رواية «الميراث»: حرب وشتات وذاكرة تصالح بينهما

حجم الخط
1

من الواضح أن «الواقعية السحرية» باتت موضة أدبية، من الماضي، لكن تعد من اهتمامات القراء، وكلما أردنا استحضارها عدنا إلى الأرشيف، إلى روايات قديمة، لاسيما لكتاب من أمريكا اللاتينية، ونستعيد المعلمين الأوائل من بينهم غابريال غارثيا ماركيز، نغرق بين صفحاته في تلك الشخصيات والأحداث النادرة والأمكنة العجيبة، وهناك من فكر في استعادة تلك الواقعية السحرية في قالب حديث، وعصرنتها، ونفض الغبار عنها، وإعادة تأهيلها إن صح التعبير، كاتب فرنسي من أصول لاتينية، يقف بين ضفتين، بين ضفة الأصول وضفة المنشأ، ونقصد في هذا السياق، ميغيل بونفوا، الكاتب الذي لم ينتظر كثيراً قبل أن يحقق صعوداً لافتاً في المشهد الفرنسي، على الرغم من حداثة سنه، فقد صارت أعماله ينتظرها النقاد والقراء على السواء، حيث استطاع أن يمسك بالخيط الضائع في الرواية الفرنسية، أن يُعيد لها دفق الحكاية ويحررها من سطوة الفلسفة والتأملات الفكرية التي أثقلتها في السنين الأخيرة.
ولا يُذكر اسم هذا الكاتب إلا وذكرت روايته (العلامة) التي كانت بمثابة شهادة ميلاده، وهي رواية «الميراث» التي وصلت أخيراً إلى العربية (عن دار كلمات، ومن ترجمة: عبد الوهاب الملوح). في هذه الرواية يصير الشتات ثيمة رئيسية بين أفراد عائلة، فرضت عليهم تداعيات كساد الأرض والموت المؤجل أن يختاروا سبيل الاغتراب، يهاجر الجد من فرنسا إلى تشيلي (مع أنها لم تكن مقصده، بل وصل إليها بمحض صدفة) ويخلف نسلاً ثم تتناسل معه الحكايات، فتصير رواية، حيث إن الحق في الكلام فيها ليس محصوراً في الأحياء وحدهم، بل الأموات أيضاً يصير لهم حضور ولسان، وينخرطون في سرد خيوط المغامرة العائلية.

مُزارع يبحث عن أرض

في البدء كان «لازار» الذي كان يستحم، في بيته، في تشيلي حين بلغه نبأ اندلاع الحرب العالمية الأولى، هذا المشهد الافتتاحي سيكون نافذة نطل منها على تاريخ عائلة بأكملها، فهذا الرجل استقر في تلك البلاد اللاتينية البعيدة بالصدفة، بعدما نوى الهجرة إلى كاليفورنيا، راحلاً إليها من فرنسا، وهو لا يحمل في جيبه سوى بضعة فرنكات وساق كرمة عنب، بعدما زحفت حشرات الفيلوكسيرا على مزارع بلاده الأصلية، فسببت خسائر في المزروعات، وصار يبحث عن أرض بديلة.
من هذا التفصيل على بساطته يضمر الكاتب تاريخ الهجرة الأوروبية إلى أمريكا اللاتينية، ففي القرن التاسع عشر بدأت أولى موجات المهاجرين، الذين زرعوا مجتمعاتهم في القارة اللاتينية، وتوالت من بعدهم أجيال إلى أن صرنا لا نفرق بين أوروبي، وساكن أصلي.
فميغيل بونفوا يستعين بحكاية عائلية حقيقية في استلهام شخصيات متخيلة، كيف أن أجداده المهاجرين، على الرغم من آلاف الكيلومترات التي تفصلهم عن أرض المنشأ، لم تتخلص ذاكرتهم من الماضي، لقد عاشوا بعيداً كي يزدادوا قرباً من أصولهم، بل إن لازار الذي فرّ من فرنسا سوف يرسل إليها أولاده للقتال، ومرة أخرى تشارك ابنة له في الحرب العالمية، وعندما يصل بينوشيه إلى الحكم إثر انقلاب 1973 لن يجدوا مأوى لهم ـ نظراً للتضييق الذي تعرض له الأجانب واتهامهم بالعمالة، فيعود الحفيد إلى فرنسا.
سيجد القارئ نفسه إزاء أربعة أجيال مختلفة، تتناوب في السرد، قصة تحيل إلى أخرى، كما لو أننا بصدد قطع بازل، بلغة مقتصدة لا تسرف في التفاصيل، لكنها لا تغفل عن جوهرها الشعري، لغة لا تبالغ في الجمل المطولة، بل تكتفي بالنزر الكافي منها قبل المرور إلى مشهد آخر، بل تصر على ألا تقيم حداً فاصلاً بين الواقع والمتخيل، بين الحلم والمعيش، وإذا علمنا أن مفتتح الرواية، كان حقيقيا، فما تلاه لا نعلم هل كان واقعاً؟ أم من مخيلة الكاتب؟ بحيث لا نفرق إن كانت سيرة، أم لملمة شتات حكايات، هل أراد توجيه تحية إلى أجداده أم أنه ابتدع قصصاً لهم على خلاف ما عاشوه؟ فالكاتب يراهن من البداية على خيط حكايات وإن تفرقت في ما بينهما، سيجمعها الانتماء إلى الدم الواحد.
رواية «الميراث» التي كتبت بشكل حلقات، كل حكاية فيها تدور حول نفسها، في توليفة حلزونية، قد تبدو من الوهلة الأولى أنها نص للفرجة، لمداواة النوستالجيا، واستعادة شذرات من حياة من رحلوا، لكن المؤلف أراد عكس ذلك، بل هي رواية موجعة عن حروب وعن أشباحها، عن الآلام التي تحرث قلوب المنفيين، عن اغتراب لم يكتمل، بحكم أن كل العائلة كانت تضع أرجلها بين بلدين، بين قارتين، تحيا يومياتها وهي تفكر في ما خلفته وراءها.

الحكاية بديلاً عن السجال

حين صدرت هذه الرواية، سرعان ما لاقت ترحيباً في الأوساط النقدية، على الرغم من أن كاتبها لم يكن من أسماء الصف الأول، كما إن دار النشر التي أصدرتها في باريس لم تكن من دور جادة الحي اللاتيني العريقة. كان من الممكن أن نفترض أن نجاحها يعود إلى فعالية آلة الترويج، التي تعرف بها بعض الدور القليلة في باريس. لكن ميغيل بونفوا أصدرها في دار لا سوابق لها في لعبة السوق، ولعل من أسباب التهافت عليها هو قدرتها على توليد الحكايات، كما لو أننا في قصص المغامرات الكلاسيكية، كما أنها تذكرنا في مقاطع منها بقصص الفتيان في براءتها وحيادها وفي تركيزها على الحدث بدل الزخرف اللغوي، دون أن نغفل أنها جاءت متحررة من ثقل السياسة، على الرغم مما يسودها من تفاصيل سياسية، وردت بشكل عام، ينخرط مع السرد دون استطرادات قد تجعل القارئ يشعر بالتكرار. هكذا خرج ميغيل بونفوا من سياق ما هو معتاد في الرواية الفرنسية الجديدة، التي أنهكتها الرمزية السياسية، وإسرافها في تحويل وقائع يومية وأحداث وأخبار طازجة إلى روايات، وطرح رواية تعيد القارئ إلى شغف القصص العائلية.

روائي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية