روبير سوليه في «وجوه مصر الحديثة»: حضارة ثقافية مكتملة إنسانياً برغم تعدديتها اجتماعياً

سمير ناصيف
حجم الخط
0

تختلف نظرة الكتاب غير العرب إلى العالم العربي والإسلامي، فكثيرون منهم يطرحون مواقف منحازة لتشويه صورة شعوب ودول هذه المنطقة، فيما يرسم آخرون صوراً مُضخمة يبالغون فيها في فبركة النجاحات التي حقّقتها بعض دول المنطقة، خصوصاً الغّنية منها. وهؤلاء، في معظم الأحيان، يختارون التوجّه الترويجي لدوافع مادّية أو سياسية تطرح حولها الشبهات.
بيد أن عدداً من المفكرين والباحثين الأجانب الذين عاشوا في منطقتي الشرق الأوسط والعالم العربي ودرسوهما بتعمق وعدم انحياز، حقّقوا كتباً ودراسات موضوعية ومفيدة وساهموا في تقديم صورة واقعية ومنورة للأجيال الحاضرة والمقبلة في العالم حول المنطقتين.
من هؤلاء، الكاتب الفرنسي روبير سوليه، الذي ولد في مصر وكرّس جزءاً كبيراً من كتاباته بالفرنسية لبلد ولادته العربي. ومن آخر كتبه «وجوه مصر الحديثة».


الأمر المفيد في هذا الكتاب ليس فقط ما يتضمنه من معلومات بل قالبه الذي يتناول فيه شخصيات سياسية وثقافية وفنية في وقت واحدٍ في فصوله المختلفة والمتنوعة، فبالإضافة إلى محاولات الكاتب تقييم سياسات قادة مصر الحاضرين والسابقين كالرؤساء عبد الفتاح السيسي وحسني مبارك وأنور السادات وجمال عبد الناصر وقادة آخرين حكموا مصر سابقاً أو برزوا داخلياً أو خارجياً فيها، فالكتاب يشمل فصولاً عن رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين وأم كلثوم ونجيب محفوظ وغيرهم. أي أنه يرى مصر كحضارة ثقافية مكتملة إنسانياً برغم تعدديتها اجتماعياً شملت عظماء في السياسة والعلم والفكر والفن والشؤون الاجتماعية. كرّس الكاتب عدداً لا يتجاوز العشرين صفحة في كتابه لكل من هذه الشخصيات التي لعبت دورا كبيراً في تاريخ مصر الحديث. ولكن هذه الصفحات، برغم قلة عددها، فإنها كانت غنية بالمعلومات والتحليلات وبما أنه ليس في المتسّع تناولها جميعاً في هذه المراجعة، فسيتمّ التركيز عما كتبه عن رؤساء مصر منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى الساعة، وخصوصاً تقييمه لمواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي أزاء قضايا بارزة. فقد اشار إلى ان السيسي كان صغيراً في السنّ عندما نشبت الحروب المصرية-الإسرائيلية الأخيرة. فهو ولد أواخر عام 1954 وكان في السنة الثانية من عمره لدى الغزو الثلاثي (انكلترا وفرنسا وإسرائيل) لمصر في حرب السويس في عام 1956 وفي التاسعة عشرة خلال حرب 6 اكتوبر 1973 حيث كان ينهي دراسته العسكرية في انكلترا. وبعد ذلك، عُين ملحقاً عسكرياً في اليابان والسعودية. وأمضى السيسي فترة تدريبّية (2006) في معهد الحروب العسكرية في ولاية بنسلفانيا الأمريكية. وبعدها باربع سنوات عُين في موقع قيادة المخابرات الحربية المصرية، وخرج إلى الضوء غداة سقوط الرئيس حسني مبارك عام 2011. وفي آذار (مارس) 2011 ارتبط إسم السيسي بمواجهات بين السلطة والثوار في شوارع مصر بحيث أساء الجيش معاملتهم، وتكرّر ذلك في تشرين الأول (اكتوبر) من العام نفسه.
ويعتبر الكاتب أنه على الرغم من الأخطاء وحوادث العنف التي وقعت عام 2011 لم يفقد الجيش المصري شعبيته، وظّل اسمه مرتبطاً بثورة الضباط الأحرار(1952) وبانتصاره في حرب 1973 (ص294 -295).
ويرى سوليه أن الجيش المصري يشكّلُ امبراطورية ودولة ضمن الدولة ومؤسّسة صامتة وكبرى تُعتبر الأقّل عرضة للفساد بالمقارنة مع مؤسسات مصرية أخرى.
وفي 13 آب (اغسطس) 2012 قرر الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، ولتقوية صورته كرئيس للدولة، تعيّين عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع في مكان المشير الطنطاوي، وقيل آنذاك أن أحد أقرباء السيسي (أحد أنسباء والده بالتحديد) كان عضواً فاعلاً في «تنظيم الإخوان المسلمين» مما رجّح كفتّه. (ص287).
ولكن الجيش، حسب سوليه، لم يكن مخترقاً عموماً من الإخوان المسلمين. بيد ان العلاقات بين مرسي والسيسي توترت منذ بداية 2013 عندما فرض مرسي إجراء منع التجول لمدة شهر في مدن بورسعيد والسويس والاسماعيلية إثر أعمال عنف وقعت لمناسبة الذكرى الثانيه للثورة، ولم يفعل الجيش الكثير آنذاك لفرض احترام القرار. كما ان أكثر الحانقين على مرسي كانوا قادة الجيش الكبار بسبب استضافة مرسي لأحد مدّبري عملية اغتيال الرئيس السادات ورغبته في ان ينتزع من الجيش ملفاً يتعلق بنزاع على الأراضي مع السودان، ناهيك عن قراره قطع العلاقات الدبلوماسية المصرية مع نظام بشار الأسد في سوريا في حين ان الضباط المصريين كانوا متضامنين مع نظرائهم السوريين. (ص298).
ولدى تشكيل نحو ثلاثين حزباً بين الأحزاب المعارضة الصغيرة «جبهة خلاص وطني» ودعوة وزير الدفاع آنذاك السيسي لإجراء حوار وطني في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2012 رفض الرئيس مرسي المشاركة في هذا الحوار متأثراً بمواقف قيادات «الإخوان المسلمين». فاعتبر السيسي هذا الرفض بمثابة تحدٍّ له، وبدأ يضع مزيداً من العصي في دواليب سلطة مرسي، كارتفاع وتيرة انقطاع الكهرباء واختفاء أو تقليص توافر الوقود. وفي نيسان (ابريل)2013 دعت مجموعة من الشبان إلى توقيع عريضة لسحب الثقة من الرئيس مرسي ولإجراء انتخابات رئاسية جديدة، فلم يحرك الجيش ساكناً لمنع ذلك. وبعد أسابيع قليلة أعلنت حركة تمرّدُ دعت المواطنين للنزول إلى الشارع والتعبير عن معارضة حكم الإسلاميين، فدخل السيسي علناً إلى المشهد. وبعدها، وقعت مجابهات بين مرسي وخصومه في محيط جامعة القاهرة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى.
وفي 3 تموز (يوليو) 2013 ظهر السيسي تلفزيونياً حيث «أعلن عزل رئيس الدولة مرسي». (ص299). وقد أدى التنفيذ المتقن لهذه التطورات (حسب المؤلف) إلى اعتبار ما جرى ثورة ثانية وليس انقلاباً عسكرياً، ودخلت البلاد مرحلة الهوس بالسيسي الذي طلب من المصريين تكليفا شعبياً لمواجهة الإرهاب. (ص300).
وفي تطورات لاحقة (حسب الكتاب) جرت محاكمة الرئيس مرسي وسجنه. وبعد اقصاء مرسي، تلقت القيادة التي حلت مكانه مساعدات بقيمة 12 مليار دولار من السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة، فتلك الدول كانت (وبخلاف قطر، حسب قول سوليه) تعتبر «تنظيم الإخوان المسلمين» بمثابة تهديد لها (ص302). وقد تردّد السيسي في القيام بخطوة الترشيح للرئاسة وأسر بتردّدة إلى الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل. ولكن في 26 كانون الثاني (يناير) 2014 ترشح للرئاسة وتعهد بمواصلة النضال ضد الإرهاب. في رأي سوليه فإن السيسي يركز حالياً على الأمن والاقتصاد ويعتبر الدول العربية غير مستعدة بعد للديمقراطية (ص305). ويعتبر المؤلف أن موقف مصر الحالي بالنسبة للنظام السوري يختلف عن موقف السعودية برغم الدعم المالي السعودي للنظام المصري. كما يختلف موقف مصر عن القيادة السعودية الحالية بالنسبة للحرب ضد اليمن والحوثيين.
ويتساءل الكاتب: «هل على رأس مصر اليوم عبد الناصر جديد؟ وخصوصا في جذورهما العسكرية وتأييد بعضُ الناصريين له وبينهم إبنة الرئيس جمال عبد الناصر البكر هدى؟». (ص309).
ويجيب بأنه ليست للسيسي هالة عبد الناصر الذي كان يلهب حماسة الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، فشعبية السيسي لا تتجاوز حدود مصر ولديه الهموم والمشاغل الكافية لئلا يزعم لنفسه بوصاية على العالم العربي. (ص310).
بالنسبة للرئيس الراحل حسني مبارك، فيعتبر المؤلف أن احتفاظ مبارك بالسلطة لمدة تسعة وعشرين عاما وأربعة أشهر جاء خلافاً لكّل التوقعات، وأن مبارك لم يكن ميّالاً إلى الخطوات الاستثنائية الجاذبة للأضواء، ولم يكن معبوداً أو مكروهاً من الجماهير حتى ان البعض تعجب من الانتقادات العنيفة التي وجُهّت إليه في انتفاضة كانون الثاني (يناير) 2011. وقد ظن كثيرون أن اغتيال الرئيس السادات في 6 تشرين الأول (اكتوبر) 1981 كان سيؤدي إلى انتفاضة شعبية، ولكن ذلك لم يحدث بسبب سياسات قمع وإعلانه حال طوارئ اعتمدها ونفّذها مبارك. وقد حافظ مبارك على سياسات السادات (حسب قول المؤلف) ولكنه طبقّها على طريقته الخاصة وبعد إعادة إسرائيل سيناء إلى مصر في نيسان (ابريل) 1982 عادت العلاقات المصرية مع البلدان العربية تدريجياً. وقد استغل الرئيس مبارك حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت عام 1982 ليدعم «منظمة التحرير الفلسطينية» بقيادة الرئيس ياسر عرفات وأعاد مبارك علاقة مصر بالسعودية ودعم العراق في حربه مع إيران، ولكنه اصطدم بتصلب الجزائر وليبيا وسوريا نحوه. ولم تعد مصر للجامعة العربية إلاّ عام 1990 (ص263).
وتزيدات المساعدات الأمريكية الضخمه إلى مصر بعد معاهدة السادات مع إسرائيل واستمرت إزاء مبارك. كما تواجدت تعدّدية حزبية في عهد مبارك، ولكن الحزب الحاكم «الحزب الوطني الديمقراطي» كان مهيمنا بشكل شبه كلّي على الساحة السياسية وكانت المعارضة الأساسية من كتلة الإخوان المسلمين. «واستخدام مبارك تلك المعارضة كفزاعة مفيدة جداً له إذ عرض نفسه على الدول الغربية حسب النظرية: إما هُمّ، وإما أنا. وكان الإخوان دائماً عرضة للاعتقال» (ص265). وتحولت في عهده مصر إلى الاقتصاد الخدماتي. بيد أن ما سُمّي «الخطر الجهادي» شجّع المحافظة على نظام بوليسي ابان حكم مبارك إتسمّ بالاعتقالات التعسّفية والاحتجازات لفترات طويلة من دون محاكمة عادلة.
وغضّت الدول الغربية النظر عن ذلك لاعتبارها مبارك حُصناً قوياً في وجه الخطر الإسلامي الجهادي المسّلح وشريكاً أساسياً في السلام في المنطقة خصوصاً كوسيط بين العرب والإسرائيليين وبين الفصائل الفلسطينية نفسها (ص270) واعتبرته الولايات المتحدة جزءاً أساسياً من سياستها الشرق أوسطية قبل إنطلاق ثورة «الربيع العربي» في مصر يوم 25 كانون الثاني (يناير) 2011 التي أدت إلى سقوطه.
وبالنسبة لنظام أنور السادات، فإن الكاتب يشير أن السادات كان على علاقة جيّدة بالإسلاميين السياسيين وبالإخوان قبل وبعد ثورة 1952. ولم يتوقع رفاق الرئيس جمال عبد الناصر بقاءه طويلا في منصب الرئاسة بعد وفاة الرئيس، ولكنه فاجأ الجميع، وبدّل معظم سياسات عبد الناصر الداخلية والخارجية وخصوصاً بانفتاحه نحو الغرب وإعلانه طرد المستشارين العسكريين السوفييت من البلد ورؤيته بأن أمريكا هي القوة العظمى الوحيدة في العالم. كما فاجأ الجميع بخوضه حرب تشرين الأول (اكتوبر) عام 1973 وزيارته إلى إسرائيل في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 وعقده مع قيادتها اتفاق سلام في 26 آذار (مارس) 1979أدى إلى اغتياله في 6 تشرين الأول (اكتوبر) 1981.
أما ماكتبه سوليه حول الرئيس جمال عبد الناصر فأهمه علاقة ناصر بالإخوان المسلمين التي كانت طبيعية، ثم توتّرت كثيراً بعد محاولة اغتيال تعرّض لها الرئيس المصري خلال كلمة كان يلقيها في الاسكندرية بعد مرور أسبوع على قبول بريطانيا الخروج من منطقة قناة السويس في 19 تشرين الأول (اكتوبر) 1954 واتهم الإخوان بتنظيمها. وبعد ذلك، تصاعد الضغط الأمني في عهده إلى جانب تصاعد دوره الوطني والإقليمي والعالمي. ويتناول الكاتب انتصار عبد الناصر في حرب السويس (1956) ثم التأثير السلبي على حياته وصحته بعد الغدر الأمريكي والغزو الإسرائيلي الذي أدى إلى خسارته حرب الأيام الستة لعام 1967.

روبير سوليه: «وجوه مصر الحديثة»
ترجمة أدونيس سالم
نوفل هاشيت، بيروت 2020
325 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية