رواية «أُنشودة الميلاد الأخير»: الذهاب إلى الأسطورة

حجم الخط
0

مورست فعالية التماس مع الأساطير عبر نصوص روائية وقصصية وشعرية، وباختلاف صيرورة النص ونشاطه الذاتي، المرتبط بكينونة محمولات الكاتب من هذا النبع الثر، حيث تحول النص عند بعض الكتاب إلى فسيفساء نصية جاذبة ومفيدة على صعيد المعنى الذي يعتمد الإضافة، بما يمتلكه من قدرة على الإزاحة والتصرف بطبيعة النص الأُسطوري، بعد وعي دلالاته ضمن حقل إنتاجه في زمانه ومكانه.
إن أي نص أُسطوري، محكوم بنظام ذاتي وموضوعي. وهو ما عمّق قدرته على التأثير الباعث على الاستدعاء والتماثل مع نص حديث، إضافة إلى كونه قناعاً فنياً.
إن الإضافة التي تقدمها الأُسطورة كونها تمتلك نظاما ذاتيا خلقه العقل الإنساني في التاريخ القديم، ومن خلاله استطاع أن يُسيطر على الحياة، بما فيها خلق المعتقدات الميثولوجية الخاصة برموز الآلهة، ونظام الكون. فلا غرابة أن يتم استدعاء مثل هذه المعرفة لإعانة النص مهما كان جنسه على النهوض الذاتي والموضوعي، بما فيه الجمالي.
في رواية «أُنشودة الميلاد الأخير» للكاتب الشاب زيد الروضان، نعثر على مثل هذه الممارسات، حيث اعتمد على أُسطورة (كيوبيد) متحولاً خلالها إلى متن الواقع، متمثلاً النتائج التي حصلت على حياة (هنري) الذي تماثلت سيرته وفق مقولة العجوز المتنبئة بمجريات حياته، فالحسنة الرئيسية في النص، كونه لم يفرض مجريات الأُسطورة الأُم على النص، بقدر ما اهتم بالتسلسل الموضوعي لحياة نماذجه، إذ حاول تفكيك نسيج الأسطورة لكي تكون خير عون لمعالجة مجريات المصائر التي حصلت على نماذجه، خاصة النموذج الرئيسي (هنري) الذي كان شاهداً على مصائر الآخرين، مثله مثل نموذج الأسطورة (كيوبيد). إن التلاعب بمحتوى الأسطورة هو التوظيف الأمثل للحكايات والأساطير والخرافات، ضمن مداورات النص. فالمنتج للنص لا تعنيه فعالية إعادة مجريات النص المستدعى، بقدر ما يهمه مقدار التأثير والتماثل بين سياق المستدعى والواقع المُعاش. ولعل الكاتب حاول ذلك بعد أن تمرى بالأسطورة كمحتوى ومؤثر في نسق التحذير الذي واجهه (لا تمتلك الخيار هنا، عليك أن تقدر هذا الحب، إن لم تفعل ستواجه كيوبيد القبيح وتشرب من كأس عسله المليء بالسم، الذي يغرقك بالسعادة أولاً، قبل أن يقضي عليك جاثياً على ركبتيك وأنت تشاهد عالمك ينهار أمامك). وإزاء هذا التحذير نجده يُعلن عن موقفه المتشبث بالوهم (نعم حان الوقت/حان وقت الرحيل واللحاق بالشمس/سأفرد أجنحتي وأمتطي الهواء/حان وقت رؤيتي لما يقع خلف الأُفق/حان وقت هروبي الكبير، هروبي الجميل، هروبي المتمرد/ها أنا الآن جاهز للركض/ساعياً، باحثاً عن تلك الابتسامة التي ستقتلني/عن ذلك الشيطان الذي سيسلب روحي، ويلقيني في عذاب جميل).
هذه الهواجس متأتية من وعي أسطورة كيوبيد، التي أثّرت كثيراً في حياته المواجهة للإحباط المتوالي. فهو يمتلك حسا قاراً أخذ بوجوده القلق والخوف من تحذير خارج إرادته. إن محاولة الانسلاخ عن مصير كيوبيد ولّد جملة مصائر أنتجها التراكم المرهون بالزمان والمكان. فالتشبع بمناخ الأُسطورة لم يُبعده عن الوقوع في الفخ الأُسطوري، فقد خلق أُسطورته عبر قول حياته المضطربة. في هذا نجحت الرواية كثيراً في خلق وشائج خفية ساقطة على متن النص الجديد. فكلا النصين (الأُسطوري، والواقعي) امتلكا خاصيتيهما بجدارة، لاسيّما أن الذي يهمنا هو نص الرواية، التي اعتمدت عناوين للفصول (أبواب). ومن هذه الأبواب دخل النموذج (هنري) إلى عوالم مجردة، بنت على نولها جملة علاقات رومانسية محبطة. لقد تجاور القلق الذاتي الذي حصل نتيجة تأثره بالأُسطورة الممتزجة بطبيعة الشخصية القلقة، نحو القلق والاضطراب الأسري. وربما كان هذا حاصل تحصيل للقلق العام الذي خلقته المغادرة للمكان، أو الانسلاخ عن الهوية المكانية، باعتبارها تأريخ النموذج. إن المغادرة خلقت له مطبا امتص من مدرة القلق الأم، أي الهاجس الذاتي المشحون بالشك والريبة من الوجود.

حاول المؤلف أن يدوّر الأسطورة ويُسقطها بمهارة على وجود النموذج، ما وضع التلقي في منطقة العقلنة في سيرة الشخصيات، لأنها استلهمت خاصية وجودها من نمط التفكير المشوش لهنري أساساً.

يُسفر الباب الأول عن العلاقة بين ثنائية (هنري/أندريا). وهو فصل استعان كثيراً بالأُسطورة لبناء معماره السردي، بمعنى أفضت الحوارات عن مجرى الأحداث وتطورها، فهي حوارات مركزة ومدروسة، مما حصل تبادل واضح ومقنع بين السرد والحوار. إن العلاقة بينهما ومن طرف (هنري) زئبقية لا تقف عند حال، لكنه يُعلن عن إحساسه الخفي ما أن يعاوده القلق الوجودي الملازم لشخصيته (كم أكره هذا الشيء فيها، كم أكره كل شيء فيها، أوه يا إلهي أنا أكرهها). هذا الإعلان له علاقة جدلية بظاهرة القلق التي توسم شخصيته. فهو يرغب بنموذج مضاد ومعاند، وله مواقف خارج معادلة التسوية الوجودية فـ(أندريا) تبدو أكثر عقلانية في امتلاك أُسلوب التوافق بين اثنين. فهي غير مستسلمة، بقدر ما يؤدي وظيفة تعميق الصلة مع الحبيب الذي سيصبح زوجاً لها. إن قدرية المصائر التي تنتظر حياة (هنري) هي المعادل الموضوعي لقلقه وتشبثه بالخرافة المبنية على نبوءة طارئة. إن بناء الأحداث وفق مقياس هذه العلاقة مدروس، ويسير وفق معادلة الكشف عن خصائص النموذج هذا. إن مسار الأحداث في هذا الباب كشف طبيعة العلاقة القلقة التي خلقها (هنري) دون موقف (أندريا). وبهذا يكون تعمق الخلاف الذي يتصوره مبنيا على وهم واضطراب ذاتي، لذا أجد أن أحداث الرواية مبنية على خلق الدراسة النفسية للنماذج. وهذا ما دفع الكاتب إلى ترك سيادة الحوار دون السرد هو السائد. وقد نجح في هذا كثيراً. أما علاقته مع (أيميلي) فهي كشف عن صلة الأُخوة بينهما، في الوقت نفسه يختفي عنصر الإحساس بالتقارب العاطفي، حتى حين ازداد الخلاف بين (هنري وأدريا) حد القطيعة. كان نموذجا (هنري/أيميلي) قد توارى خلف الحذر والتوجس من الوقوع في الخطأ، الذي سوف يربك العلاقة بينهما، ويقدم لهما خسائر مضافة، خاصة في حياة الثنائية (أيميلي أين أنت/في المنزل /أُريد أن أراك/ما بك عزيزي؟لِم صوتك هكذا؟/أفسدت الأمر هذه المرة). وفي موقف مماثل يكون (هنري) أشد قلقاً (حاضر أيتها الغبية، أكرهك/ابتسمت وقالت وأنا أُحبك يا غبي) إذ لم يُسفر الحوار إلا عن إخفاء للمشاعر والتمنع عن البوح.
في الباب الأول ظهر الخلاف بين (هنري/أندريا) بينما في الباب الثاني كانت محاولات لرأب الصدع بينهما عبر الوسيط (أيميلي) ذات الصلة الحميمة بين الطرفين. غير أن تصميم الأحداث أوجب الكشف عن مشهد وجود (هنري/أيميلي) في غرفة النوم، حيث اكتشفت هذا(أندريا) ما عمّق الخلاف بينهما من جديد، أوصلهما إلى القطيعة النهائية. إن شخصية (هنري) مبنية على القلق الذي أوجبته الصدف المحكومة بعقل يسيطر عليه الشك والريبة من مقبل الأزمنة. إن رياضة العقل تتطلب تعميق النشاط المعرفي الذي يُزيح وهم التصورات، وفق ميزان العقل وفعاليته القادرة على صياغة أُسلوب الحياة. لذا نرى في سيرة (هنري) نوعاً من الوقوع في فخ الشك والتوجس الذي أورثه القلق. من هذا ترتب على حياته النزوع إلى ما يقترب من كارثة التمادي في الخسارة. ولعل ابتعاد (أندريا) وموت (توني) ذي الصلة الحميمة والعميقة في حياته، وصولاً إلى وقوعه في وهم الموت، مما فعّل مسار أُسطورة (كيوبيد) التي أعادت لحياته المصير التراجيدي، بعد أن أوقعته في وهم القلق.
لقد حاول المؤلف أن يدوّر الأسطورة ويُسقطها بمهارة على وجود النموذج، ما وضع التلقي في منطقة العقلنة في سيرة الشخصيات، لأنها استلهمت خاصية وجودها من نمط التفكير المشوش لهنري أساساً. وبهذا تمكن من مركزة المعنى ضمن إطار الخلاص بالخسارة المتعاقبة. من هذا أدركت مصائر الجميع في مصير واحد تجسد في مشهد ضم (هنري) تعبيراً عن التركيز التراجيدي (كان الجو عاصفاً، حملت الرياح زهور المقبرة الحمر اليابسة المائلة إلى السواد، لتلقيها أمام طريق هنري الممتد إلى الشاهد، في وقت كانت أنشودة الميلاد تصدح في أرجاء سليفورد حاملة معها صرخات حنجرة هنري الممزقة حزناً على انطفاء شموع حياته، تلك الأُنشودة التي كانت تبدو وكأنها أنشودة الميلاد الأخيرة). وبعد هذا تحضر عبارة دالة على تدوير الأسطورة باتجاه إغلاق حياة هنري (في يوم من الأيام كنت أهوي ساقطاً في الحب، واليوم أنا أهوي ساقطاً في الهاوية).

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية