رواية السورية واحة الراهب “الجنون طليقاً”: خارج أقنعة الذات التي تداري الخوف والخنوع

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

في الرواية الثانية “الجنون طليقاً” للكاتبة، المخرجة والممثلة السورية واحة الراهب؛ لا يتكشّف النظام السوريّ كقاتلٍ صانعٍ لأعتى أشكال الموت فتكاً بالسوريين الذين ثاروا طلباً للحرية والكرامة، رجالاً ونساءً وشباباً وأطفالاً من دون تمييز، على مدى سبع سنواتٍ من الثورة فحسب، بل أكثر من ذلك، كمُشوِّهٍ لداخل الشخصية السورية، وباذِرٍ لأبشع أبواغ الوحوش في خلاياها. وهذا على مدى أجيالها في عهده الذي توالى منذ أكثر من خمس وخمسين سنة، بدءاً من استيلائه على الأراضي والمنشآت الإنتاجية، مروراً بالتمييز الطائفي، والمشاركة الطفيلية القسرية للتجار وأصحاب المشاريع، وليس انتهاءً بالفساد والإفساد الذي حاول أن يطال كل سوري. تحت حدّ سيف الإرهاب والسجن والقتل والمجازر دائماً، لكي يُنتِج شخصيةً خائفةً خانعةً مريضة، محشوّةً بكل ما عرف عن الأمراض النفسية من عقد اضطهاد ووساوس قهرية وانفصامات، تحاول الرواية عرضها في شخصياتها، وفي تداخل سيناريوها مع الواقع الذي يجري في حياة البشر المحاصرين بالموت، كما في السيناريو الذي يجري تحت الحصار في مشفى الأمراض العقلية الذي خلقته الكاتبة كمسرح معادل لمسرح سوريا الكبير الذي يحيط به.

في بنيتها الظاهرة تفتح واحة الراهب، وتُجري روايتها، بفريق يحاول تصوير فيلم داخل مشفى للأمراض العقلية، ويتعرض لحصاره داخل المشفى بسبب المعارك التي تجري بين النظام والثوار في الخارج، كما يتعرض لمطاردة قاتل ينهي حياة أحد أفراد طاقمه وبعض المرضى من النساء. وفي هذه البنية تصوغ الكاتبة نص روايتها بمنظومةً سردية بسيطة تتضمن صوتاً واحداً هو صوت الكاتبة/ الراوية، يسردُ الرواية بصيغة فعل الماضي البسيط، مع تخلّل هذا الصوت لجزء من صوت كاتب سيناريو الفيلم الذي يشكل محور الرواية؛ بصيغة فعل الماضي البسيط نفسها التي تخلق أجواء تقنية “الرواية داخل الرواية”. ويجري هذا النص ضمن أربعةُ فصولٍ من دون عناوين، باتجاه أمامي واحد لا يتضمّن فواصل انتقالٍ تداخليّ للزمن، وبحبكةٍ بوليسية تختلف عن حبكات تلاحق الأنفاس، بسبب طول جملها الشرحية. لكنّها تذكّر بحبكات أغاثا كريستي التي تفصح عنها الكاتبة صراحةً في نهاية الرواية، عند كشف القاتل لنفسه في حواره مع بطلتها: “أنت تعلمين أن مجد هو القاتل الفعلي، رغم أنني سبق لي أن احتفظت بكمية من (الوارفارين)، لعله يوحي لي بما أوحى به سم (الشوكران) لأغاثا كريستي، لتبني عليه حبكة إحدى رواياتها، وبما أوحى لسقراط حتى ينتحر به، وذلك حين كنت أعمل طبيباً في المشفى الوطني، الذي تركته حين انتقلت إلى دمشق، بعدما بدأت سيناريوهاتي تصبح مطلوبةً للإنتاج الفني، وبعدما اكتشفت أني أكره الطب الذي أجبرت على دراسته وممارسته كخيار يرضي أهلي لكن لا يرضيني”.

وتنفتّح هذه البنية الظاهرة، تحت مظلّة غلافٍ مصمّمٍ بصورةً قناع أقرب إلى وجه امرأة، بمعيّنات هندسية تكعيبية تميّز ثياب المهرّج، تحت رداء سترة قرمزية بقبعة؛ ويعكس هذا الغلاف الذي يوحي بأجواء الرواية، في الظاهر أحد أحداث الحبكة البوليسية. لكنه يكشف في بنية الرواية العميقة عن تداخلِ مسرح الرواية، الذي عمقته الكاتبة:

ــ أولاً بجعل سيناريو الفيلم الذي تتحدث عنه الرواية هو الرواية نفسها؛

ــ وثانياً بتماثل لحظة حدث الحصار الصغير لطاقم تصوير الفيلم داخل المشفى، وما يحدث لهذا الطاقم من جوعٍ وخوف ومطاردةٍ من قبل القاتل المجهول؛ مع لحظة حدث حصار قوات النظام السوري الكبير للبلدات الثائرة خارج المشفى، وما يحدث لهذه البلدات من تجويع وقصف بالبراميل المتفجرة ومطاردة النظام القاتل لأي نبض حياة فيها؛

ــ وثالثاً بسلاسة تحليل الشخصيات النفسي، الذي أتاحه للكاتبة واقعياً إدراكها العميق لفعل النظام بالشخصية السورية، كما أتاحه فنياً خلقها لتماثل الحصارين. وقد أخرج تداخلُ مسرح الرواية المعمّق بالتحليل النفسي هذا، روايةَ الكاتبة من عاديّة الحبكة البوليسية إلى التألّق كرواية، مميّزةٍ بحلول عرض واقع سوريا، ماضياً تحت نير استبداد النظام، وحاضراً تحت سعير براميله المتفجرة، من خلال التركيب النفسي للشخصيات داخل الحدث، وحلول تجنيبها الحديث عن هذا الواقع من خارجه. لكن ليس من دون ثمنٍ تبدّى في بعض نواقص التعبير، بما يخص الجملة الطويلة الشرحيّة، وخليط لهجة “الداعشي” كما تبدى في السماح للخيال أن يجنح خارج ما يمكن أن يحدث في الواقع، رغم إصرار الرواية على منهجية فواق الواقع على الخيال فيما يحدث بسوريا، حيث:

“بالنسبة لدينا، فقد فقدت شهيتها، وأصبحت تكتفي بالقليل من الطعام، لدرجة أن بدا عليها الهزال. تراجعت رغبتها في الطعام أمام تفكيرها المستمر بعدم اكتفاء من حولها منه، وكذلك تفكيرها بسكان المناطق القريبة منهم والمأهولة بالمدنيين المستهدفين أكثر منهم بهذا الحصار، ليهجّروا من أرضهم وبيوتهم. لأول مرّةٍ، تشعر دينا بمعاناة الآخرين فعلياً. سبق لها أن رأت صور المجاعات، لأشخاص وأطفال يشبهون الهياكل العظمية، ظنتها لأموات لا لأحياء، لو لم ترمش عيونهم فقط، لكنها لا تكاد تصدّق أن هذا يحدث في بلدها وبالقرب منها”.

وكذلك حيث: “لم تعد قادرةً على الوثوق بشيء أو بأحدٍ بعد الآن، عليها اتخاذ الحيطة من الجميع، وما زال عليها أن تجيد التمثيل في الحياة، كما أمام الكاميرا، لتخفي ما تفضحه عيناها دائماً. لقد تمرنت بما يكفي على وضع القناع الذي يموّه كآبتها المتكرّرة التي تجترّها وحيدة بدافع كبريائها، والمقاومةُ هي ما باتت تحتاج إليه الآن أكثر من رضى الآخرين عنها، كرضى والدها الذي استنزف طاقاتها وأهدرها مجاناً وبقي غاية لا تُدرَك”.

داخل بنيتها العميقة، تتألق الرواية بنجاح تشويقُها الذي لا توفّره الحبكة البوليسية فحسب، بل يزيده ويعمّقه عرض الكاتبة لصراع الرجل والمرأة، وصراع الرجال مع بعضهم حول المرأة، واستغلال المرأة من الرجال بجميع أشكال الاستغلال. فهذه التي لا تقتصر على رميها من قبل أخيها ظلماً داخل مشفى أمراض عقلية فحسب، بل باغتصابها من قبل مدير المشفى الذي يعكس فساد وجرائم مسؤولي النظام، وجرائم إخضاع المرأة بجميع أشكال الإخضاع اللاأخلاقية، التي تتضمن توظيفها أيضاً أداةَ اضطهاد وقمعٍ واغتصاب لبنات جنسها، كما يحدث من مسخٍ لشخصية رئيسة الممرضات سهير.

كما تتألق الراوية باستبطانها لكوامن القوة لدى النساء، بالتحليل النفسي العميق لمثبّطات ومحفّزات قواهنّ، وإبراز هذه الكوامن، ليس على صعيد اكتشافهنّ ما يتميّزن به من قوة فحسب، وفق تطوّر شخصية بطلة الرواية والفيلم دينا أمام منافسة بطل الرواية والفيلم مجد، بل أكثر من ذلك إطلاق طاقاتهنّ لقيادة التمرد الشجاع على أفعال سجن الذكورة لهنّ، وفق تطوّر شخصية المريضة النفسية، العاقلة في الحقيقة رزان، التي أدخلها أخوها الوزير الفاسد مشفى الأمراض العقلية للتخلّص من اتهاماتها له بالفساد.

وداخل هذه البنية، يبدو الجهد الخلّاق واضحاً في شغل الروائية على بلورةَ شخصياتٍ مختارة مميزة ومتوافقة بقوة مع موضوع الرواية، وفق الدراسات النفسية لصورة المرأة، وبالأخص منها ما قام به بيير داكو من سبر لسيكولوجية أعماقها. كما يبدو واضحاً توظيف الكاتبة الإبداعي لمعرفتها في الفن التشكيلي، وصناعة السينما، من أجل صنع رواية طليقة، تتوخّى كشف حقائق المستور الذي تحاول آلة النظام الإعلامية البائسة بإعاقتها، وآلات حلفائه الحربية والإعلامية الداعمة ببؤسها، طمسَه دون جدوى.

وختاماً، ربما تَحسُن الإشارة إلى جرأة الكاتبة المماثلة لجرأة شخصيتها رزان، في عرض موضوعاتٍ نفسيّة متداخلةٍ شائكة، ضمن قالب بوليسي يفتح عشرات فخاخ السطحية، للوقوع والغرق في مستنقعاته.

واحة الراهب: “الجنون طليقاً”
نوفل، بيروت 2019
202
 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية