لا تختلف المذكرات عن التوثيق، في دورها بحمل سكاكين قتل الروايات، إن لم يحسن الكاتب وضعها في سياقٍ روائيّ فنيّ، ولا تختلف كذلك في دورها بتركيب أجنحةِ تحليقٍ للروايات إذا كانت الرواية بوزن «أقفاص فارغة» مكتوبةٍ بالبساطة العميقة والحنكة الروائية من قبل الشاعرة المصرية فاطمة قنديل، رغم أنها العمل الروائي الأول لها، ويحمل خوف القراء من كونِها إضافةً إلى هذا، روايةٌ تكتبها شاعرة، في ظلال إشاعة مقولة إن معظم الروايات التي يكتبها شعراء محكومة بالفشل. إلى كل هذا يضاف تحدٍّ آخر قامت بها الروائية نفسُها، بعدم لجوئِها إلى بنيةٍ روائية تَدخل فيها المذكرات ضمن منظومةٍ سرديّة متنوعة، كجزء من حكاية الرواية، كما تفعل معظم الروايات، واستخدامِها بدل ذلك أسلوبَ المذكرات بتمامه، لكنْ الخاضعِ لوعيها منذ البداية، في سياقٍ روائيّ يقودها بهدي حبلٍ مضيء في منعرجات كهف المذكرات.
ويمكن للقارئ والناقد تلمّس ذلك ببساطةٍ: أولاً، من علبة شوكولاتة الذكريات التي تفتتح بها الرواية. وثانياً، من أقفاص الدجاج الفارغة المعبّرة مجازاً عن دورها في حجز شخصيةَ المرأة، وليس بطلتها فحسب، في قوالب التدجين منذ الطفولة، وعن إطلاق جريان الرواية، بأقفاص حجز الأب والأم والأخوين، وما يحيط بهم من مجتمع ذكوري متخمٍ بقيم الحجز المولِّدة لعقدٍ نفسية يصعب الخلاص منها، بسخرية تكرار الراوية لمطلع الأغنية، التي تردّدها أمها: «لمّا قالوا ده وَلَدْ… انشدّ ضهري واتسندْ».
في «أقفاص فارغة» لتدجين ما قبل الذبح، وللخروج المرّ الباهر العميق من التدجين، تضع قنديل روايتَها في بنية ظاهرةٍ بسيطةٍ تتكون من أربعة فصول تعرض فيها حياةَ بطلتِها الرّاويةِ بصيغة ماضي سرد أنا المذكرات الشخصية التي تعرض حياتها مكشوفةً وجريئةً على تعرية ما تستره العائلات من عيوبها، وما يحجز أفرادها بالتالي، في امتدادٍ روائيّ مشوّق يتجاوز العرض الشخصي إلى ما تداخلَ وتفاعلَ معه منذ ولادته، العائلة والمجتمع المحيط، بارتقاءٍ إلى عرض انهيار الطبقة الوسطى المتتالي إلى الطبقة الأدنى في مصر ما بعد خمسينات القرن الماضي. وتُدخل قنديلُ أهمّ العناصر التي ترتقي بها الرواية/ المكان الذي يتداخل ويتفاعل مع الشخصيات ويساهم في تطوّرها الروائي، من خلال أربعة بيوتٍ لسكن العائلة، تشهد وتُمثل جريان انهياراتها، مع العائلات المتداخلة معها بحياة القرابة والصداقة والمصالح، بفعل القيم الاجتماعية التي تحملها، والزمن الذي يجري ويحتُّ الطاقات، وصراعات البقاء والمصالح الضيقة التي تنمو فيها طحالب الفساد، سواء ضمن العائلة الواحدة أو في المجتمعات التي تتحرك فيها. حيث: «لم يذهب معنا أبي أبداً، لا إلى بيت جدّي، ولا إلى بيت عمّي، أحياناً كان يمرّ وحده، وعلى عجل، ليرى أخته إحسان، الوحيدة التي لم تتمكن من زيارتنا، أما جدتي، وعمتي ناهد فكانتا تتناوبان زيارتنا. لم يكن يرغب في رؤية جدي، كما أخمن الآن، ولابد أنّه لم يغفر له أبداً تعليقَه في عامود السرير، وضربَه بالحزام، كي يصير، هو الأخ الكبير، رجلاً. ولا بدّ أنه لم يغفر له ضياع حلم الهندسة، بسبب «تمثيلية الشلل اللي عامِلْها» كما كان يقول. حتى عمي تباعدت زياراته لنا، بعد أن صار رئيس مجلس الإدارة، وبعد أن أثقل عليه أبي بالاقتراض، ثم انقطعت تماماً، بعد أن علا صوت أبي ـــ ذات مرة ـــ وهو يتحدّث إلى أمي: «ضحّيتْ بحياتي عشان أعلّمه، وآخرتها يقول لي: «أسلّفك بس «بشيكات»… ابن الكلب!».
وفي أقفاص التدجين الفارغة هذه، تتجلّى البنية العميقة للرواية، بعمق نفسيّ يمسح المَشاهد البسيطة لحياة العائلة اليومية، وما تمرّ به من تحولات، عارضةً عراء الفرد في مواجهة مصاعب الحياة، في المجتمع الذكوري الاستبدادي الذي يرتدي أقنعةَ الاشتراكية منخوراً بالفساد، وتاركاً أفراده لمواجهة مصائرهم عراةً من الخدمات الاجتماعية والصحية، فاتحاً لهم دربَ الاعتماد على بعضهم، والبعضُ للأسف هم الذكور الذين ترك بيدهم مصائرَ التحكّم شرْعاً وقانوناً بالإناث. ويشهد القارئ، بتتابع يمسّ حياته المستترة بالتأكيد، كشفُ الروائية البسيط العميق في ذات الوقت لحالات التفتت والإهمال والخذلان والسيطرة التي تنال الرجال أنفسهم في سرقتهم لحقوق النساء، مروراً بعرض البنت الراوية المهمَلة أمام غرق عائلتها بعلاج عُقَد أخيها الكبير، الذي ورث عقدة أبيه، وفقاً لقول الجارة لها: «أمك سايباكِ إزاي كده»؟ ودرجةِ صدمة البنت من ملاحظة زميلتها قملةً على مريلتها.
مع المرور أيضاً بحالات استغلال الطفولة واغتصابها أمام تستّر الأهل خوف الفضيحة، والاستيلاء على إرث الأخوات، والاستغلال الجنسي للنساء في التوظيف، وعقود الزواج العرفي، وتعنيف الزوجات، وصولاً إلى المأساة المريعة التي تتابعها الراوية باقتدار يتألق به السرد: عراء الفرد المريع عندما يقع مريضاً، بقصة مرض الأم بالسرطان والعلاج الذي لا تقدّمه الدولة تاركة لأفراد العائلة ذلك. ورغم وجود من يساعد فعلاً في المجتمع والعائلة، مثل ابن الخالة الذي لم يدخر جهداً في مد يد العون المالي للعلاج، فإن الحقيقة المرعبة لواقع المجتمعات الذكورية تبقى ماثلةً، حيث يمتنع الابن رمزي، الطبيب الثري المتديّن الذي يعمل في السعودية، بخسّة لا متناهية، عن المساهمة في دفع أجور عملية خلاص والدته من السرطان الذي يأكلها، بعد امتناعه عن دفع علاج أمه الكيماوي، دافعاً إياها لمواجهةِ موتِها، بكرامتها حين علمتْ بامتناعه، حيث:
«بعد أن قلّبنا الأمر، أنا وماما، أخذنا قراراً بعدم إجراء العملية، كان المبلغ كبيراً، ولم يكن من الممكن أن يدفعه ابن خالتي وحده، حتى لو وفّقتُ بجمع بعض المبالغ من الأصدقاء، لن تكفي لتعويض نصيب رمزي، الذي وصل لـ«ثلث» المبلغ، بعد أن تطوع صديق لي بتقسيم المطلوب على ثلاثة: هو، ورمزي، وابن خالتي، وأن الأمر ليس محالاً؛ «ثلاثون ألفا» ليسوا محالاً، لكنهم كانوا محالاً بالنسبة لي، وبالنسبة لماما، تغيّر موقفها تماماً، بعد معرفتها برأي رمزي، وبعد أن كانت متحمّسة ومنفعلةً، لإجراء العملية، رفضتْ، تماماً، إجراءها، بعنادٍ لم أستطع أن أجاريها فيه، تشبثت بخوفها من الألم، أو هكذا ادّعت: «طب افرضي كان فيه آلام عظيمة فعلا؟» ولم أبذل جهداً كبيراً أيضاً، توارى حلم الشفاء وراء جدران صلبة، لن نتمكن من اختراقها للوصول إليه؛ جدار خوفنا من الألم، جدار الحاجة، وجدار المجهول الكامن وراءها».
في البنية العميقة لأقفاصها الفارغة تعرض قنديل حالة الارتهان الذي يجثم على أجساد البشر، ويمسك بهم كما شبكة عنكبوتٍ مُغرّاةٍ بقيم الدين والعيب والواجب، إلى درجات شلل تفكير الخروج منها، واستساغتها، والتحوّل للدفاع عنها، في شخصيات الأب والأم والابن الأكبر، وشخصية الراوية نفسها، كما تعرض حالات الخروج في شخصيات آسرةٍ مثل شخصية السحاقية «دادة فاطمة» التي تقهر الرجال على طريقتها، والخروج المتألّق للراوية نفسها بفعل الكتابة التي تبدأ بممارستها كملاذ وتُطوِّرها كمهنةٍ، وتصيغ بها في النهاية هذه الرواية التي تمنحها دور بطلةٍ إلى جانب أبطالها.
وفي هذا الخروج من احتجاز الأقفاص، يتجلّى أسلوب قنديل في صياغة هذه الرواية، بإدخال مذكراتها كإعادة حضورٍ لذات المرأة التي حاول صانعوا الأقفاص تغييبها، وباستخدام أدوات الحياة اليومية والأغراض لتجسيد داخل الشخصيات، مثل صينية الفردية في تصوير عزلة أفراد العائلة، واستخدامِ الثقافة العالمية في تصويرها المشاهدَ والأحداث والاعترافات ومناجاةَ النفس، مثل أسطورة ميدوزا، والإلياذة، وتكثيفِ التعبير في خلق المشاهد بفقرة قصيرة.
هنالك أيضاً جرأةِ كشف المستور الذي يصعب التحدّث عنه، كما في اغتصاب ابنة الرابعة من جارها، ومن صديقة أمّها، حيث: «فاكره سعد اللي كان جارنا في السويس؟… «حكيت لها كل شيء، ولم يُخِفْني وجهُها، الذي شحب تماماً، كأنه قالب من الثلج، ولا شفتاها المرتجفتان وهي تردد: «يا ابن الكلب، يا ابن الكلب، حأقتلك يا ابن الكلب.. حأقتلك». لكنها لم تقتله، ومرّ الحوار بسلام، هكذا بدا لي الأمر، خاصةً بعد أن أخبرتها في تلك الليلة أيضاً، بما كان يحدث من دادة فاطمة، حبيبتها، التي تأتمنها على جسدها شخصياً، وتعرّيه تماماً أمامَها، لتنزع عنه الشعر «بالحلاوة»، دون حرج، حين كانت ترسلني لأبيت مع أبنائها في «عين شمس»، وكيف كانت تختلي بي هناك، في الظلام، وتعرّفني على نوع آخر من المتعة!».
واستخدامِ ذكريات الأمكنة وتبديل البيوت لتجسيد شخصيات الطبقة الوسطى، إضافة إلى تعبيرها عن هدف الكتابة ودوافعها، وتحليلها لفعل كتابة مذكراتها في التعافي مما حصل لها وكتبته: «اليوم أخبرتُ زملاء لي في العمل يدرّسون النقد الأدبي! ويكتبون روايات تجارية: «أنا أكتب مذكراتي». نظر لي أحدهم مستنكراً: «لا.. لا.. حاسبي»، والآخر؛ صاحب الرواية التجارية، قال لي: «اكتبيها بضمير الغائب»! ظللت طول اليوم أضحك من النصيحة الأخيرة: بضمير الغائب! أنا أريد أن «أحضر» كما لو أنني كنت غائبةً دائماً… الحضور الكامل هو كل ما أحلم به، اليقظة، التي لا تفوّت ضوءً واحداً في جوفي إلا حدّقت فيه، حدّقت فيه حتى يتلاشى، كعيون الميدوزا، لا أريد سوى أن أمسخ كل الذكريات إلى أصنامٍ، ثم أكسرها، ثم أكنس التراب المتبقي منها، حتى ولو كنت، أنا نفسي، صنماً من بين كل تلك الأصنام».
فاطمة قنديل: «أقفاص فارغة»
دار الكتب خان، مصر 2021
258 صفحة.