجزائر وصول المساعدات الإنسانية الخاصة بمؤونة رمضان.
اقتباس
ستغيب التهاني المباشرة بالعيد بين الأهل والأحباب