روح المكان في بيوت القاهرة القديمة

هذا كتاب صغير هو الأول في سلسلة تصدرها دار المعارف المصرية تحت عنوان «سيرة القاهرة». صدر هذا العام 2025 بعنوان» بيوت القاهرة – ترحال في حكايا الحجر» للكاتبة ياسمين عبد الله. تسبق الكتاب مقدمة صغيرة بقلم عبد العظيم فهمي مؤسس ومدير مبادرة «سيرة القاهرة»، يلخص فيها كيف أن القاهرة التي مضى عليها أكثر من ألف عام، يتنوع تراثها المعماري والثقافي والفني والأدبي، ولا يزال الحجر في كل درب وزقاق وحارة وعطفة، يحفظ حكايات طازجة عن المدينة، ومن ثم جولاتهم التراثية الأسبوعية في أحياء القاهرة، وإنتاج سلسلة من الأفلام الوثائقية عن أحيائها ودروبها، ومشاريع أخرى في الإطار نفسه.
بالمناسبة آخر فيلم رأيته عن سيرة القاهرة بعيدا عن هذه السلسلة، هو فيلم «قاهرة بين القصرين» للمفكر المصري نزار الصياد أستاذ العمارة والتخطيط في جامعة كاليفورنيا، ومعه عبد العظيم فهمي وحسن حافظ، وهو فيلم شديد الجمال. فالقاهرة لا تُنسى في الداخل أو في الخارج، رغم قسوة التغيرات التي تجري فيها تحت اسم التطوير، فتقام الكباري في مناطق تراثية أو تتم إزالة المقابر من أجل الكباري، أو يتم إهمال عماراتها الخديوية القديمة لتقع يوما، ويقام مكانها مول أو عمارات عالية لا تناسب بيئتنا. سأبتعد عما يحدث وأدخل في الكتاب الذي أغراني بالقراءة. ما أكثر ما قرأت عن تاريخ القاهرة، لكني هذه المرة وجدت نفسي أمام تفاصيل صغيرة دقيقة، لها معانيها الإنسانية، التي قد تغيب عن الزائر إذا لم يكن معه مرشد سياحي يعرف ذلك، وهذا ما يفعله الكتاب.
تأتي مقدمة الكاتبة ياسمين عبد الله لتبدأ بداية درامية. تقول إن حكايتها مع بيوت القاهرة لها بدايات متعددة، أولها كانت مع مشربيات المتحف القبطي عام 2016 في ساعة عصاري، حين جلست على مصطبة المشربية لتربط حذاءها، فانتبهت إلى انعكاسات الشمس التي تفرقت مربعات صغيرة على حقيبتها، لترى المشربية بعين جديدة، وكانت كأنما تبصر الجمال لأول مرة. البداية الثانية كانت أثناء تدريبها في متحف الفن الإسلامي عام 2018، وبعد بقائها في المتحف بعد التدريب لساعتين أو ثلاث ساعات، تستكشف قاعات المتحف، فكانت المقتنيات بوابة أخرى لروح القاهرة. فبعض الأغراض العادية كالأطباق ومقابض الأبواب الأيوبية، كانت تتكلم في هيئة دعاء مكتوب عليها مثل «عز دائم» و»عز يدوم» وغير ذلك، ما جعلها تشعر إنها أمام حكايات ألف ليلة وليلة. ثم البداية الثالثة كانت لوحات المستشرقين التي صورت قاعات البيوت القاهرية الحقيقية والمتخيلة. وهكذا نجد أنفسنا كما قالت أمام المشاعر الإنسانية، لا الدراسات المعمارية التي ترضي شغف القارئ، رغم ما قدمته من معلومات معمارية وتاريخية مهمة جديرة بالتأمل.
من الفصل الأول ندرك إننا مع روح الإنسانية، فعنوان الفصل «القاهرة: المدينة البيت» بعد حديث عن كيف أنشئت القاهرة لتكون بيتا للفاطميين بعد الفسطاط والقطائع، التي تأثرت بمدينة سامراء العراقية في تخطيطها، كما استلهمت أيضا التأثيرات الفارسية والعباسية. وحديث معماري عن القاهرة بأبوابها وحيطانها وقصورها، وكيف كانت تضم خزائن للكتب وخزانة للبنود، أو الأعلام، وخزانة للسلاح وللفرش وغيرها من خزائن النفائس والغرائب. تعطي أمثلة مثل قصر الذهب الذي كان يضم قاعة الذهب التي تضم سرير الملك، أو ما عرف بسرير الذهب، وهو العرش الذي يجلس عليه الحاكم، ويستقبل كبار رجال دولته أو سفراء الدول الأجنبية، وكيف كانت القاعة تقام فيها الولائم الضخمة خاصة في شهر رمضان والعيدين. تمشي مع المدينة وكيف توسعت وتلاشت بعض الدور والقصور الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي، لكن قام غيرها، واستمر الأمر مع المماليك ثم العثمانيين الذين حرصوا على إبادة أعمال سابقيهم، لكن أنشأوا غيرها، فلم يبق مثلا من المرحلة الأيوبية غير القلعة الشهيرة، وبعض المدارس والأضرحة ذات القباب. كيف اتسعت المدينة لغير الملوك وصارت سكنا.

أمثلة من بعض السلاطين مثل بيبرس البندقداري الذي جمع أصحاب العاهات والمتسولين، ووضعهم في خان السبيل في الحسينية والصرف عليهم، أو كما فعل السلطان شعبان عام 1969 ميلادية حين أمر مماليكه وكبار التجار بإعانة المتسولين، وحدث الأمر نفسه مع الخديوي إسماعيل في عصر العثمانيين. كيف امتد الأمر إلى النساء من الأرامل والمطلقات والعجائز واليتيمات، فأنشئ الربط، أو البيت لإيواء النساء وكفالتهن. كيف انقسمت المدينة بين أماكن الصفوة والطبقات الأقل، في ما عرف بالرباع. تاريخ نشأة الرباع وتوسعها، وكذلك الأحواش ثم التكايا، واصل كلمة التكية التركي الموازي للخانقاه، أو الزاوية وكلاهما للتصوف والعبادة وشعائر الصوفية، نشأة الوكالات التي ينزل بها التجار والمسافرون، وكانت أشبه بالفنادق التي تحوي كل مخازن عرض الأعمال والحوانيت.
المهم ندخل في سمات البيوت منذ العصر المملوكي، وكيف تم فصل النساء عن الرجال كالسابق، وأمثلة من قصر بشتاك أو قصر الأمير طاز. في قصر بشتاك مثلا سطح مكشوف، وعلى يساره حجرة ذات سقف خشبي بديع يحوي زخارف، ووسط القاعة بحرة من الرخام الملون، كان يتدفق فيها الماء، تطل عليها إيوانات أربعة منها إيوانان للنساء يشاهدن منها الاحتفالات دون أن يكشفهن أحد، والأمر نفسه في قصر الأمير طاز. ينقلك هذا إلى تفاصيل أخرى للبيت القاهري الذي وصفه الرحالة الفرنسي جان تينو في القرن السادس عشر حين سكن في إحداها قائلا: «وجدت في الغرف نافورات ينبثق منها ماء بارد أو ساخن يجري في أنابيب مختفية، وعلى مقربة من المكان أشجار ونباتات كثيرة الفواكه، وكانت الأشجار تُرش كل صباح ومساء بماء النيل الذي تحضره الثيران والخيول».. البيت القاهري راعى خروج النساء القليل إلى الشارع، فوفر لهن كل ما ينهي الملل في حياتهن، ففي الفناء الشمس والقمر والنجوم منعكسة من تخاريم المشربيات. والمشربية كانت ست حسن البيت القاهري بتكوينها، وكيف تكشف ما أمامها وتفتح باب الخيال، ومنها ما يطل على سلاملك الرجال. ثم حديث عن المقاعد وكيف انتقلت إلى البيوت، والشخشيخة في الأسقف التي كانت ملقفا للهواء وتكوين كل ذلك، وكذلك الحمامات في البيوت بمداخلها الضيقة وأرضيتها الرخامية. تكوين البيت يجعله مستقلا يحتفظ بأسراره فالبيوت أسرار، وأمثلة من التاريخ مثل بيت جمال الدين الذهبي وبيت السحيمي الذي قال عنه جمال الغيطاني، إن العين لا تقع إلا على كل جميل في هذا البيت.

كذلك بيت الست وسيلة الذي صار بيتا للشعر الآن وبيت زينب خاتون وبيت الهراوي وبيت السناري، الذي صار تابعا لمكتبة الإسكندرية الآن، رغم وجوده في القاهرة وتقام فيه الندوات، والبيت الذي سكنه حسن فتحي القريب من مدرسة السلطان حسن وجامع الرفاعي ثم المسافر خانة. تفاصيل كل بيت ودلالتها الإنسانية، لتأتي لوحات المستشرقين، التي كانت حافلة بالحكايات المرئية مثل لوحة «الاستقبال» لجون فريد لويس. كيف كانت أزياء النساء الشرقيات وحليهن وطقوسهن في الحمامات وحياتهن اليومية في البيوت، من أهم موضوعات اللوحات، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى مثل هروب الشمس من تخاريم المشربيات على الحوائط والأرضيات، وتفاصيل ألوان السجاد والأرائك، والحركات والتعبيرات الناعمة للنساء مثل، ابتسامة خجلى، أو نظرة شرود طويلة على وجه امرأة خلف المشربية، واختلاف أصول النساء وتمايز ألوان بشرتهن أو ملابسهن. تعطي أمثلة في لوحات البريطاني فرانك ديلون، الذي زار مصر في القرن التاسع عشر، ولوحات متعددة له مثل لوحة مدخل بيت الشيخ المهدي، أو غيرها لمدخل آخر، ولوحة مقعد منزل المملوكي رضوان بك، أو لوحة للمنزل نفسه، وكذلك لوحة فناء أو حوش بيت الشيخ السادات، أو حريم الشيخ السادات. رؤية للوحات كما تراها وكيف مزج فيها الفنان بين الواقع والخيال فلم يكن لهم الحرية في التجول داخل البيوت. كلها لوحات تثبت التعددية وتجانسها العجيب ليصبح الجميع قاهريين.
ينتهي الكتاب ورحلته الجميلة مع روح البيوت، وكنت أتمنى أن يكون ملحق اللوحات ملونا وليس طباعة عادية بالأبيض والأسود ما أفقدها شيئا من معانيها ومشاعرها.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية