ريتشارد قلب الأسد والحروب الصليبية: شجاعة الهروب

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

ريكاردوس قلب الأسد (1157 ـ 1199) ملك إنكلترا باسم ريتشارد الأول، وكان الابن الثالث (الشرعي) لملك إنكلترا هنري الثاني من زوجته اليانور الأميرة الأكيتانية، الفرنسية. ولد في أكسفورد، لكنه في الثامنة من عمره لم يكن يتكلم الإنكليزية، بل الفرنسية، لغة أمه اليانور على عادة الطبقة العليا من المجتمع الإنكليزي، منذ دخول وليم الفاتح الفرنسي النورمندي، عام 1066، وفرضه اللغة الفرنسية لغة رسمية تاركاً “الإنكليزية الوسطى” لغةً لعامة الشعب.

يرتبط اسم ريتشارد قلب الأسد، كما كان يصر على تسمية نفسه بالفرنسية، بتاريخنا العربي الإسلامي باسم صلاح الدين الأيوبي، محرر القدس من الحكم الأوروبي الصليبي عام 1187. وإذ تحفل الكتابات التاريخية العربية بأوصاف بطولات صلاح الدين وأعوانه وجيوشه، مما يقوم على فكرة الجهاد الإسلامي والشهادة في سبيل الأراضي المقدسة، نجد الكتابات التاريخية الأوروبية مغرقة في تفصيلات الخصومات بين ملوك أوروبا وأمرائها، في إنكلترا وفرنسا وألمانيا، امتداداً إلى صقليا وقبرص: خصومات حول المساهمات المادية لدعم الحملات الصليبية، وحول الأراضي والقلاع التي يتوقع أولئك الملوك والأمراء الأوروبيون الحصول عليها لقاء مساهماتهم في الحملات الصليبية ذات الغطاء المسيحي البابوي. وكانت علاقات القربى والزواج وترشيح هذه الوريثة أو تلك للاقتران بهذا الأمير أو ذاك من المسائل التي أثرت كثيراً في مسار الحملات الصليبية، حتى أثناء المعارك، في حصار عسقلان مثلاً، حيث اندحرت جيوش الصليبيين، أو أثناء حصار عكا، حيث انتهت المعارك بعقد اتفاقية بين صلاح الدين وريتشارد، تسمح للمسيحيين الأوروبيين بالمرور نحو الأراضي المقدسة لممارسة طقوسهم الدينية، ولم يكونوا ممنوعين من ذلك على أيدي رجال صلاح الدين وجيوشه، ولكنها كانت ثمناً في الظاهر لانسحاب الصليبيين من عكا، ثمناً يحفظ ماء الوجه، تغطيةً على الاندحار.

كان ريتشارد مثقفاً، بمقاييس زمانه. وكان ينظم الشعر والأغاني بالفرنسية وبلغة “بروفنس” بلاد أمه اليانور أميرة آكيتين. وقد حكم عشر سنوات (1189 ـ 1199) لم يقض منها في إنكلترا أكثر من ثمانية شهور، إذ كان يتجول في جنوب غرب فرنسا، في منطقة “بروفنس” يتفقد الأراضي والقلاع من أملاك أمه، التي صارت إليه بعد حين. كان رجال السياسة الإنكليز في القرن الثاني عشر يأخذون على مليكهم أنه لا يتكلم الإنكليزية، وأنه على الرغم من تدينه الظاهر وولائه الشديد للكنيسة والبابوية، كان سيء المزاج، سريع الغضب، معتداً برأيه، شرهاً في علاقاته الجنسية. وفي النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت بعض الدراسات التي تقول إن الملك الفرنسي ـ الإنكليزي كان “مثلياً”، إلى جانب إفراطه في النشاط الجنسي. وتشير بعض الدراسات بالفرنسية إلى عنف ريتشارد وقسوته الوحشية في الحروب. من ذلك أنه في إحدى المعارك ضد قوات فرنسية من الشمال، استطاع أخذ إثني عشر فارساً فرنسياً أسرى. وبعد مفاوضات وافق على إطلاق سراح أولئك الأسرى، بعد أن فقأ عيونهم جميعاً، إلا واحداً، فقأ عينه الواحدة وترك الثانية ليستطيع قيادة الأحد عشر فارساً إلى مضارب جيش العدو!

على الرغم من هذه الصفات، نجد الكتابات التاريخية الأوروبية جميعاً، وليس الإنكليزية وحدها، تشيد ببطولات ريتشارد وتدينه الشديد، وشعاره باللاتينية “الله وحقي” وهو النقش المحفور على تمثاله الفخم المقام عند بناية البرلمان في لندن. وعندما تسلم ريتشارد العرش، منع اليهود من حضور حفل تنصيبه وطردهم من لندن، فسرت كراهية اليهود بين الشعب، استمراراً للكراهية والاضطهاد مما بدأه الملك ادوارد الأول، واستمرت الكراهية والاضطهاد، حتى بلغت أوجها في عهد ادوارد الثالث. وسبق أن حصر مئات اليهود في مدينة “يورك” وقتل منهم أكثر من مئة يهودي عام 1190. وبقيت هذه الكراهية على امتداد 350 سنة (هل يمكن أن نسأل: لماذا؟) ولم يستطع اليهود العودة إلى لندن وإنكلترا إلا في عهد أوليفر كرومويل عام 1657. ونسأل ثانية، وثالثة، و… لماذا؟ هل كان أولئك الملوك مع شعوبهم من “أعداء السامية؟”.

ويوم تحررت القدس على يد صلاح الدين عام 1187 تحركت في نفس ريتشارد الأول، قلب الأسد هذا، عواطف مسيحية في ظاهرها، وغير ذلك في حقيقتها، فبدأ بالتحضير لحملة صليبية ثالثة، وراح يبيع الأراضي والقلاع وكل ما يوفر له المال لتلك الحملة البابوية. وفي صيف 1190 صرح بأنه مستعد لبيع لندن لو استطاع أن يجد من يشتريها! هكذا كان قلب الأسد يستعد لتحرير بيت المقدس من أيدي المسلمين. بدأ الملك رحلته بجيوش جرارة نحو قبرص أولاً، ليتخذها مركز تموين وإسناد، وانطلق نحو عكا في 8 حزيران/يونيو 1191. وبدأت المعارك مع جيوش المسلمين بين كر وفر، فسقطت مدن واستعيدت أخرى، مثل عسقلان وعكا، إلى أن اضطر قلب الأسد لعقد اتفاق شبه هدنة مع صلاح الدين عام 1192. وبعد أن ثقل عليه المرض اضطر للعودة إلى إنكلترا في 9 تشرين الأول/أكتوبر من تلك السنة، وكانت القدس على مرمى النظر منه. لكنه كان يدرك صعوبة، بل استحالة الوصول إليها في وجه مقاتلين أشداء يدفعهم إيمان ديني صحيح، لا تشوبه أطماع مادية دنيوية.

بدأ الملك الفرنسي ـ الإنكليزي رحلة العودة عن طريق قبرص، التي ما كاد يقترب منها حتى هبت عواصف بحرية حطمت سفينته مع سفن أخرى. فاضطر إلى سلوك الطريق البري في وسط أوروبا، حيث عدد من الملوك والأمراء يتربصون به، وقد سبق أن أهان بعضهم، واستولى على أملاك آخرين، وتنازع مع غيرهم بسبب المصاهرة وغير ذلك… سار الملك متخفيا بزي راهب، ومعه ثلةٌ من “أصحابه الرهبان”. ولكن ما لبث أن افتضح أمره، فألقي القبض عليه قرب فيينا قبيل عيد الميلاد عام 1192، ووضع في قلعة “دورشتاين” أي الصخرة الجرداء المنيعة، قرب المدينة، وبقي سجينا لمدة سنتين، بإشراف دوق اوستريا ليوبولد الخامس. وفي السجن راح ريتشارد قلب الأسد، الذي غدا قلباً كسيراً، ينظم الشعر والأغاني باللغة الأوكسيتانية والفرنسية، يندب فيها حال السجين الذي لا يسأل عنه أحد. وتذكر بعض المراجع التاريخية أن أحد الشعراء التروبادور من معارفي الملك كان قد نظم قصيدة بالاشتراك مع الملك، لا يعرفها سواهما. فراح ذلك الشاعر يمر بالقلعة ـ السجن، وينشد تلك القصيدة المشتركة، ويستجيب الملك لها. فبلغ ذلك أسماع الحكومة في لندن الذين كانوا يجهلون مصير مليكهم على امتداد سنتين منذ انتهاء المواجهات في فلسطين. وبعد مفاوضات مع دوق أوستريا استطاع الإنكليز دفع فدية لتحرير مليكهم مقدارها مئة وخمسون ألف مارك وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الدخل السنوي للمملكة الإنكليزية. وقد قام دوق أوستريا باستعمال هذه الأموال في بناء مدينة قرب فيينا سماها “مدينة فيينا الجديدة” (فينر نويشتات) وفيها كاتدرائية كبيرة تستقطب الزوار لأهميتها التاريخية. وبعد إطلاق سراح الملك بعد سنتين من السجن، عاد ريتشارد عام 1194 إلى لندن ليعود إلى المشاحنات والخصومات مع الملوك والأمراء في أنحاء أوروبا، واستمر على ذلك طوال خمس سنوات حتى وفاته عام 1199، في أحضان أمه اليانور الآكيتانية، فقد كان أبنها الأثير.

قد لا تكون بعض الروايات عن ريتشارد وصلاح الدين وحروب تحرير بيت المقدس مما تؤكده بعض الروايات والأبحاث التاريخية. تذكر بعض المراجع الفرنسية أن إحدى الأميرات الفرنسية في الحملة الصليبية الثالثة كانت شديدة الإعجاب بصلاح الدين فوقعت في غرامه، وقيل تزوجت منه! وفي رواية عن موت ريتشارد أنه كان يراقب أعمال إقامة قلعة، فباغته سهم مسموم في كتفه الأيسر، أطلقه فتى من سور القلعة، فسرى التسمم في جسد الملك، وما لبث أن قضى عليه.

ملك بمثل هذه الصفات التي يسبغها عليه المؤرخون الأوروبيون يهرب من المعارك متنكراً بزي راهب، يسجن، ويحرر بفدية كبيرة، يقتله سهمٌ مسمومٌ أطلقه فتى، انتقاما لمقتل أبيه على يد الملك! واعجبي!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية