من نبات صبّار دمشق الذي لا يخلو من فاكهة طيّبة حلوةٍ يقدّمها الباعة منذ الصباح على أرصفتها المرشوشة بالماء، رغم أشواكه اللاسعة، إلى نبات عوسج قرى البادية السورية الذي لا يأخذ منه الكاتب، وفق مفهوم بطله، سوى رداءتَه التي تعافُها حتى الأغنام، يبني الروائي السوري إسماعيل خليل الحسن روايته المتوسطة الطول: “ذاكرة العوسج والصبار”. ومن خلال هذين الرمزين، المستخدَمين بتبسيط يغلبُ على جُلّ الرواية، يعكس حياةَ وتطوّر شخصية بطلها الرئيسي جدعان الهزّاع الذي عاش حياة النعومة في دمشق الخمسينات، رغم كونه سائق الشيخ النائب في البرلمان، وحياة قريته “الحدرة” العجفاء التي نشأ فيها وعاد إليها، رغم تكديس انتهازيته الثروات فيها، كرئيس للجمعية التعاونية في عهد البعث، وابنٍ لكل المراحل.

ومن طبيعتها في السّرد والتكوين، تبدو هذه الرواية وكأنها قصتان في رواية، الأولى تسرد تاريخ تكوّن سوريا الحديث بعد الاحتلال الفرنسي وحتى بداية السيطرة التامة لحافظ الأسد على سوريا بالفساد والاستبداد بداية ثمانينات القرن الماضي، وتعرضُ في سردها التوثيقي الذي يعتمد على تداخل القصة الإنسانية الثانية، والكتب، مفاصلَ هذه المرحلة، من الديمقراطية البورجوازية الصّاعدة، إلى حكم الوحدة الذي أوقف مسير الديمقراطية وألغى الحياة السياسية ومهّد لقدوم حكم الانفصال، وحكم البعث الذي مرّ بمراحل العنتريات القومية ثم التخبّطات الاشتراكية لينتهي بحكم الاستبداد مع الحركة التصحيحية التي قام بها حافظ الأسد. كما تسترجع هذه القصة الأولى (من خلال التوثيق غير المتداخل بعمق مع حركة شخصيات القصة الثانية، ومن خلال الاعتماد على كتب معروفة حول الطوائف) تاريخ تكوّن طوائف ومذاهب المجتمع السوري، كحركات تتوخّى رفع الظلم، وتطمح إلى عوالم تسودها العدالة، لكنها تتحوّل بفعل صراعها مع معارضيها وغلوّ حَمَلَة أفكارها إلى نارٍ تتأجّج للانفجار في أية لحظة، تحت رماد التعايش الظاهر الذي يكشف هشاشته انغلاق كل طائفة دينية أو مذهبية عن تزويج أبنائها من أبناء الطوائف الأخرى.
وتسرُد القصة الثانية، بتوفيقٍ متألقٍ لفاتحتها، حكايةَ الإنسان السوري، كنتاج لتاريخ تكوّن وصراعات وتعايش طوائف بلده، في خضم صراعات مراحل ما بعد الاستقلال؛ من خلال نموذجٍ اختار الروائي له أن يكون الانتهازي الذي يتماشى ويستغل جميع المراحل. وهذا مع عرض بقية شخصيات مكوّنات المجتمع السوري من خلال ارتباط هذه الشخصية بها، وحركتها الواسعة أولاً كسائق مميّزٍ بشخصيةٍ بدويةٍ جذابة ترقى إلى صفة المستشار للإقطاعي النائب في برلمان الخمسينات، وثانياً كمنتمٍ إلى حزب البعث، ومتداخلٍ في حركة انتمائه مع جميع المكونات السياسية: الشيوعيون الممثلون بمعلّم المدرسة الحمصي المنتدب للتعليم في قرية الحدرة، ثم الإخوان المسلمون ممثلين بمعلم المدرسة الإخواني الذي تبعه، وبقية المكونات السياسية والطائفية التي يلتقيها من خلال وضعه كمستشار للشيخ النائب. وثالثاً مع أبناء المجتمع السوري وبالأخص النساء من خلال وضعه ضمن عائلة النائب كفرد منها كذلك.
وقد نجح الروائي في متابعة مصير هذه الشخصية المتداخلة مع ما يريد عرضه من تطورات المجتمع السوري، بشموليةٍ تصعب لملمتها، خلال المراحل الواسعة الحافلة التي حدّدها، مبتدِئاً بموقفها الوجودي المتناسب مع طبيعتها البدوية الانتهازية، حيث يفرض جدعان الهزاع الذي تحوّل إلى شيخ للقرية، على ولده سالم قبول التضحية بزوجته الأم التي يحبّ، وإنقاذ الجنين، حفيد الهزاع الذي يستمرّ به نسله ووجوده، عند امتحان الخيار بين الأم أو الطفل عند الولادة المتعسّرة. وينال الهزاع بطبيعة الحال على هذا هروب ابنه وتشرّده وبؤس مصيره الذي آل إليه، بفعل غضبه من نفسه، وتكوينه كولد منصاع غاضب من ضعفه أمام أبيه، رغم تكوّنه السياسي كشيوعي.
في بلورة قصتيه، ومحاولة جمعهما في روايةٍ حالمةٍ بالشمولية حيث (تضع الروايات نفسها عادة على صراط الإخفاق إن لم يتم خلق التداخلات بين الواقع الجاري والشخصيات والأزمنة بحرفية عالية تفترض الابتكار) يختار إسماعيل خليل الحسن، بنيةً بسيطةً تنقسم فيها الرواية إلى ثمانية عشر عنواناً بمثابة فصول، تتبلور فيها القصة الثانية الإنسانية باثني عشر عنواناً هي: (موت العالية.. حيرةٌ أم مأساة، جدعان الهزاع، نادر شوقي، سالم الجدعان، جدعان الهزاع.. دمشق مرة أخرى، سالم الجدعان ـ تيه الهروب، دمشق وحدة وانفصال، العودة إلى الحدرة، زمن مرعي بن جعفر، القنوط، الغريب، الهروب الأخير). ويتداخل في هذا ستة عناوين هي (المرشدية، الدرزية، العلويون، الإسماعيلية، المسيحية، سنة وشيعة) يتضح منها ومما تتضمنه الجانب التوثيقي الذي يخصّ تاريخ تكوّن وتطوّر الطوائف والمذاهب السورية، كلاً على حدة. وقد اختار الروائي إيراد هذا الجانب كما استقاه من الكتب التي رجع إليها، وأشار إلى واحد منها لم أجد له مرجعاً في غوغل، ربما بسبب وجوده قبل الكمبيوتر، وعدم تدوينه على الإنترنت، هو “المذاهب الدينية في الشرق العربي” لحبيب سمعان، دكتور التاريخ بالجامعة العربية في بيروت وقتها. ويشير الكاتب إلى الحقيقة التي عانى منها السوريون، وهي حظر الكتب التي تتحدث عن الطوائف، وحظر الحديث عن أي طائفة، وإرهاب من يفعل ذلك بإلباسه تهمة الطائفي، لتعتيم وإخفاء ممارسة النظام للطائفية بأبشع صورها في التمييز.
ويبدو واضحاً شبه استقلال هذا الجانب، واختيار الكاتب اختزال تداخله، في حركة شخصيّات الرواية، وقَصْر تجسّده في أفعالها على رفض الزواج من بعضها، كما حدث مع ابنة الدرزي عبد المعين، والعلوية فريال، والذي دفع جدعان بهذا للبحث في الطوائف، رغم إشارة الكاتب، لكن بعرض فكري في الرأي أيضاً، عن تأثير حافظ الأسد السّلبي في طائفته إلى درجة مَسْخها ومماهاة وجودها بسلطته: “إن تغيراً كبيراً حدث للطائفة العلوية بعد صعود البعث إلى السلطة واستفراد عائلة الأسد بها، حيث تحوّل مركز الاستقطاب من المشايخ والرؤساء إلى رجال العسكر والمخابرات، وتماهت الطائفة بالسلطة التي ألحقت الأقليات الأخرى بها، ليتعمّق الانقسام والتمايز الطائفيين، وذلك تحت السطح الساكن الراكد ولكن المريب كجبل بركان هادئ، لكنه ينذر بشرّ مستطير، لقد باتت السلطة لجُلّ أبناء الطائفة طوطماً يُعبَد، وكل معارضٍ يعدّ خائناً، أما إذا كان المعارض من الطائفة ذاتِها فهو كافرٌ ويستحقّ عقاباً أشد”.
ضمن هذه البنية البسيطة يَقصُر الروائي سرده على راوٍ وحيدٍ هو الكاتب نفسه الذي يروي الأحداث ويحلّلها ويختار المراجع. ويضمّن الراوي هذا السرد أسماءَ الكثير من الشخصيات السياسية والثقافية التي طفت على سطح مراحله التي يعرض فيها روايته، وأثّرت في هذه المراحل، وفي مستقبل تطوّر سوريا إلى ما آلت إليه، مع نسيانه أو إهماله أيضاً لبعض الأهمّ منها، ومع حشده غير الضروري بالنسبة لفن الرواية ربّما، أسماء شخصياتٍ مرّت بتاريخ تكوّن وتطوّر الطوائف.
كما يميّز الكاتب سردَه بالعربية الفصحى المطعّمة ببعض العامية الأقرب إلى الفصحى في الحوارات، لكنه لا يَدخُل في مراهنة جعل اللغة بطلاً كما تفعل بعض الروايات المتألّقة بتركيبها، كما لا يَدخُل بصورة عامة في تجاوز الواقعية إلى الواقعية السحرية، وفي همّ تكوين وأساليب الرواية الحديثة، فيما عدا معالجته للزمن، حيث لا يسرد الراوي حكايته وفق تسلسل زمني، بل يبدأ من لحظة حساسةٍ فاصلة في الرواية، ويعود للوراء من أجل تتبع اللحظات التي أوصلت إليها، ثم يتقدم لمتابعة اللحظات التي ترسم مآل ما حدث فيها.
وكخطّ عام للرواية، يحاول الكاتب إبراز ما في جميع الطوائف من إيجابيات تَشكُّلِها عبر التاريخ كحركاتٍ قامت من أجل العدالة، وفتح الباب لتفَهّم الطوائف بعضَها، وإزالةِ خوفها من بعضها، في سعيها للحياة والعيش المشترك في وطن حر كريم، إضافة إلى التحذير مما تختزن هذه الطوائف من عصبياتٍ قابلةٍ للانفجار تحت الرماد، كما حدث بعد كتابة الرواية.
إسماعيل خليل الحسن: “ذاكرة العوسج والصبار“
نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، حلب 2018
144 صفحة.