السينما المصرية والعربية بمختلف تصنيفاتها التسجيلية والوثائقية والروائية الطويلة والقصيرة، جميعها اهتمت بالسير الذاتية للزعامات السياسية والتاريخية، وسواء كانت الشخصية الزعامية موضوعة داخل إطار درامي أو موثقة بطبيعتها الذاتية في فيلم سياسي أو حربي أو أي نوع آخ، فإنها في كل الحالات تحمل خصوصية ما وتتمتع بقيمة كبيرة وعناية فائقة لأنها تُشير إما لمرحلة زمنية أو حدث مهم أو فكرة إنسانية أو ثقافية أو علمية.
في العديد من الأفلام الروائية الطويلة جرى تناول الشخصيات التاريخية كأبطال محوريين للأحداث، وحمل الفيلم الروائي جينات التسجيل والتوثيق لاقتراب الحدث الدرامي من الفكرة التاريخية وامتزاجه بالتفاصيل الإنسانية والذاتية للشخصية الزعامية المراد التعبير عنها، وقد حدث ذلك في أفلام كثيرة روائية كان من أهمها فيلم «مصطفى كامل» للمخرج أحمد بدرخان والذي وثق لحياة الزعيم الوطني مصطفى كامل الذي قاوم الاستعمار الانكليزي بالتنديد عبر صحيفة اللواء التي أسسها أوائل القرن الماضي وترك أثراً واضحاً في الحركة الوطنية المصرية والعربية وجعل للكلمة الصحافية المكتوبة اعتباراً بالغ الأهمية.
والغريب أن الممثل أنور أحمد الذي قام بدور الزعيم الوطني ونجح في تجسيد الشخصية بشكل كبير بدأت مسيرته الفنية وانتهت عند هذا الدور، ولكن بقي الفيلم كإبداع ومحتوى وثيقة سينمائية يُشار بها إلى نضاله الوطني وكفاحه ضد المحتل وضد المرض العضال الذي أنهى حياته وهو في ريعان شبابه عام 1908.
كذلك جاء الفيلم التسجيلي «النسر الشهيد» الذي كتبه الكاتب الراحل مكاوي سعيد وأخرجه سامي إدريس حافظاً لسيرة ومسيرة الشهيد البطل الفريق عبد المنعم رياض الذي لقي مصرعه على أثر ضربة غادرة من العدو الإسرائيلي أثناء تواجده على الجبهة في الأيام العصيبة لحرب الاستنزاف بمرحلة الستينيات التي شهدت سنوات من المواجهة والعنف بين الطرفين.
الفيلم المذكور تطرق بالأساس إلى تفاصيل الاستشهاد وعرج بطبيعة الحال على الخلفية العسكرية والقتالية للبطل ومر مرور الكرام على حياته الشخصية، نشأته وسماته وأهم ما يُميزه كإنسان ومُقاتل وقيادة عسكرية اشتهرت بالبساطة والتواضع والإقدام وحُب الشهادة في سبيل الوطن وقد نالها بالفعل فصار مثالاً للنُبل والشجاعة.
من الزعامات التاريخية أيضاً التي اهتمت السينما بسيرهم الرئيس جمال عبد الناصر كأشهر من وثقت السينما والدراما حياتهم وانتبهت إلى تاريخهم الشخصي والنضالي والسياسي، فهناك عدة أفلام ومُسلسلات اجتهد أصحابها في الإلمام بتفاصيل حياة عبد الناصر بأشكال مُختلفة، بدءا من فيلم «جمال عبد الناصر» للمخرج السوري أنور قوادري والذي جسد فيه دور البطولة خالد الصاوي وانتهاءً بالفيلم الشهير «ناصر 56» للمخرج محمد فاضل والكاتب محفوظ عبد الرحمن والبطل أحمد زكي، مروراً بالمسلسل الذي قام ببطولته مجدي كامل والآخر الذي أسندت بطولته لجمال سليمان، غير أن هناك فيلماً وثائقياً عالمياً مهماً بعنوان «جمهورية ناصر» للمخرجة الأمريكية ميشال غولدمان وهو الذي أثار جدلاً واسعاً عند عرضه ضمن برنامج البانوراما الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي في عام 2016 حيث اختلف الجمهور والنقاد حول محتواه والغرض منه فتم التشكيك في النوايا السياسية للمخرجة كونها أمريكية، وبعيداً عن ملابسات الاختلاف والاتفاق أعتبر الفيلم واحداً من الوثائق السينمائية التي سجلت تاريخ جمال عبد الناصر من وجهة نظر مُغايرة.
وقد سبقت هذه التجربة الوثائقية تجارب أخرى مصرية وعربية يأتي على رأسها تجربة المخرج اللبناني سايد كعدو الذي قدم ما يشبه البانوراما الحية عن تاريخ ناصر السياسي والزعامي بقدر كبير من التأييد والمُحاباة المُستندة لحيثيات كثيرة تم ذكرها في متن الفيلم، هذا بالإضافة إلى أكثر من رؤية سينمائية أخذت الطابع التسجيلي والتحليلي للمخرج وكاتب السيناريو المصري أحمد فؤاد درويش الذي عمد إلى توثيق حياة عبد الناصر بشكل فني وإبداعي في فيلم «جمال عبد الناصر الأمس واليوم وغداً» وفي فيلم آخر يحمل سؤالاً افتراضياً «ماذا لو عاش جمال عبد الناصر» ويقصد بالعنوان المُثير أن هناك مُتغيرات كثيرة جرت في الحياة السياسية فماذا كان يصنع عبد الناصر إزاء هذه المُتغيرات لو ظل على قيد الحياة إلى الآن؟
ومن العنوان يُستنتج رأي المخرج وهو نقد الممارسات السياسية الآنية على الصعيد الدولي واشتباكه معها بطريقة إبداعية مُبتكرة من خلال طرح النموذج السياسي والتاريخي الأوضح من وجهة نظره والمُتمثل في شخصية جمال عبد الناصر.
نأتي إلى ما أنتج من أفلام ومُسلسلات عن الرئيس أنور السادات وبالطبع يحتل فيلم «أيام السادات» للمخرج محمد خان الصدارة بوصفه العمل الأكبر الذي تناول السيرة الذاتية للسادات بشكل مُباشر ومن زوايا مُتعددة ونجح أحمد زكي نجاحاً كبيراً في تجسيد الشخصية والاقتراب من تفاصيلها وتقريبها للجمهور المصري والعربي في حدود وعيه بها وما أتيح له من معلومات حول صفات الرئيس وخصائصه وما يُميزه، ولا شك في أن أحمد زكي بذل قصارى جهده في الوصول إلى أفضل النتائج المُمكنة لخروج الشخصية الدرامية بالشكل القريب من الواقع.
أما على المستوى الدرامي فليس هناك عمل كامل يتناول مشوار الرئيس السادات وإنما كل ما ورد في المُسلسلات التلفزيونية جاء مُتضمناً في أعمال ذات صلة بطرق وأساليب غير مباشرة، حيث تم الإلماح لشخصيته في سياق مُعين بمشهد أو مشهدين أو عدة مشاهد تُفيد المعنى حسب الرؤية والغرض.
وهكذا انحصرت الرؤى الإبداعية للزعامات التاريخية كما بيناها في بعض الأفلام والأعمال الدرامية وفق وجهات النظر والشكل الفني المُحدد لكل شخصية على حدة، وفي كل الأحوال مثلت النماذج على اختلاف أنماطها توثيقاً مهماً للسير الذاتية والمراحل التاريخية.