سائقو الـ«توك توك»: دورٌ موازٍ للمسعفين في إنقاذ حياة المتظاهرين

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: وسط الجموع المحتشدة في ساحة التحرير، في العاصمة العراقية بغداد، منذ الـ25 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، المطالبة بـ«إسقاط النظام» في العراق، ومع سقوط أعداد من القتلى والجرحى بشكلٍ يومي منذ ذلك التاريخ، يشق أصحاب الـ«توك توك» المتطوعون، طريقهم بصعوبة بالغة، لنقل المصابين من الرصاص الحي والمطاطي، بالإضافة إلى القنابل الغاز والأخرى الصوتية، إلى السيارات الاسعاف، التي لا يمكنها التواجد في قلب هذه الحشود، وأيضاً إلى مستشفى الجملة العصبية، على بعد أمتارٍ قليلة من الساحة.
الـ«توك توك» عربة صغيرة من ثلاث عجلات، تستخدم للتنقل في الأحياء الشعبية والشوارع الضيقة في بغداد، نظراً لصغر حجمها وسهولة مرورها وسط الزحام، فضلاً عن قلة الأجر الذي يتقاضاه صاحبها مقابل وسائط النقل الأخرى (الخاصة والعامة).
وفي ظاهرة لم يشهدها أي حراك احتجاجي شهده العراق بعد عام 2003، امتازت ثورة أكتوبر/تشرين الأول بكثافة عجلات الـ«توك توك»»، التي يقدّر عددها بالمئات، خصوصاً وهي تتواجد على خطّ التماس بين القوات الأمنية والمتظاهرين.
وعلمت «القدس العربي» من شهود عيان من المتظاهرين أن الدور الذي يؤديه أصحاب الـ«توك توك» في نقل الجرحى إلى الإسعافات والمستشفيات، بالإضافة إلى حماية المتظاهرين من نيران قوات الأمن، كبير جداً، ناهيك عن دورهم في نقل المستلزمات الطبية والمواد اللوجستية للمتظاهرين، المتواجدين في الخطوط الأولى عند حواجز جسري السنك والجمهورية».
ووفق المصادر فإن «أصحاب الـ«توك توك» تقع عليهم المسؤولية الكبرى في دعم الحراك الاحتجاجي»، مبينين أن «دورهم ازداد صعوبة بعد سيطرة المتظاهرين على جسر السنك المحاذي لجسر الجمهورية، المطلّ على المنطقة الخضراء شديدة التحصين».
أحمد العطواني (18 عاماً) قال لـ«القدس العربي» وهو يحاول إصلاح الزجاج الأمامي لـ«توك توك» الذي تضرر جراء التدافع وزخم جموع المحتجين: «أنا من مدينة الثورة «الصدر» (شرقي العاصمة بغداد). أعمل في الـ«توك توك» داخل المدينة، لكن منذ 10 أيام وأنا متواجد في ساحة التحرير للمساعدة في نقل جرحى التظاهرات إلى مستشفى الجمّلة العصبية».
وأضاف: «أعمل في فرن للخبز. يبدأ عملي هناك منذ الـ4 فجراً، وحتى الـ12 ظهراً. بعد ذلك أتوجه إلى ساحة التحرير حتى اليوم التالي. وهكذا»، موضحاً إن «أغلب سائقي الـ«توك توك» في التحرير هم من مدينة الثورة ومدن الحرية والشعلة (مناطق شعبية فقيرة ذات كثافة سكانية عالية)».

يتحدون القنابل ويرفضون تلقي المال

ومضى إلى القول: «أعمار أصحاب الـ«توك توك» تتراوح بين 15 و20 عاماً، ويكون عملهم على شكل مجاميع تنسّق فيما بينها، يجوبون الشوارع المؤدية إلى ساحة التحرير لنقل الجرحى والمصابين سواء إلى المفارز الطبية أو إلى سيارات الإسعاف، لكن إذا كانت حالة المصاب حرجة ننقلها إلى الجملة العصبية».
ووفق العطواني، فإن هناك مهام أخرى لسائقي الـ«توك توك»، منها «نقل المواد الطبية والماء والغذاء، إلى المتظاهرين المتواجدين عند الحواجز الأمامية على جسري السنك والجمهورية، بالإضافة إلى المتظاهرين المتواجدين عند ضفاف النهر وتحت جسر الجمهورية. هذه الأماكن يصعب الوصول إليها بالسيارات».
وعن آلية عملهم عند حدوث حالة إصابة بين المتظاهرين، يوضّح العطواني قائلاً: «عند سقوط أحد المتظاهرين، تتوجه مجموعة مكوّنة من 3 ـ 5 من الـ«توك توك» إلى المصاب. يكوّن مجموعة منهم حائط صد بين المصاب وقوى الأمن، فيما يقوم الآخرون بحمله ووضعه في الـ«توك توك» ونقله إلى الإسعاف. هناك تتم معالجته إذا كان مصاباً بحالة اختناق، أما إذا كانت إصابته بليغة ننقله إلى المستشفى فوراً».
وأشاد الشاب العراقي، بـ«تعاون المحتجين الكبير مع سائقي الـ«توك توك». فهم يفسحون المجال لنا برغم التزاحم الشديد. لكن أصحاب الـ«توك توك» محبوبون من الجميع. الكل هنا في ساحة التحرير يقدّر دورنا».
وتحدث أيضاً عن سقوط عدد كبير من الإصابات بين صفوف أصحاب الـ«توك توك» قائلاً: «كثير منا تعرض للإصابة بالقنابل التي تُطلقها قوات الأمن باتجاه المتظاهرين»، مشيراً إلى حادثة جرت أمام عينه: «في الأيام الأولى لانطلاق الثورة (25 أكتوبر/تشرين الأول). أطلقت قوات الأمن قنبلة على أحد سائقي الـ«توك توك» الذي كان يتواجد في مقدمة جسر الجمهورية، فأصابته مما اضطر لتركها فوراً والهرب لتلقي العلاج، لكن قوات الأمن أقدمت على سحبها الـ«توك توك» وحرقها على الجسر». وأضاف: «الحادث أثار استياء المتظاهرين، الذين أقدموا على جمّع المال له، ليذهب ويشتري آخر جديدا وعاد إلى الساحة، وهو اليوم يؤدي واجبه كما السابق»، لافتاً إلى إن «سعر الـ«توك توك» يبلغ نحو مليوني دينار (نحو ألف و800 دولار)، وله خزان للبنزين يستوعب نحو (10 لترات). يمكن ملؤه بالكامل بأقل من 5 دولارات فقط ليعمل 48 ساعة، لكن كثرة الحركة تؤدي لاستهلاك الوقود بيوم واحد أو أقل».
وأكد العطواني أن «أصحاب الـ«توك توك» يرفضون تقاضي أي مبالغ مالية مقابل عملهم. نحن نؤدي دورنا في الثورة كما يؤدي المتظاهرون والمسعفون والصحافيون والفنانون وكل شرائح المجتمع دورهم. إلا إن المتظاهرين يرمون علينا النقود رغم رفضنا ذلك. نشعر بالفرح لتضامنهم معنا».
وتابع: «في الأيام الأخيرة، تم إنشاء أماكن لصيانة الـ«توك توك» مجاناً بالقرب من ساحة التحرير، بالإضافة إلى مبادرات أخرى لتوزيع البنزين على أصحاب الـ«توك توك» بالمجان أيضاً. المبادرات لدعمنا كثيرة، وهذا يحفزنا على الاستمرار بدورنا حتى تحقيق مطالب المتظاهرين».
وتصدّر الـ«توك توك» قائمة الأغاني والشعارات والأشعار الحماسية للثورة إذ غنّى له أشهر المطربين العراقيين، وكتب له شعراء بارزون، في خطوة تمثل عرفاناً لدورهم في إنقاذ حياة مئات الجرحى.
وشهدت ساحة التحرير أمس الجمعة، توافد الآلاف للتضامن مع المحتجين المطالبين بـ«إقالة الحكومة»، وفي سابقة جديدة، بدأت العائلات العراقية بالانضمام إلى جموع المحتجين، للتحول الساحة إلى كرنفال لا سيما في ساعات المساء والليل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية