من المؤكد أن الحديث الذي أذيع مسجلا للمشير عبد الفتاح السيسي المرشح الأكثر حظا في الانتخابات الرئاسية المصرية، هو الحدث الذي يفرض نفسه على الصورة الحالية في مصر، لأنه يمتد من الماضي القريب للحاضر المعاش والمستقبل القادم، ويمد أمامنا خيطا من الاتصال والانقطاع بين مصر التي كانت ما قبل الثورة، ومصر التي أصبحت بعدها، ومصر التي تراوح بين الماضي والحاضر.
ويصبح للقاء المشار إليه موقعه المهم وسط الحديث عن مصر التي كانت والتي نرجوها..’ولكن لأن مصر ليست واحدة، ولأن كلا منا له تصوره عن مصر التي يرجوها، فإن رؤية كل طرف للقاء وقبوله أو رفضه يتوقف على اعتبارات كثيرة، منها تصورنا عن الوطن المراد وطرق الوصول إليه. فمصر عبد الناصر للبعض هي غاية المراد، ومصر مبارك للبعض الآخر هي أفضل الأمنيات، ومصر الثورة للبعض هي مصر المشتهاة،’ حتى مصر مرسي لها حظها من أمنيات البعض لما يمكن أن تمثله من نقطة تحول في مسار الثورة، أو لقدرتها على تدشين مصر ذات طابع إسلامي وفقا للبعض..’وان اختلفت القراءات حول تفاصيل كل حالة، ولكنها تظل جزءا من الصور التي توجد في المشهد الحالي وتشكل المواقف المختلفة التي تفسر وتقبل وترفض ما يحدث.
ولأن كل طرف ينظر للحظة بطريقته فانه يتعامل مع الانتخابات كفكرة، ومرشحيها بنفس الطريقة.’وبهذا خرج البعض يحمد الله على المرشح الذي جاء لمصر من كتب الأساطير وحلق بجناحيه مستعدا للنزول في الانتخابات والسير في شوارع الوطن، قبل أن يعود فيحلق مرة أخرى فيخضر اليابس، وتجرى الأنهار، ويزداد الخير والازدهار..’فيشبع الجائع ويتحسن الاقتصاد وتعتدل الحياة وتستقر السياسة ويعم الخير والسلام ويرضخ الإعداء ويفرح الاصدقاء وتصبح مصر ببطلها الأسطوري قصة نجاح قل ان تتكرر في كتب التاريخ. وعلى النقيض من صورة البطل الأسطوري، لا يرى البعض في المرشح الرئاسي إلا الاستيلاء على السلطة من الرئيس المنتخب، والشخص الذي اعاد أعداء الثورة الى الواجهة، ورد الاعتبار لكل من أهان الوطن يوما بما فيه مبارك نفسه.’ويراه البعض هنا بوصفه ضمن الملطخة أيديهم بدماء المصريين بتجاوزات تمتد من كشوف العذرية لأحداث رابعة والنهضة والدماء التي سالت ولم تجف من القلوب المصابة، وأنات المظاليم في السجون والمعتقلات باختلاف الذرائع والمبررات التي تجعلهم خلف الجدران.
وكما يرى الطرف الأول أن اللقاء التاريخي بين السيسي ومصر مفتاح للخير والرخاء الذي يحمي الدولة المصرية، يراه الطرف الآخر لقاء النهاية الذي يهدد الوجود المصري بصور متعددة، بعضها تهديد وجود مادي للدولة، وبعضها تهديد وجود معنوي، خاصة للحلم في الدولة بمعناها الذي حملته الثورة.
وبين تلك الرؤى المتناقضة، التي تقف على طرفي الصورة تتنوع الرؤى والتفسيرات المحيطة باللقاء، من دون أن نعمم ونصفها بالتحليلات.’فأكثر ما لدينا هو انطباعات وتصورات، جزء كبير منها ذاتي وجزء منها غير موضوعي ولا يستند الى وقائع بقدر ما يستند الى أحلام وأمنيات. يقف البعض بعد اللقاء مفاخرا بصورة السيسي على صفحته على وسائل التواصل الاجتماعي، ومعها عبارات الحمد والثناء لهذا اللقاء التاريخي على طريقة موعد مع النصر، والجيل الأكثر حظا.’ويشترك في هذا من يرى السيسي بوصفه امتدادا لعبد الناصر بصورة الزعيم الكاريزمي الذي اخرج مصر من ركام الملكية والفساد، كما فعل السيسى’- من وجهة نظرهم -‘بإخراج مصر من ركام الإخوان المحتمل..’رغم ألا أحد يسأل عما شهدته مصر بعد الملكية من فساد وإفساد وقمع وسلطوية وهزيمة واحتلال.. ‘فالحقيقة مؤلمة والكذب على النفس مريح، سواء أتم بالتجاوز عن الحقيقة أو إنكارها أو التعامل معها بشكل انتقائى، فيتم اختيار ما يدعم الرؤية والتجاوز عما يضعفها. ويستند البعض الى الصورة الأقرب تاريخيا، صورة مبارك حيث الاستقرار مقدم، والشعور بالامان أولوية والدولة تمارس قبضتها من خلال سيطرة مؤسساتها، فتغيب المظاهرات والاعتصامات وغيرها مما يطلق عليها الآن مطالب فئوية، فتبدو الصورة اكثر استقرارا والحياة اكثر تنظيما من دون أن تغيب المشكلات أو تعود الحقوق أو نهتم بالحريات.’تقف تلك المجموعة بصور مختلفة قريبة من مبارك الاب في محبسه الافتراضي وغرفه علاجه، فتذهب إليه للاحتفال بعد ميلاده، أو ترفع صورته وتطلب منه السماح والمغفرة على طريقة سامحهم فهم لا يعرفون مكانتك. الغريب في تلك المجموعة مع تنوعها أن يكون فيها كل هذا القدر من البسطاء وعموم الشعب المصري..’هذه المجموعة التي لم يتحقق لها خلال عصر مبارك إلا الاستقرار الشكلي والستر المظهري من دون أن تحظى بفرص حياة حقيقية…’نفس المجموعة التي مات منها الالاف ما بين قطارات وعبّارات وانهيارات منازل وقوارب موت، من دون أن تدمع عينا مبارك أو يعتذر أو يحدثنا عن ضميره المتألم. نفس تلك المجموعة التي يتحدث بعض أفرادها عن الظلم الذي تعرض له مبارك عاشت حياتها مظلومة، ولكنها لاعتبارات كثيرة لم تعترف بحقها في الحياة ولم تعترف بالظلم الذي عانت منه..’اعتبرت كما قال لها النظام دوما، أنها مجرد إضافة متعبة للنظم، وأن كل نظام يتفضل عليها بتحمل المسؤولية فهو تكليف وليس تشريفا كما جاءت في كلمات”اخترناك”شعار المرحلة وملمع الزعيم الأول، أو هو الزعيم نفسه الذي يتولى فعل ‘الهشتكة والبشتكة’ وفقا لمسرحية الزعيم الحاضرة بقوة في المشهد الحالي.
هذا المواطن الذي يتحدث عن مبارك بوصفه الأب الذي أهين، يجد في السيسي صورة مقربة له، وهو الذي يتحدث عن نساء مصر بوصفهم بناته متجاوزا لفكرة الدولة والمواطنة ومستحضرا لصورة الأب وكبير العائلة، ولكن كما كتبت يوما أيام مبارك أن كبير العائلة لا يشبع والعائلة تموت جوعا، والأب لا يعيش في القصور ويترك الملايين لحياة القبور والشوارع، فلازالت الصورة واحدة.’السيسي الأب يطالب الأسر المصرية من مكانه العالي حيث الأبناء في أماكنهم المرموقة بدون واسطة كما قال، يطالبهم بإعادة النظر في رغيف العيش والمصابيح المستخدمة للإضاءة، رغم ان تلك الأمور لبعض العائلات التي لا تجد الجدران التي تحميها أو الكهرباء التي تنير لياليها مجرد أحلام بعيدة في مصر بعيدة لا تشاهد ولا تهتم وقد تصدق أحيانا من يقول لها انه الأب أو العريس القادم على الحصان الأبيض لينتشل مصر من عنوستها فتقام الأفراح وتوزع المشاريب على المعازيم..ولكن مع تجاوزات كثيرة، أبسطها ان المعازيم هنا هم الملاك في واقع الأمر، وهم من يحاسب على الفرح وعلى تكاليفه وما بعده.
أما المجموعة الاخرى من الدائرة التي ترى في مبارك رمزا يقتدى ويعاد اختياره مرات ومرات أخرى، فهي تلك التي فقدت مميزاتها ومكانتها بفعل الثورة فترى في عودة مبارك أو من يشبهه وسيلة لاستعادة المكانة.’فيزداد الحديث عن مكانة رجال الشرطة وكيف تساوت الرؤوس في حديث طبقي واضح ومباشر من البعض، ومغلف بالحديث عن الوطن وضرورة حمايته عبر إعلاء مؤسساته وحمايتها وجعلها فوق البشر من البعض الآخر. ‘يتحدث البعض في هذا السياق عن المظاهرات الفئوية التي اصر المرشح الرئاسي على ذكرها ورفع صوته وهو يؤكد رفضها وما تمثله من تهديد للدولة، متجاوزا ومن حاوره أن تلك المطالب التي تقدم من خلال تلك التحركات ما هي إلا تعبير عن مشاكل النظام وسياساته والفجوة الاجتماعية القائمة والعدالة الغائبة..’هي تعبير عن الثورة كحلم يستهدف الوصول إليه من البعض، والقضاء عليه من البعض الآخر.
ينسى هؤلاء وهم يتحدثون بتعميم وإدانة لما يسمى المطالب الفئوية أن تلك المطالب هي حياة البعض، حياة العمال الذين لا يحصلون على حقوقهم من رب العمل، حياة الطالب الذي لا يجد بعد عمر طويل فرصا للعمل بدون واسطة لا يعرفها بالطبع المرشح الرئاسي.’هي حياة لمن لا يجد رغيف العيش الذي لم يعد حجمه يسمح بتقطيعه لأجزاء والتوفير منه، وان كان لدى المرشح الرئاسي فرصة للنزول والاطلاع على حجم رغيف العيش العادي الذي تقلص بحكم الزمن كاشياء كثيرة في الوطن يمكن ان يخرجه من الحديث عن برنامجه الانتخابي في أحاديثه القادمة.
كل ما سبق ليس نقاشا عما قيل في هذا الحوار الطويل، ولا على ما سكت عنه، ولا عن لغة الجسد والصوت الذي يعلو مهددا أو مؤكدا على العصا التي تملكها الدولة…’كل هذا مجرد حديث في خلفية المشهد، مثله مثل الزعيم في مسرحيته وهو يطالب بالمشي لتوفير الأتوبيسات، والحديث عن مخاطر الأكل لتوفير السلع التموينية…’في الخلفية لا تملك إلا التساؤل عن تشابه الواقع مع الكوميديا وقدرة الواقع على تجاوزها، وعلى مدى استعانة كتاب البرامج الانتخابية في المشهد الحالي بالكوميديا المصرية القديمة لوضع حلول سحرية للمشكلات التاريخية، مادام المقصود واحدا وهو الزعيم ساكن القصر والكرسي وهتاف الجماهير قبل ان يسدل الستار ‘اخترناك واخترنا التقشف وياك’.
‘ كاتبة مصرية
عبير ياسين