دعا صحافي وكاتب أمريكي بارز متخصص في الشؤون الإيرانية إلى التفاعل المباشر بين الشعبين الإيراني والأمريكي من أجل التوصل إلى تفاهم سياسي واقتصادي بينهما إذا أصرت قيادتا بلديهما على التصعيد من الجهتين مما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية قد تدمر منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم. ووردت هذه الدعوة في الصفحة الختامية لكتابه الأخير عن إيران.
وقد أشار الكاتب انه إذا استمر التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، وقصفت أحدى هاتين الدولتين مواقع حيوية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن إيران سترد عسكرياً وقد تشجع عدداً من حلفائها في المنطقة (من حزب الله وحماس ودول مؤيدة للمقاومة ضد إسرائيل) على إطلاق صواريخ دقيقة ومركزة ضد مدن ومواقع إسرائيلية، وقد تغلق مضيق هرمز مجمدة حركة النفط العالمي بالإضافة إلى إمكان تشجيع طهران على تنفيذ عمليات إرهابية في الولايات المتحدة وفي البلدان المتحالفة معها ضد أهداف فيها.
وأكد ارليخ، الذي زار إيران وقابل قيادات فيها في عشر مناسبات بين عامي 2000 و2017 أن إدعاءات بلده أمريكا وقيادتها الحالية بأنها تدعم المجموعات المعارضة في إيران من أجل نشر الديمقراطية فيها، باطلة وأن أي مسؤول في قيادة دونالد ترامب يساهم في الترويج لمثل هذه السياسات ضد طهران ينفذ مشيئة النخبة الإسرائيلية الحاكمة والمؤيدة لبنيامين نتنياهو وحزب الليكود والمجموعات المتطرفة المتحالفة معهما.
وبما أن الحكومة الإسرائيلية حالياً لن تنفذ ضربة عسكرية أو قرارات متهورة بالنسبة إلى الاستيلاء على أجزاء من الضفة الغربية من دون موافقة واشنطن، وبما أن الدول الأوروبية وأكثرية دول العالم لا تؤيد مثل هذه السياسات الخطيرة، فإن ارليخ يدعو في كتابه قيادات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي إلى لجم ومحاصرة مثل هذه المواقف التي دفعت قيادات المحافظين الجدد في السلطة الأمريكية لاتخاذها والتي مهدَ لها مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون ومعاونوه الذين مارسوا مواقف متطرفة وعدائية في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وتركيا على شاكلة اليوت ابراهامز وجون هانا وغيرهما من بقايا نظام جورج بوش الابن وديك تشيني (ومنهم ممن ما زالوا يحتلون مناصب في إدارة ترامب).
في الفصل الرابع، يُظهر ارليخ معرفته الوثيقة بالتاريخ السياسي الحديث للتحالفات في منطقة الشرق الأوسط حيث يقول في الصفحات (81 إلى 83) إن إسرائيل أيدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في حربها مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي ووفرت لإيران آنذاك أسلحة أمريكية الصنع متطورة في خضم عملية (إيران ـ كونترا) التي نفذتها الإدارة الأمريكية بموافقة ومشاركة تل أبيب في منتصف الثمانينيات. ويقول في الفصل الخامس إنه وفي آب (أغسطس) عام 1985 زودت إسرائيل طهران بمئة صاروخ مضاد للطائرات كدفعة أولى في نطاق عملية (إيران ـ كونترا) وأضافت إليها عتاداً وقطع غيار لأجهزة عسكرية إيرانية قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، وبالتالي خالفت إسرائيل (بمشاركة إدارة رونالد ريغان الأمريكية) عبر هذه العملية القوانين الأمريكية لكون إدارة ريغان لم تبلغ الكونغرس الأمريكي بها (ص 113).
ويؤكد الكاتب أنه قابل مسؤولين إيرانيين في طهران أكدوا له أنهم تسلموا في تلك الفترة أسلحة إسرائيلية أمريكية الصنع من القيادة الإسرائيلية وان هذا الأمر كان من “ضرورات ترجيح كفة إيران في حربها مع صدام” (ص 114).
ولكنهم (أي القادة الإيرانيين) قالوا له أيضاً أن إدارة ريغان بدلت توجهها في نهاية الحرب الإيرانية ـ العراقية وقررت ترجيح كفة النظام العراقي وإثارة الأزمات مع إيران عبر إسقاط بارجة حربية أمريكية لطائرة مدنية إيرانية في تموز (يوليو) 1988 ما أشعل مواجهة إيرانية مع الولايات المتحدة (ص 115).
وقد يكون من المفيد التأكد من دقة ما وردَ في كتاب ارليخ عن هذا الموضوع عبر خبراء ومسؤولين إيرانيين.
ويشير الكاتب إلى ان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين (الذي اغتيل عام 1995) دعمَ علاقة جيدة بين تل أبيب وطهران قبل تسلم الجمهورية الإسلامية الإيرانية السلطة هناك وبعد ذلك. فقد أيد رابين علاقات جيدة مع طهران خلال نظام الشاه أثناء ولاية رابين كرئيس للوزراء بين عامي 1974 و1977 وفي قيادة رابين للحكومة لاحقاً بين عامي 1992 و1995 أي قبل اغتياله بقليل (ص 83). وهنا أيضاً من الضروري التأكد إزاء ما قاله ارليخ عن علاقة رابين مع الجمهورية الإسلامية بين عامي 92 و95.
ويؤكد الكاتب أن وهم قيادة إسرائيل خلال تسلم حزب الليكود السلطة في الكيان الإسرائيلي (خلال حكومات بيغن وشامير وشارون ونتنياهو) بأن التفوق الأمني الإسرائيلي سيحل المشكلة مع القيادة والشعب الفلسطيني ومع داعميهم، كإيران وسوريا والدول والمجموعات المؤيدة للمقاومة، في غير محله، وأن إضعاف حزب الله اللبناني وحماس والمقاومة الفلسطينية والعربية عموماً سيؤدي إلى الطمأنينة والسلام ليهود العالم وإسرائيل هو حلم يصعب تحقيقه. فالحل (بالنسبة لارليخ) هو التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية (ص 86).
ويستشهد الكاتب في أكثر من مناسبة بآراء ومواقف الكاتب والصحافي الأمريكي الموضوعي التوجه بالنسبة إلى القضايا العربية سيمور هيرش.
ومن هذه المقاطع ما كتبه هيرش في صحيفة “نيويوركر” الأمريكية عن أن إدارة جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني (وأحد أركان تلك القيادة جون بولتون) كانت مشاركة في تخطيط استقطاب رد عسكري لحزب الله على مناوشات افتعلتها إسرائيل مع الحزب في عام 2006 بحيث كان بوش الابن وتشيني على قناعة بانه إذا قاوم حزب الله فإن حملة جوية إسرائيلية مدعومة أمريكياً ستؤدي إلى القضاء على مخاوف إسرائيل الأمنية وستنجز هجوماً أمريكياً إستباقياً ضد إيران لاحقاً لتدمير مرافقها النووية، ولكن قوة رد حزب الله ومقاومته الأرضية والصاروخية أفشلت هذا الهجوم (ص 93). ويضيف ارليخ مستشهداً بهيرش كانت إسرائيل تأمل أن يؤدي قصفها لحزب الله إلى دفع اللبنانيين، من غير المسلمين الشيعة المؤيدين للحزب، إلى لومه على إشعال الحرب في عام 2006 وبالتالي عزل الحزب سياسياً. ولكن هذه الاستراتيجية الخاطئة، التي ما زالت بعض القيادات الأمريكية والإسرائيلية تسعى إليها حالياً، انعكست سلباً ودفعت القسم الأكبر من اللبنانيين إلى التهليل لحزب الله لكونه رد بفعالية على الاعتداءات الإسرائيلية. ومن الواضح (حسب الكاتب) “ان حزب الله ربح حرب 2006 سياسياً” (ص 95).
وفي الفصل السابع، يقول ارليخ إن قيادات الولايات المتحدة السابقة (والحالية) تدّعي أنها تدعم المنظمات غير الحكومية والحركات المعارضة ذات الطابع الأثني والديني الأخرى في إيران من أجل التوصل إلى “نظام إيراني أكثر ديمقراطية” ولكنها في معظم الأحيان تشجع العمليات الإرهابية والاغتيالات ضد النظام التي تؤدي إلى توقيد وتأجيج الصراعات وتصعيد التطرف وإلى تكثيف تكاتف الإيرانيين ضد الأجانب وسياسات دولهم العدائية (ص 155).
ويعود ارليخ إلى الاستشهاد بسيمور هيرش في هذا الفصل حيث يقول: “لقد أكد هيرش أن الولايات المتحدة ترعى أعمالاً إرهابية في عدة أماكن من إيران. ولقد أسس النظام الأمني الأمريكي (الاستخبارات والبنتاغون) علاقات خفية مع الأكراد والأذريين والقبائل البلوشية والإيرانيين من أصل عربي وشجع جهود هذه المجموعات لإضعاف سلطة النظام الإيراني في شمالي وجنوب شرقي البلد، كما في العاصمة والمدن الكبرى” (ص 157).
ويعبر ارليخ، استناداً إلى مقابلاته مع مسؤولين إيرانيين كبار، سابقاً وحالياً، ان قيادات أمريكا لا تفهم سيكولوجية الشعب الإيراني، فقد أبلغه القائد الإيراني الراحل أبراهيم يزدي (كان وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية سابقاً) في مقابلة معه في أواخر عام 2006 أنه عندما تهدد أمريكا بعمل عسكري ضد إيران أو تقترف مثل هذا العمل فالإيرانيون يتكاتفون، وعندما تمول الولايات المتحدة العمليات الإرهابية في إيران فهي تقدم حبل النجاة للحكومة الإيرانية (ص 158). ومع أن يزدي توفي عام 2017 فإنه كان من حكماء إيران الراحلين، حسب قول الكاتب.
وبالنسبة للثورة الخضراء في إيران في عام 2009 التي انطلقت بعد “تزوير السلطة” نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي كانت قد أتت في مصلحة المرشح مير حسين الموسوي والتي خشيت السلطة من تحولها إلى ربيع للإصلاحيين على حساب المتشددين في البلد، يشعر القارئ بأن الكاتب متعاطف مع تلك الحركة وانه يعتبر أن تزوير تلك الانتخابات شكّل خطوة سلبية للنظام وأن ترجيح كفة المرشح محمود أحمدي نجاد في تلك الانتخابات لم يكن في مصلحة النظام الإيراني.
كما من الواضح أن ارليخ ليس من مؤيدي التوجه المحافظ في إيران، ولكنه يدرك بأن مثل هذا التوجه ازداد ويزداد قوة عندما لا تتفاعل الإدارة الأمريكية وحلفاؤها مع مبادرات على شاكلة مبادرات الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي والرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني الانفتاحية تجاه الغرب وتجاه “الخصوم” الإقليميين في الدول العربية الخليجية التي تتجه أكثر فأكثر نحو الامتثال للاملاءات الأمريكية الرسمية الخاضعة لإسرائيل وكبار المتمولين اليهود الأمريكيين. وهؤلاء يحاولون تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني عبر تمويلهم للحملات الرئاسية الأمريكية الداعمة للتوجه الشديد التطرف في إسرائيل وللتصعيد ضد إيران ولتعطيل قدرة أي جهة في الشرق الأوسط على الانفتاح باتجاه الجهات الأخرى في سبيل الحلول العادلة في المنطقة.
ويشير الكاتب في الفصل الثامن من الكتاب إلى اقتناعه بإن الشعب الإيراني سيحقق التغيير الجذري في بلده على طريقته وفي توقيته وليس تحت الإشراف الأمريكي والاملاءات الإسرائيلية والإعلام الأمريكي المنحاز، الذي يتطرق إليه بالتفصيل في الفصل الحادي عشر. وينبه الشعب الأمريكي إلى ضرورة عدم الانخداع إزاء ما انخدع به سابقاً عندما غزت أمريكا العراق في عام 2003 بحجة امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل.
ريز ارليخ: “أجندة إيران اليوم”
ترجمة: رامي الريّس
الدار العربية للعلوم “ناشرون”، بيروت 2019
270 صفحة.