ثلاث حكايات عن ثلاث نساء، من ثلاث مناطق متباعدة في ما بينها، لكنها متشابهة. تسرد رواية «الضفيرة»، بلغة شعرية وجمل وفصول قصيرة، أقداراً سوداوية، تنبهنا إلى مآس يومية، ومحاولات الفرار منها. نصادف أولاً سميتا، من طائفة الداليت، أو من يطلق عليهم «منبوذو» الهند، أو كما سماهم غاندي «أبناء الله»، الذين يشغلون أسفل هرم الطبقية الهندوسية، وُلدت كي تقوم بالأعمال التي يرفض الآخرون القيام بها، تنظف فضلاتهم، ولا يقتربون منها، وإن حصل ذلك فيُسارعون إلى الاغتسال. هناك الملايين من أمثالها في بلدها الهند، يعيشون «على هامش الإنسانية». تحملت ذلك القدر، ولم تستطع معارضته، لكنها تود أن تهب ابنتها الوحيدة لاليتا (التي بلغت السادسة من عمرها) حياة أخرى. تقضي سنوات في توفير مالٍ برفقة زوجها، وترسلها إلى المدرسة، بغرض أن تتعلم وتمتهن شيئاً آخر في المستقبل، لكن لاليتا تعود باكية في اليوم الأول، بعدما طلب منها المعلم أن تنظف الحجرة، رفضت فأدبها، وسخر منها زملاؤه الآخرون.
ثم جوليا، التي تُسيّر بصحبة والدها ورشة لصناعة الباروكات من شعر حقيقي، في صقلية، التي تجد نفسها في ورطة، بعدما دخل أبوها المستشفى إثر حادث بدراجته النارية، وتشرف الورشة التي ورثتها عائلتها عن جدهم على الإفلاس، في الوقت الذي تعرفت فيه على كمال، مهاجر هندي من السيخ، صادفته للمرة الأولى بينما كان رجلا أمن يحاولا اعتقاله، قبل أن يطلقا سراحه، سيكون قريباً منها طوال الحكاية، وسبباً في إخراجها من الأزمة التي صادفتها. والمرأة الثالثة هي سارة كوهين، محامية في مونتريال، فرطت بحياتها الشخصية من أجل النجاح المهني، تزوجت مرتين وتطلقت، وأم لثلاثة أطفال. تستيقظ كل يوم في الخامسة صباحاً وكل ثانية في حياتها محسوبة. تقضي وقتها بين أمومة ومسؤوليات، وطموح بأن تترأس مكتب المحاماة الذي تعمل فيه، إلى أن تكتشف حدثاً سوف يغير حياتها، بعدما أعلمها الطبيب أنها مصابة بالسرطان، وفي مرحلة متقدمة، فتتأزم حالها وتدخل صراعاً مع ذاتها، وتشرع في التفكير في شراء باروكة استعداداً لتساقط شعرها. النسوة الثلاث اللواتي تحكي عنهن الرواية، وعلى الرغم من تباعد أمكنتهن، ربطت بينهن الفرنسية ليتيسيا كولومباني (1976)، في باكورتها (صدرت ترجمتها عن المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2018) وابتكرت خيطاً يربطن بينهن وبين قصصهن.
سميتا، جوليا وسارة هن ميلرالتي تتشابك أقدارها في هذه الرواية، ثلاث نساء من ديانات مختلفة (هندوسية، كاثوليكية ويهودية)، لكنهن في النهاية يعشن أزمات متشابهة في صداماتهن مع الهيمنة الذكورية التي تطوقهن. لم تكتب ليتيسيا كولومباني قصصاً وكفى، ولم يكن غرضها متعة النص أو لذة التلقي عند القارئ ـ التي بلغتها ـ لكنها أرادت أيضاً أن تكتب من منطلق دفاع عن النساء اللواتي يتعرضن لتعنيف رمزي، لضغوط نفسية، فرضها عليهن الدين أو المجتمع أو القوانين. بطلاتها لا يتكلن على الرجال كثيراً، بل يتقبلن ما وصلن إليه، وعدا جوليا، فهن يردن النجاة بجلودهن بقدرتهن على التحمل والمقاومة. سميتا التي تذهب، في نهاية الرواية، لتقص شعرها في معبد هندوسي، لم تكن تعلم أن خصلاتها قد تُسافر إلى إيطاليا، وتتحول إلى باروكة، كما تعودت جوليا أن تصنع، ثم تصدر إلى كندا، لتغطي رؤوس نسوة أصابهن السرطان، كما هي حالة سارة.
تقول ليتيسيا كولومباني أن فكرة الرواية خطرت في بالها يوم دعتها صديقة لها، أصيبت بالسرطان، لمرافقتها في شراء باروكة، وقبل ذلك كانت قد زارت الهند، وتعرفت على وضع طائفة الداليت
في الطريق من الهند إلى كندا، مروراً بصقلية، تتحمل المرأة شقاء معيشتها، وتصير سبباً في التفريج عن أزمات نظيرات لها. كما لو أن الكاتبة تخبرنا أن ضعف امرأة ما ليس سوى وعد بنجاح امرأة أخرى، فكلما وصلت واحدة من نساء الرواية إلى عجز، بلغت الأخرى حلاً لمشكلتها.
تقول ليتيسيا كولومباني أن فكرة الرواية خطرت في بالها يوم دعتها صديقة لها، أصيبت بالسرطان، لمرافقتها في شراء باروكة، وقبل ذلك كانت قد زارت الهند، وتعرفت على وضع طائفة الداليت، ويبدو أنها، من الوهلة الأولى، وجدت الخلطة التي تؤسس عليها القصة، وأكثر شيء كان يهمها، من خلال مطالعة النص، هي الأحداث، التي تظهر متباعدة قبل أن نمسك بالنقاط المشتركة في ما بينها، لكنها أهملت ـ عن قصد ربما ـ الجوانب النفسية في «نسائها»، فهن يظهرن أقرب إلى بورتريهات سبق لنا وقرأنا أشياء تشبهها، شغلت الكاتبة نفسها بتوصيف حيواتهن الاجتماعية، ظروفهن الصعبة، رغم تفاوتهن الطبقي، وهيمنة الذكورية عليهن، لكنها لم تغامر بالتعمق في نفسياتهن، وذلك لا ينقص من قيمة الرواية، وسهولة تلقيها، بفضل ما أظهرته من قدرة على كتابتها بلغة فرنسية أقرب للكتابة الشعرية، نادراً ما نجد فيها جملاً طويلة، وأحياناً تفصل بين فصل وآخر بقصائد صغيرة.
هناك أيضاً مأزق وقعت فيه الكاتبة، عن غير وعي، بحيث أن «نجدة» سارة في كندا، تأتي من نساء هندوسيات فقيرات من الهند، وهن النسوة أنفسهن اللواتي ينقذن جوليا وورشتها في صقلية، هكذا تصير العلاقة باتجاه واحد، نسوة من عالم ثالث يساعدن نسوة من عالم متقدم، بدون أن يتجه سهم المساعدة في الاتجاه الآخر، قد لا تكون المؤلفة قصدت هذا الخيار، لكنها تعبر عن فكرة شائعة في التضامن «الانتقائي» بين النساء، هناك من يقدمن خدمات لأخريات، بدون أن يتلقين دعما في حال احتجنا إليه.
لن يصعب على القارئ أن يتمثل بطلات الرواية، كما يسهل أن ننقلهن من مدنهن إلى مدن أخرى، أو نسقطهن على عالمنا العربي، فالحالات متشابهة، وبعدما بدأت ليتيسيا كولومباني روايتها من مشاهد قاسية عما عانته سميتا وابنتها، التي عادت من المدرسة دامية وباكية، تختتم روايتها بمشهد متفائل، عن الأمل الذي لا تتخلى عنه أي امرأة، حين تجد سارة باروكة وتقتنع أن حياتها تستحق أن تعاش وألا تهملها بسبب طموحها المهني المُبالغ فيه: «تُفكر سارة بتلك المرأة في آخر العالم، في الهند، التي وهبتها شعرها، وبالعاملات الصقليات اللاتي فرزنه بصبر وعالجنه. تفكر بالمرأة التي جمعته. تقول في سرها عندئذ: إن الكون يعمل بانسجام لشفائها. وتخطر ببالها هذه العبارة من التلمود «من ينقذ حياة ينقذ العالم بأكمله». اليوم، العالم كله ينقذها، وتود أن تشكره».
٭ كاتب من الجزائر