يعلم الروائيون، ولا يخفي بعضهم ذلك عن قارئه داخل الرواية نفسها، أنّ هناك أبطالاً مستترين أو بطلاً بحدّ ذاته، غير الشخصيّات التي يقدّمونها وتسحر قراءَهم لدرجة التماهي معها سواء بذكرى ما كان أو فعل ما سيكون. ويعلم الروائيون أكثر من قرائهم لأنهم يعانون ذلك خلال تطور رواياتهم، أن شخصياتهم المقدَّمة لا تستطيع الحياة من غير هؤلاء الأبطال المستترين. وقد أوقف روائي أعرفه نشْرَ روايةٍ شبه منتهية سبع سنواتٍ، إلى الوقت الذي وجد فيه بالصدفة بطله المستتر الذي لم يره وهو أمام عينيه، وتجلّى له في أن يضع بطله الرئيسي “الكاتب” ببساطة خلف طاولة ليكتب رواية طفولته فيحلّ عقدة ملاقاة زمن الحاضر وزمن الطفولة. وقد أحيا ببنية هذا التلاقي شخصياته التي بدأت تتحرك بحرية داخل الرواية، مع إضافة هذا البطل المستتر عنصر “الرواية داخل الرواية” كهديّة أخرى مع هذا الحلّ.

الروائي الجزائري سعيد خطيبي كان محظوظاً ومبدعاً في إيجاد بطله المستتر في روايته المدهشة “حطب سراييفو”، التي وصلتْ بجدارة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” لعام 2020. فلم تكتفِ هذه الرواية التاريخية، إن اعتُبرت كذلك، بأداء دورها في “فتح الثغرات، وفي لفت النظر إلى ما سقط من كتب المؤرخين، وما تغافلوا عنه، بدون أن تنوب عن التاريخ بما ليس من مهمتها”، كما عبّر خطيبي في مقابلة معه؛ وإنما أيضاً بتقديمها بنيةً فنية إبداعية تضيف الكثير من الجمال إلى فنّ الرواية، وإلى معاني الأبطال المستترين الذين لا تحيا من دونهم الشخصيات الروائية المدروسة الطليقة المدهشة.
تشكل بُنية رواية “حطب سراييفو”، الشكلية والعميقة، (التي لا أعرف إن كانت قد أرهقت مبدعها قبل أن تسلمه لجام قيادها البسيط والخبّ بطلاقةٍ، فيما يبدو)، بطلاً مستتراً حاملاً للرواية على بساط ريح. وكما لو أننا في حفلةٍ غنائية يتبادل فيها الغناء رجل وامرأة لا يأبهان سوى بصدق مشاعرهما، داخل وخارج الموسيقى، يتبادل السّرد بتناوب، في منظومة السرد داخل هذه البنية رجلٌ وامرأة، صحافي جزائري وكاتبة مسرحية بوسنية، ويكشفان لنا من خلال تناوب هذا السّرد توازياً وتلاقياً، جوهرَ ما حدث في البوسنة والجزائر في نهاية القرن العشرين الماضي. ولا يجري هذا عن طريق عرض واقع المجازر المخيّم والمكبّل للأرواح قبل الأجساد، ولا بالعودة إلى العقود السالفة التي نتج عنها هذا الواقع، من مآلات الحرب العالمية الثّانية وتأثيراتها على منطقة البلقان، وما حصل في حرب التّحرير في الجزائر وما تلاها مباشرة من استبداد، فحسب؛ بل أيضاً والأهم: إخراج الوحوش التي انتعشت داخل نفوس البشر ودفعتهم إلى السلوك الذي عبّر عنه الروائي بحطب سراييفو، في مجازٍ عن الوقود الذي يغذّي الوحوشَ والمجازر.
قبل البدء بتفصيل هذه البنية، تجري من خلال السّرد حكاية مشوّقة ومؤثّرة ومقنعة، حتّى لو بدت بعضُ مصادفاتها وكأنّها خارجة من فيلم هندي.
من طرف أول تدور الحكاية حول صحافيّ جزائري شاب يدعى سليم، يعيش في الجزائر العاصمة أيام حرب المجازر بين الإسلاميين المتطرفين والحكومة. وفي ظلّ التهديد الدائم بالموت سواءً من قبل الإسلاميين بالقتل للمثقفين المتحررين وللنساء غير المحجبات، أو من قبل تفجير السيارات المفخّخة التي لا تميّز بين طفل ورجل وامرأة ومدني وعسكري؛ يتوقّف عمل سليم بإغلاق صحيفته، وتأتيه دعوةٌ للعيش في مدينة ليوبليانا بسلوفينيا، من عمّه الميسور المتزوج من سلوفينية وله منها طفلان. وهكذا يقرر تجربة الهجرة، ويترك حبيبته مليكة، التي تكبره بسنوات وتشكّل ملاذه الأمومي في ظلّ مرض وموت أمّه وغياب أبيه في غياهب ألزهايمر. يكتب سليم:
“نجوتُ من الموت، وخرجت من حبسي، ظننت أنني سأمكث فيه سنوات طوال. أزهقت روحاً، والتحقت بالقتلة، وتخيلت أنني أقف على رجليّ، من جديد. شعرت أن عمري يتبخر، ببطء، ولن أحقق حلمي، الذي حملته معي، هنا وفي غربتي، كما تحمل أمّ رؤوم جنينها الأول. تصورت أن الحرب التي مزقت وجه سراييفو، ستحرقني معها، وتحوّلني إلى خرقة بالية، لا نفع منها بزغت صورة شقيقتي الصغرى في ذهني، وخفت أن يختلّ عقلي، وأجنّ مثلها”.
من طرف ثانٍ تجري الحكاية عن كاتبة مسرحية شابة بوسنية اسمها إيفانا، تعيش في سراييفو تحت ظل المجازر وقسوة الأب وعدم اهتمام الأم وضياع عقل الأخت بتشابه مع حالة سليم، في وضع العائلة وتاريخها، وفي توقّف عملها في الفندق نتيجة عدم استجابتها لتحرّشات مديرها، وقرارها الهجرة إلى ليوبليانا للعمل.
عند تلاقي الطرفين في مقهى عمّه حيث أصبحت إيفانا تعمل فيه، وحيث يتردد سليم، تلتقي مصائر الطرفين في تتالٍ مشوّق للأحداث، يتكشّف فيه تحرّش عمّه بإيفانا التي تستجيب خوفاً من فقدان عملها، إلى حدّ مضاجعته الفاشلة لها. كذلك يتكشّف خسرانه لعمه الذي ذهب قتلاً على يد حبيب إيفانا في محاولته قتلها بعد أن أخبرت زوجته عن أفعاله، ويتكشّف بعد القتل وحصر التركة أن العمّ ليس عمّه بل والده.
في تباعد الطرفين، بعودة سليم إلى الجزائر للبحث عمن هو والده ومن هي أمه، وعودة إيفانا إلى سراييفو، يتراسل الطرفان لمساعدة بعضهما في إتمام أعمالهما الكتابية: مسرحيتها التي تنجزها بعنوان “حطب سراييفو” ومشاركة سليم كبطل فيها يكمل طرف الرجل في فيلم “هيروشيما يا حبّي” الذي تستوحيه المسرحية، وكتابته الصحفية الروائية في جريدته عن سراييفو وإيفانا تحت العنوان نفسه.
وفي الجريان المتوازي للحكاية، والتلاقي والتباعد تتكشّف الأحشاء المرعبة للجزائر وسراييفو اللتين تعكسان بعضهما، بما يعكس الوحوش التي تتراكم وتستقر في البشر لترتكب خطاياها فساداً ولصوصية وقتلاً واغتصاباً لبعضهم، وللنساء المقهورات على وجه الخصوص.
بتفصيل هذه البنية التي عليها أن تلمّ حكاية على هذه الصورة من التشابك المكاني/ الزماني، الذي يخيف الروائيين في العادة ويدفعهم للتوقف، يلجأ خطيبي إلى بساطة الابتكار، فيضع بنيةً شكلية تتكون من فصلين، تحت عنوانين يحملان اسمي بطلي الرواية الأساسيين: سليم، إيفانا؛ وتتسلسل بعدهما أربعة أجزاء، يحمل كل منها عدداً من الفصول بمجموع خمس وثلاثين فصلاً على صورة عناوين تتسلسل بالتناوب المتتالي في السّرد بينهما، ويرسم الإثنان بهذا التناوب المحافَظ عليه، طريقيْ مصيريهما اللذيْن يتوازيان ويتقاطعان مع الأمكنة والأزمنة التي شكلت شخصيتيهما، بصورة مدهشة ومقْنعة. ويخلّ بهذا التناوب المتسلسل خرقان يأخذ فيهما البطلان عنوانين، وربّما لا يجد القارئ مبرراً لهذين الخرقين، فكسرُ رتابة التناوب بين الراويين تمّ في الحقيقة من خلال التلاقي في مدينة ليوبليانا، واستمرّ مع الرسائل التي أكملت التشويق المتداخل بدفعات البحث عن أسرار ما جرى.
ويرفع خطيبي سُتُر الخوف التي تخفي خطايا وجرائم المقدّسات والمحرّمات التي تتحول إلى سيوف لجزّ أعناق البشر على يد المتطرفين الإسلاميين “نواطير الأرواح”. ويبدي خطيبي، في كشفه العميق لسُتر الخوف من خلال الحكاية وخارج التنظيرات، انحيازاً واضحاً بتعاطف إنساني غامر وعميق مع الضحايا الأساسيين لجرائم المجتمعات الذكورية/ النساء، اللواتي يتم تهميشهنّ بالدونية وتحطيم أجسادهنّ بالعنف وأرواحهنّ بالإهمال، ويتمّ تحطيم أجسادهنّ وأرواحهنّ بالتحرّش والاغتصاب:
“لقد اغتصبوا شقيقتك. تناوب عليها ثمانية رجالٍ في ليلةٍ واحدة. داهمني غثيان وأنا أسمع كلامه. اضطرمت نارٌ بداخلي ورغبتُ حينها أن أفقأ أعين مُغتصبيها واحداً واحداً. أن أبتر خصيانهم وأقليها بالزّيت أمامهم. أن أُدخل قضيب حديدٍ في دُبر كل واحد منهم.
ليتهم اغتصبوني أنا وتركوا أختي الصّغرى تعيش شبابها. أذكر وجه آنتشي حين عادت بعد يومٍ من الغياب. خرجت تبحث عن الماء وتأخّرت. اعتقدنا أنها اختبأت عند قريب أو صديق حذر الموت والقذائف والقنّاصة. ثم عادت في اليوم الموالي بشعر أشعث. اشتكت من آلام في الظّهر، وفشلتْ أمّي في مداواتها ثم انّسلت إلى عالمها السّفلي بيسر. مرضتْ وتملّكها هذيان وانفصام وراحت أمّي تصل الليل بالنّهار في الاهتمام بها، وأنا أُجالسها بين الفينة والأخرى، أسمع هذيانها وأبكي بحرقة”.
وهكذا، في البنية العميقة التي تتكشف مع جريان الأحداث، يرفع خطيبي سُتُرَ الخوف التي تخفي أخطاء وخطايا المجتمع الذكوري المتعلقة من جهةٍ بالأُسَر والآباء على اختلاف وضعهم كمجاهدين ضد الاستعمار، أو كمتعاونين معه، أو كمتخاذلين بالحياد. كما يكشف العناصر التي جعلت من هذه الخطايا جبال عقد نفسية، تكبّل أجنحة الأجيال اللاحقة وتعيد صياغة العنف.
سعيد خطيبي: “حطب سراييفو“
منشورات ضفاف، لبنان، بيروت 2019
منشورات الاختلاف، الجزائر 2019
327 صفحة.