رواد في الإخراج التلفزيوني وضيوف شرف على شاشة السينما

إذا كان مُخرجو السينما هم الأشهر والأكثر حظاً في الحصول على الجوائز ومزايا السفر والمهرجانات، فإن هناك صنفا آخر من صُناع الدراما ومُبدعيها وأصحاب الخبرات في فن إخراج الفيلم التلفزيوني، فهؤلاء لم يركضوا وراء المُنتجين في ساحة السينما، واكتفوا بما كان يُتاح أحياناً من فرص قليلة لإنتاج فيلم تلفزيوني كل عام أو عامين.
ورغم نُدرة الإنتاج وضعف الدعاية وعوائق الرقابة ومُشكلات الروتين الحكومي التي لا تنتهي، استطاعت بعض الأسماء أن تخلق لنفسها حيزاً واسعاً على الساحة الفنية وتنافس بقوة في المجال الإبداعي مُعتمدة على قُدراتها الذاتية وبعض ما تيسر من تسهيلات محدودة للغاية في إنجاز أعمالهم المهمة ذات القيمة الموضوعية والفنية. وقد تطول نسبياً قائمة المخرجين التلفزيونيين المتميزين، لكننا سنحاول إلقاء الضوء على أشهر الأسماء المعروفة جماهيرياً، التي ارتبطت أعمالهم بمشكلات وقضايا المواطنين المصريين الاجتماعية والعائلية والإنسانية، وقد تفرض عملية استعراض الأسماء والأعمال أولويات معينه للترتيب، تتأثر بلا شك بحجم إبداع كل مخرج وعدد الأفلام التلفزيونية والمُسلسلات الدرامية التي قدمها ومدى تفاعل الجمهور معها، فالرصيد الفني المُدخر لكل مُخرج يتحدد وفق هذه الآلية، حسب معايير التوثيق والبحث.
ولعلنا نذكر في هذا المقام المخرج الأشهر نور الدمرداش الذي يُعد أستاذاً لجيل كامل من كبار المخرجين الذين يُشار إليهم بالبنان في مجال صناعة الدراما والأفلام التلفزيونية، فقد شارك المخرج، كممثل في عدد من الأعمال السينمائية القليلة، ربما يأتي في مقدمتها فيلم «صغيرة على الحُب» بطولة سعاد حسني ورشدي أباظة، فضلاً عن قيامه بأدوار تلفزيونية عديدة أدى نجاحها إلى ذيوع صيته وشهرته، فانعكس ذلك على مشواره كمخرج، حيث اتسمت أعماله بالرصانة، وتميزت رؤاه الإخراجية بالموضوعية والواقعية إلى حد كبير.
ومن أشهر ما قدمه المخرج الكبير في فترة السبعينيات المسلسل التاريخي «على باب زويلة» الذي صور حال مصر في فترة حُكم المماليك ورغبة التتار في السيطرة على العالم والصراع بين المماليك والعثمانيين وإعدام طومانباي على باب زويلة، إلى آخر الأحداث التي حظيت في حينها باهتمام جماهيري كبير. كما كان لنور الدمرداش أعمال أخرى على قدر كبير من الجودة منها مسلسل «لا يا ابنتي العزيزة» ومسلسل «الدخيل» و«السبنسة» و«السقوط في بئر سبع» والفيلم التلفزيوني «السرداب» وفيلم «بصمات على الطريق» وغير ذلك الكثير ما يجعله جديراً بلقب أستاذ الدراما التلفزيونية.

أما المخرج يحيى العلمي فهو المُتربع على عرش هذا اللون الفني المهم، حيث يجمع العلمي باقتدار بين القُدرة الفائقة على إخراج المُسلسل والفيلم التلفزيوني، على حد سواء، وله في هذا المضمار تجارب كثيرة تجعله خارج المنافسة، فيكفيه على سبيل المثال مسلسل «الأيام» لعميد الأدب العربي طه حسين، الذي يقدم السيرة الذاتية للأديب طه حسين، كما أن من أشهر ما قدم العلمي أيضاً مسلسل «لا» ليحيى الفخراني، وهو المأخوذ عن قصة الصحافي مصطفى أمين، ومسلسل «دموع في عيون وقحة» لعادل إمام و«رأفت الهجان» لمحمود عبد العزيز، وهما مسلسلان كبيران فناً وإنتاجاً عن المخابرات المصرية في فترة الخمسينيات والستينيات.
كذلك أبدع العلمي عدداً من الأفلام التلفزيونية الشهيرة من بينها «طائر الليل الحزين» لمحمود مرسي وعادل أدهم وشويكار، بخلاف فيلمه المهم «خائفة من شيء ما» لنجوى إبراهيم وعزت العلايلي ورشدي أباظة وفيلم «خليل بعد التعديل» لمحمود عبد العزيز وليلي علوي. وتبلغ حصيلة أفلام العلمي نحو ثلاثين فيلماً، وقد شكل مع مُبدعي جيله من المخرجين يوسف مرزوق وحمادة عبد الوهاب ومحمد فاضل العديد من الرؤى الفنية لكثير من المُشكلات والقضايا الاجتماعية والسياسية.
أما المخرج محمد فاضل، فهو من بين المُخرجين الذين جمعوا أيضاً بين الإخراج الدرامي للمُسلسلات والإخراج الخاص بالأفلام، وله في ذلك ما يُمكن اعتباره دروساً في فن التكنيك والتصوير والعمل الإخراجي، ولفاضل رصيد وفير من المُسلسلات، كـ«الراية البيضاء» و«ربيع الغضب» و«ليلة القبض على فاطمة» و«للعدالة وجوه كثيرة» و«عصفور النار» و«رحلة السيد أبو العلا البشري» و«أحلام الفتى الطائر» و«النوة» و«قال البحر» و«الشارع الجديد» و«ما زال النيل يجري» و«العائلة». وعلى مستوى الأفلام التلفزيونية قدم فيلم «حُب في الزنزانة» وفيلم «طالع النخل» و«ناصر 56» و «كوكب الشرق» ورغم قلة الأفلام مقارنة بالمسلسلات إلا أن إبداعه النوعي شديد التميز وله مذاق خاص يليق باسمه.
وللمخرجات أيضاً نصيب إبداعي فارق يستلزم الإشارة والتفنيد، خاصة ما يتصل منه بالمخرجة إنعام محمد علي التي أبدعت العديد من المُسلسلات كـ«أم كلثوم» و«ضمير أبله حكمت» و«قصة الأمس» و«قاسم أمين» غير أنها تميزت تميزاً ملحوظاً في الأفلام، حيث أنجزت «الطريق إلى إيلات» و«حكايات الغريب» و«صائد الأحلام». ولأعمال المخرجة إنعام محمد علي طابع إنساني ووطني واضح، فهي لا تؤمن بسياسة الكم في الإبداع التلفزيوني أو السينمائي، لكنها تحرص بشكل كبير على القيمة الموضوعية وتعتبرها الرصيد الحقيقي للمخرج لدى جمهوره، فمن خلالها يتحدد المستوى وتظهر الفروق الفردية بين مخرج وآخر.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية