بغداد ـ «القدس العربي» : عاد زخم الاحتجاجات إلى العاصمة العراقية بغداد ومدن الوسط، أمس الأحد، بعد انسحاب أنصار مقتدى الصدر من عدد من ساحات الاحتجاج، إذ أن الآلاف من طلبة الجامعات والمدارس ساروا في شوارع العاصمة وصولا إلى ساحة التحرير، معقل المتظاهرين.
كما تكرر المشهد الاحتجاجي في شوارع وساحات محافظات وسط وجنوبي البلاد، خاصة في بابل والنجف وكربلاء وذي قار.
ولوح الطلبة بالأعلام العراقية ورددوا هتافات رافضة لتكليف وزير الاتصالات الأسبق محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة الجديدة.
وخلال الهتافات ندد الطلبة والمتظاهرون بالصدر ووصفوه بـ«القاتل».
وقال صباح عبد الزهرة أحد ناشطي بغداد: «الهدوء عاد إلى ساحة التحرير بعد انسحاب أنصار الصدر»، الذين يعرفون بـ«القبعات الزرق». وأضاف أن «هدف أنصار الصدر كان إنهاء الاحتجاجات بشكل كامل عبر احتلال موقعها في البداية ومن ثم قمعها تدريجياً».
وأشار إلى أن المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني «وضع حداً للصدر وأنصاره».
أعلنت ساحة اعتصام الرميثة في محافظة المثنى، أمس، تسليم ملف أمن الساحة الى القوات الأمنية.
بادرة حسن نية
وذكر بيان صادر من الساحة، أن «المعتصمين قرروا وكبادرة حسن نية إعطاء كامل المهام للأجهزة الأمنية لحماية الساحة التي شهدت توافد المعتصمين منذ أربعة أشهر»، مشيراً إلى أن «الفترة الماضية شهدت تواصلا بين الطرفين للاتفاق على تلك الإجراءات».
في محافظة الديوانية، احتشدت جموع غفيرة من المتظاهرين والطلاب، أمس الأحد، في ساحة الساعة، وسط مدينة الديوانية، رافضين «الإملاءات» التي تحاول بعض الجهات فرضها على الشعب، وموجهين رسالة إلى القوات الأمنية محذرين فيها من «الفوضى».
ووفق مواقع إخبارية محلية، فإن المحتجين رفعوا الأعلام العراقية ولافتات منددة بـ«الإملاءات» التي تحاول «جهات سياسية» تمريرها عليهم. وأكد المحتجون في شعاراتهم أن «الولاء للوطن»، و«نحن القادة والكلمة لنا»، و«لا غنى عن القوى الأمنية الرسمية في تفادي الوقوع في مهاوي الفوضى».
وشن أنصار الصدر حملة منسقة لتفريق تجمعات المحتجين الأسبوع الماضي عبر اقتحام الساحات وإطلاق النار على المتظاهرين وطعنهم بالسكاكين وضربهم بالهراوات ما أدى لمقتل وإصابة العشرات من المحتجين، حسب شهود عيان.
وجاءت هذه الحملة بعد رفض الحراك الشعبي تولي علاوي رئاسة الحكومة المقبلة، بعد أن تم تكليفه بناء على اتفاق غير معلن بين الصدر وخصمه زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، حسب مراقبين.
وقال شهود عيان من محافظات النجف وكربلاء وذي قار، إن الاحتجاجات عادت إلى سابق عهدها وتكتسب زخماً متزايدا بعد انسحاب انصار الصدر.
وأضاف الشهود أن المتظاهرين ينوون تصعيد الاحتجاجات في الأيام المقبلة رفضاً لعلاوي.
ويطالب المحتجون برئيس وزراء مستقل، من خارج الطبقة السياسية والحزبية الحالية، بالإضافة إلى محاسبة جميع المتورطين بالفساد وإهدار أموال الدولة، منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
واتفق اتباع الصدر، أخيراً، مع المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، على انسحاب «أصحاب القبعات الزرق» من الميدان الأبرز للحراك الاحتجاجي في البلاد، وكذلك من مبنى المطعم التركي (جبل أحد)، على خلفية الأفعال القمّعية التي مارسها أتباع التيار تجاه المعتصمين والطلبة، خلال الأيام الماضية.
وعلمت «القدس العربي» أن أصحاب القبعات الزرق تركوا الساحة ومبنى المطعم التركي، ولا يوجد لهم تواجد داخل الساحة، غير أن الصدريين لا يزالون ينتشرون داخل ميدان التحرير وعند المناطق المحيطة بها.
ووفق المصادر، فإن مبنى المطعم التركي لا يزال مغلقاً أمام المتظاهرين، ويشرف أتباع الصدر على حمايته وتوفير الخدمات لبعض المتواجدين فيه، مشيرة إلى أن ليس بإمكان المتظاهرين أو مرتادي الساحة الصعود إلى الطوابق العليا للمطعم، الذي تتواجد فيه منصة لإعلان البيانات والمواقف المتعلقة بالحراك الاحتجاجي والأناشيد الوطنية.
ويقتصر المبنى على بضعة عشرات من المتظاهرين، يمثل أغلبهم التيار الصدري، ولم يعدّ مكتظاً بالمحتجين كما كان في الأشهر الأولى من اندلاع الحراك الاحتجاجي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حسب المصادر.
يأتي ذلك تزامناً مع اتفاق المعاون الجهادي والمستشار الخاص لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، أبو دعاء العيساوي مع مجموعة من المتظاهرين على انسحاب أصحاب القبعات الزرق من الساحة، وتحويل مبنى المطعم التركي إلى «صرحٍ ثقافي».
وكتب الإعلامي والمدوّن حسن حامد منشوراً على صفحته في «فيسبوك»، كشف خلاله تفصيلات اللقاء قائلاً: «العيساوي عقد اجتماعا مع ممثلي الخيام في ساحة التحرير، داخل مرآب الباب الشرقي، بصفته ممثلا أو مبعوث السيد الصدر للمتظاهرين».
تظاهرات في بغداد وبابل والنجف وكربلاء وذي قار… واتفاق على تحويل «جبل أحد» إلى صرح ثقافي
وأضاف: «كان (العيساوي) على رأس وفد ضم قيادات في الخط الأول من المعاونية الجهادية»، مشيراً إلى أن «تم الاتفاق على6 نقاط بعد عتب شديد من قبل المتظاهرين على أفعال القبعات الزرق». وتضمنت النقاط: «العيساوي تعهد بسحب القبعات الزرق من ساحة التحرير بعد الاتفاق مع القوات الأمنية على تأمين محيطها»، بالإضافة إلى تعهد العيساوي بـ«الاعتذار من الطلاب الذين تم الاعتداء عليهم من قبل القبعات الزرق خلال اجتماع يعقد لاحقا يحضره الطلاب أو ممثلون عنهم».
ومن بين التعهدات أيضاً «تحويل المطعم التركي إلى صرح ثقافي وافتتاحه أمام الزوار بالتنسيق مع نخب فنية، وأكد العيساوي وجود محاولات للتواصل مع المستثمر السابق للمطعم المقيم في لندن»، فضلاً عن تعهد مستشار الصدر بـ«السماح للمتظاهرين بالعودة الى المطعم التركي شرط أن يكون جميع المتواجدين في المطعم من المعرفين لدى الخيام».
وتابع: «العيساوي أبلغ المتظاهرين أن تحالف سائرون أبلغ رئيس الجمهورية برهم صالح والقوى السياسية أنه لن يصوت لمنح الثقة لحكومة محمد علاوي»، لافتاً إلى تأكيد مستشار الصدر «إدانته أو رفض القوات الأجنبية حتى الإيرانية».
ونوّه أن «جميع تلك التعهدات منقولة من متظاهرين وناشطين شاركوا بالاجتماع مع أبو دعاء العيساوي الذي استمع لجميع الملاحظات بشأن أفعال القبعات الزرق، والتساؤلات عن أسباب الانقلاب على المتظاهرين بهذه الطريقة وأكد على ضرورة تجاوزها».
«ثورة الإصلاح»
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، أعلن أول أمس، عن ميثاق «ثورة الإصلاح»، وفيما دعا إلى انسحاب (القبعات الزرق) وتسليم أمر حماية المتظاهرين السلميين والخيام إلى القوات الأمنية، طالب بأن يكون يوم الجمعة يوما لتظاهرات عراقية حاشدة.
وقال في «تغريدات» له، تضمنت ميثاق «ثورة الإصلاح»، «الاستمرار على سلمية المظاهرات، وهذا يعني عدم إجبار أي شخص على التظاهر والاحتجاج مطلقا وعدم قطع الطرق والإضرار بالحياة العامة وعدم منع الدوام في المدارس كافة، وأما الجامعات وما يعادلها فتكون اختيارية ومن دون إجبار على الدوام وعدمه».
ودعا إلى «عدم التعدي على الأملاك الخاصة والعامة وعلى المرافق الخدمية والصور والمقار وغير ذلك مطلقا وإخلاء مناطق الاحتجاج والاعتصام من أي مظاهر التسليح. وينطبق ذلك على المولوتوف والقاعات والعصي وغيرها مطلقا وذلك بتسليمها للقوات الأمنية».
وأكد على «ضرورة إدارة المظاهرات من الداخل والتخلي عن المتحكمين بها من الخارج مطلقا، وعدم تسييس المظاهرات لجهات داخلية أو خارجية حزبية كانت أم غيرها، وإعلان البراءة من المندسين والمخربين والتي أشارت لها المرجعية وغيرها من القيادات الدينية والعشائرية وما شاكلها، فضلا عن توحيد المطالب وكتابتها بصورة موحدة لجميع تظاهرات العراق».
ودعا أيضاً إلى «العمل على تشكيل لجان من داخل المظاهرات من أجل المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والمختطفين والتحقيق الجدي في قضية شهداء الإصلاح الذين سقطوا خلال المظاهرات، وإيجاد ناطق رسمي للمظاهرات»، مطالباً بـ«عدم التعدي على القوات الأمنية ومنها (شرطة المرور) مطلقا. وتقديم المعتدين سابقا أو لاحقا للقوات الأمنية فورا».
«مراعاة القواعد»
كما دعا إلى «مراعاة القواعد الشرعية والاجتماعية للبلد قدر الإمكان وعدم اختلاط الجنسين في خيام الاعتصام وإخلاء أماكن الاحتجاجات من المسكرات الممنوعة والمخدرات وما شاكلها، وانسحاب (القبعات الزرق) وتسليم أمر حماية المتظاهرين السلميين) والخيام بيد القوات الأمنية المسلحة».
وطالب، بـ«تحديد أماكن التظاهر عموما والاعتصام خصوصا ومن خلال موافقات رسمية وبالتنسيق مع القوات الأمنية بصورة مباشرة»، داعياً إلى «الالتزام بتوجيهات المرجعية والقيادات الوطنية».
ودعا إلى «طرد كل من يثير الفتنة الداخلية والطائفية وكل من يعتدي على الذات الإلهية أو الأعراف الدينية والاجتماعية وما شاكل ذلك»، لافتاً إلى أن «يكون يوم الجمعة (المقبل) يوما لتظاهرات عراقية حاشدة من دون الإعلان عن أي انتماء لغير العراق ومن دون التفرقة بهتاف أو فعل أو لافتة أو ما شابه ذلك».
كما طالب بـ«التحقيق بحادثة (الوثبة) و(مرقد السيد الحكيم) و(حادثة ساحة الصدرين) ومجزرة الناصرية وما شابهها في جميع المحافظات، وعدم تدخل المتظاهرين في أمور سياسية ثانوية كالتعيينات ورفض بعض السياسات من هنا وهناك فلذلك جهات خاصة تقوم بها فضلا عن غيرها». واختتم «تغريداته» بالدعوة إلى «عدم زج الثوار في تشكيل الحكومة المؤقتة، ففيه تشويه السمعة الثورة الإصلاحية، وإعطاء أهمية لتجمع طلبة الجامعات ففيه نصرة للإصلاح وعدم التعدي عليهم أو مضايقتهم ما داموا سلميين. والاستمرار بذلك إلى حين إجراء الانتخابات المبكرة».
في المقابل، انتقد الصحافي والناشط المدني علي الجاف، فرض الصدر لـ«الميثاق»، مشيراً إلى أن الأخير يدلل على أن الصدر «منتصر ومتحكم ومتسيد للخطاب».
وأضاف في منشور على صفحته في «فيسبوك»، «هذه النقاط التي وضعها الصدر تمثله وحده لأنها كتبت بمزاج تظاهرات 2016 ولَم تراع أن ما يحدث ثورة».