ساحة بغداد تحولت منتزها … وأخرى في البصرة لمشاهدة المباريات

مشرق ريسان
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: “قدّمنا القرابين على طريق التغيير لكننا لم ننجح”، هكذا يقول الشاب العراقي، مرتضى حيدر زاير (23 عاماً) المتخرج حديثاً من كلية اللغات في بغداد، وهو يتجوّل في ساحة التحرير في بغداد، ميدان الاحتجاج الأبرز في العراق، مستذكراً تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019.
وخلّفت احتجاجات ” تشرين الأول/ أكتوبر” التي اندلعت في عموم المدن العراقية، مئات القتلى وعشرات آلاف الجرحى، فضلاً عن العشرات من المختفين والمغيّبين، حسب تقارير أممية.
وبين زاير لـ”القدس العربي”، إن “الثورة كانت حُرة وحملت مطالب واضحة. حقوقنا المشروعة كشعب من خدمات وتعيينات وكثير من الحقوق المفقودة الأخرى. كنا نطمح لتغيير جذري في حال البلد نحو الأفضل”.
وأضاف: “احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر وحّدت جميع العراقيين بمختلف طوائفهم. كنا ننشد تغيير وضع البلاد وإنهاء سطوة الأحزاب على رقابنا وقوتنا منذ عام 2003″، موضحاً: “قدمنا آلاف الشهداء والجرحى على طريق نيّل العدالة، سقطوا جراء قمّع القوات الأمنية الماسكة للمنطقة وقتها، والتي أفرطت في استخدامها الرصاص الحيّ والمطاطي والقنابل الدخانية والمسيلة للدموع التي كُنّى نتلقاها بصورة مباشرة”.

قدسية خاصة

ووفقا لزاير، فإن ساحة التحرير اليوم لها “قدسية خاصة في نفوس التشرينيين (في إشارة إلى المحتجين المشاركين بتظاهرات أكتوبر) والشعب العراقي بشكلٍ عام. هنا نزفنا الدماء لتغيير وضع البلد والمضيّ به نحو الأفضل، لكن محاولتنا بائت بالفشل، للأسف الشديد. قدمنا القرابين على طريق التغيير ولم ننجح”.
مشهد ساحة التحرير اليوم ومقترباتها مثل حديقة الأمّة والنصب الشهير للنحات العراقي الراحل جواد سليم، بدى متغيراً عن فترة الاحتجاجات، بعد حملة نفذّتها الحكومة السابقة، برئاسة مصطفى الكاظمي، لإعمار الساحة والحديقة، إذا تحوّل هذا المكان إلى متنزه عام.
ووفق زاير، “العائلات ترتاد الساحة وتلتقط الصور تحت النصب، نظراً للتغيير في حديقة الأمة التي طالها الإعمار واصبحت منفذاً للعوائل العراقية يُذكرهم بجيل اثبت مدى حبه للتغيير”.
وزاد: “كُل ركن وزاوية في هذا المكان تضم عشرات الذكريات”، ويشير إلى مساحة لا تتعدى 3 أمتار مربّعة في الساحة قائلاً: “هنا كان معرضا للقنابل الدخانية وخراطيش الرصاص التي أُطلقت صوبنا، وصورا للشهداء وأعلاما عراقية مخضّبة بدمائهم”.
صمّت زاير لبرهة قبل أن يقول: “وسط المأساة كانت هنالك مواقف طريفة عشناها على مدى نحو عام كامل. كان صوتنا واحد على طول الساحة وعرضها. ردّدنا جميعاً (نريد وطن) لكننا لم نحصل عليه حتى الآن”.
وأسهم الحراك الاحتجاجي في العراق بتنّحية حكومة رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، والإتيان في حكومة الكاظمي الجديدة، التي وعدت بكشف مرتكبي جرائم قتل المتظاهرين غير إنها لم تُفلح.
مشهد الاحتجاجات في العاصمة الاتحادية بغداد، وما رافقه من أعمال قمّع تصفه التقارير الدولية بـ”المفرط”، تكرّر أيضاً في ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار الجنوبية.

لا تغيير

وبعد مضيّ أكثر من 3 أعوام على إنهاء احتجاجات أكتوبر، لم يطرأ على ساحة الحبوبي أيّ تغير معماري، كما هو الحال في المنطقة المكتظّة بالمحال والأسواق وعيادات الأطباء المحيطة بها.
عند مشارف الساحة، يقف عبد الله، كما يودّ أن يُطلق على اسمه، مستذكراً أشهر الاحتجاج الطويلة. ويقول لـ”القدس العربي”: “اختار المحتجون هذه الساحة كونها المركز الحيوي لمدينة الناصرية، فضلاً عن مكانتها الثقافية لتوسّط تمثال محمد سعيد الحبوبي (1850 – 1915، رجل دين وشاعر ومعارض للتدخل البريطاني في العراق) الذي يرمز للحرية والكرامة”.
وتابع: “بدأنا الاحتجاج من هنا قبل أن تزداد جموع المحتجين، مما اضطر لقطع جسري الزيتون والنصر، وأيضاً لإيقاف قمع قوات الأمن التي لم تبخل علينا بالرصاص والقنابل. قطعنا الجسرين بالإطارات المحترقة وبعض الحجارة”.
وطبقاً لعبد الله (40 عاماً) فإنه “كلما توسعت دائرة الاحتجاج زاد معها القمّع، حتى تدخلت بها جهات غير حكومية تنتمي لأحزاب السلطة، وهو ما دفع المتظاهرين لإحراق مقرات الأحزاب التي تستولي بالأساس على مبانٍ حكومية من دون موافقات رسمية أو حتى تأجيرها من الدولة”. ويستذكر بألم ليلة 27 تشرين الثاني/ أكتوبر، عندما أطلقت قوات أمنية كانت قد قدمت من العاصمة بغداد إلى ذي قار “النار على المتظاهرين المتواجدين على جسر الزيتون، كردّة فعل على إحراق القنصلية الإيرانية في النجف”، حسب قوله، وأضاف أيضاً: “لا أستطيع نسيان هذا اليوم. سقط أكثر من 70 قتيلاً و255 جريحاً من المتظاهرين حينها”.
ووفقاً لعبد الله (موظف في شركة خاصة) فإن الجهات الحكومية والأمنية “لم تتخذ أيّ إجراء في ملاحقة قتلة المتظاهرين، والمليشيات التي كانت تغطّي وجوهها وتستقل عجلات مدنية من دون لوحات تعريفية”، معتبراً أن ذلك أدى إلى تفاقم “الغضب وعدم الثقة بين المتظاهرين والقوات الأمنية في المحافظة”. ‏
ويذّكر أيضاً الأسباب التي أسهمت في إنهاء احتجاجات الناصرية قائلاً: “بعد استقالة رئيس الوزراء الأسبق (عادل عبد المهدي) واختيار مصطفى الكاظمي لرئاسة الحكومة، دخلت لساحة الحبوبي خيام جديدة تابعة لأحزاب سياسية مؤيدة للكاظمي، من أجل التقرب إلى المتظاهرين واقناعهم بالوقوف خلف محاولات إصلاحية في ‏الدولة”.
وأضاف: “هذه الأحزاب استغلت جائحة كورونا والتزام المحتجين بإجراءات التباعد، فضلاً عن انشغالهم بتوفير مستلزمات الصحة العامة والاوكسجين و بلازما الدم للمصابين في المستشفيات، وهنا جاء أمر فضّ الاحتجاجات ورفع خيام الاعتصام من الساحة”.

طابع سياسي

ويرى أن التظاهرات رفعة من جرأة سكّان المحافظة في “المطالبة بحقوقهم خلال الحياة اليومية، ومواجهة الفاسدين وانتقادهم والمطالبة بإقالتهم”، لكنه أشار إلى أن “الاحتجاجات التي تحدث بين الحين والآخر تحمل طابعاً سياسياً، إذ تلوذ بها الأحزاب لإبعاد منافسيها عن بعض المواقع في الحكومة المحلية. التظاهرات تحوّلت من عامة إلى خاصّة بدعم وتمويل هذه الأحزاب”.
وليس ببعيد عن محافظة ذي قار، تعدّ ساحة البحرية في مدينة البصرة الغنيّة بالنفط، أحد أبرز ميادين الاحتجاج والاعتصام في العراق، إبان أحداث أكتوبر 2019.
هذه الساحة التي احتضنت آلاف الشباب المحتجّ، تحوّلت أخيراً إلى أحد الساحات الرئيسة لمشاهدة مباريات بطولة خليجي 25، التي أقيمت في البصرة (6 – 19 كانون الثاني/ يناير الجاري)، وأصبحت مركزاً لاحتفالات الجماهير الخليجية والعراقية المؤازرة لمنتخباتها المشاركة في البطولة.
في هذا المكان، نصّبت السلطات الملحية شاشات عملاقة لنقل مباريات كأس الخليج، وغيّرت أرضية الساحة لتصبح أكثر ملاءمة للجماهير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية