احتفل يوم الخميس الماضي ريال مدريد بلقبه بطلاً للدوري الأسباني للمرة الرابعة والثلاثين، والأول منذ 2017، والثانية تحت ادارة مدربه ونجمه السابق زين الدين زيدان، لتبتسم مدينة مدريد على يدي نجمين من أصول جزائرية، فبالاضافة الى المدرب زيدان، فان المهاجم الفرنسي الجنسية الجزائري الاصل كريم بنزيمة كان له الفضل الكبير في فترة التألق الاخيرة عقب استئناف اللعب، خصوصاً في المباراة الاخيرة بالفوز على فياريال 2/1 بتسجيله الهدفين.
ربما يجمع كثيرون على أن الريال كان ينافس نفسه بضراوة عقب الاستئناف، عوض منافسة غريمه وعدوه اللدود برشلونة، بعدما حقق 10 انتصارات متتالية، وتفوق حتى قبل مباريات الليلة الختامية في الليغا بفارق 7 نقاط، بعدما كان برشلونة يتفوق بنقطتين، قبل الاستنئاف، لكن الأخير خسر اللقب بسبب خيبات داخل الملعب وخارجه، وأهدر نقاطاً عدة بثلاثة تعادلات مخيبة، وخسارة على أرضه امام المكافح أوساسونا، هي الاولى منذ 2009، لما كانت لتحدث لو كان الامر طبيعياً داخل جدران “كامب نو”.
“الحظ” ما زال يبتسم للمدرب زيدان، رغم أن كثيرين لا يحبون هذه الكلمة لنعت الاسطورة، بعدما قاد الريال الى ثلاثة ألقاب في دوري أبطال اوروبا بين 2016 و2018 وبينهما لقب دوري أيضاً، في أول تجربة تدريبية له مع فريق أول، بل أحرز لقبه الحادي عشر في 209 مباريات مع الريال، أي كأنه أحرز لقباً بعد كل 19 مباراة. ومع ذلك ما زلت اصر على أن الحظ دائماً يبتسم لزيدان، وهذا لا ينتقص من الامور الرائعة التي يملكها كمدرب، كون كل مدرب يحتاج الى حظ جيد يقف الى جانبه، وهو ما يفسر ان زيدان أحرز لقباً مع الريال في كل موسم كامل معه، لكن في المقابل هذه الانجازات لن تعني بالضرورة أنه مدرب محنك تكتيكياً، وهناك أدلة من مباريات عدة، خصوصاً عندما لا تسير الأمور على ما يرام، تتضح معالم هذه الميزة السلبية، بل زيدان نفسه يملك من الجرأة ما قاده الى الاعتراف بذلك قبل المباراة النهائية لدوري أبطال اوروبا في 2018 ضد ليفربول، عندما قال لجموع الصحافيين: “أنا لست أفضل مدرب، وسأقول هذا دائماً… أنا لست أفضل مدرب تكتيكي، أنا أعرف ذلك وربما أنتم تعرفون ذلك ولا داعي لتكراره”. هنا ربما تبرز أبرز سمات زيدان كمدرب، وهي بساطته وصراحته. فأنا لا أتخيل المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو مثلاً أن يقول هذا الكلام بعد تتويجه أوروبياً، بل على النقيض هو يفخم ويضخم من قدراته كمدرب، رغم ان كل الشواهد تشير الى اخفاقات متتالية مع الفرق التي دربها في السنوات الأخيرة. والجميل عندما وصف زيدان هذا اللقب بأنه “الأفضل في مسيرتي”، لانه يعلم انه جاء بعد رحيل الاسطورة كريستيانو رونالدو، والذي كان ينسب اليه الفضل في كل شيء.
في عالم كرة القدم، المدرب الناجح ليس بالضرورة الأدهى تكتيكيا، لأن هناك عاملاً أكثر أهمية، وهو العلاقة الشخصية بين المدرب واللاعبين، وعندما يفشل مدرب كبير بتحقيق نتائج ايجابية مع فريقه، دائماً ما يعلق المحللون بأنه “فقد غرفة الملابس”، أي انه فقد ثقة اللاعبين وربما محبتهم واحترامهم، وهو ما يقود تلقائيا الى الاخفاق والنتائج السلبية أكثر من سوء قراءة مباراة أو وضع خطة تكتيكية خاطئة. وهنا يبرز العامل النفسي عند زيدان.
عندما توترت الامور داخل الريال في الربع الأول من الموسم الماضي، وقاد الى رحيل المدرب جولين لوبيتيغي، الذي خلف زيدان بعد حقبته الأولى مدرباً، كثر الحديث عن قرب تعيين مدرب من الطراز الكبير، وبرز في الواجهة اسما مورينيو والمدرب الايطالي أنتونيو كونتي، لكن كون قائد النادي الملكي سيرخيو راموس يدرك قواعد اللعبة جيداً، فانه أطلق تصريحه الشهير: “الاحترام يكتسب ولا يفرض… هناك مدربون كثر كسبنا معهم بطولات وألقاباً، لكن قدرة المدرب على ادارة غرفة الملابس أكثر أهمية من وسع معلوماته وقدراته التكتيكية”.
وهذا بالضبط ما فعله زيدان ويفعله، مع لاعبين ينظرون اليه كأسطورة للنادي، ومع ذلك يقدرهم ويبجلهم ويتيح لهم الحرية في الكثير من الأمور، وهو السر في النجاح الحقيقي، أي تبسيط الأمور، فتشعر بأن لاعبي الريال يدخلون المباريات بدون قيود ومحررين من التعليمات المعقدة والمركبة والمربكة، ومن دون خوف أو رهبة، مع الاحتفاظ بكامل الحب والاحترام والامتنان لمدربهم “المحظوظ”!