لم يتجاوز عمره الثامنة والأربعين عاماً، رحلة قصيرة عاشها حالماً، مُنحازاً إلى الفقراء والبسطاء مهموماً بمشاكلهم وما يؤرقهم في تفاصيل الحياة الصعبة والمسيرة الشاقة. بدأ المخرج سامح عبد العزيز مشواره الفني بالفيلم الكوميدي «درس خصوصي»، وبرغم النجاح المتواضع الذي حققه الفيلم إلا أن مستواه الإخراجي الجيد أتاح لسامح فرصاً أخرى لعمل أفلام أفضل بكثير من تجربته الأولى.
اعتمد المخرج الراحل على الكوميديا كأداة ملائمة للتواصل مع الشباب والدخول إلى عالمهم المُثير المليء بالمغامرات، حيث قدم مجموعة من الأفلام الخفيفة التي تفاعل معها الجمهور المُستهدف فنجحت نجاحاً مُلفتاً، ما أدى إلى ذيوع اسم مخرجها وارتفاع أسهمه، فمن بين ما قدمه سامح عبد العزيز وكان له أثر واضح في وقوفه على أرضية صُلبة داخل الوسط الفني، فيلم «حملة فريزر»، بطولة هشام ماجد وشيكو وبيومي فؤاد ونسرين أمين.
وبالطبع كانت الكوميديا هي المضمون الأساسي للفكرة فعن طريقها مد المخرج الجسر بينه وبين جمهور الشباب الذين أقبلوا على أفلامه بكثافة فتوطدت العلاقة بينهما وزادت قوة بوجود عامل الثقة بين الطرفين، طرف يبحث عما يُعبر عن ذوقه ويُلبي احتياجاته، وطرف آخر يُريد إثبات ذاته ويهدف إلى تعميق الصلة بينه وبين القاعدة الشبابية العريضة من الجمهور المتطلع إلى الأفضل والأرقى.
وبامتداد الخط الإبداعي المُتصل بين سامح عبد العزيز وجمهوره الجديد تكررت التجارب السينمائية الخفيفة بعدة صور وأنماط فخرجت للنور أفلام مثل «أحلام الفتى الطائش» و«حلاوة روح» و«ليلة العيد» و«خير وبركة» و«حسن طيارة» و«أسد وأربع قطط» و«حد سامع حاجة؟» و«أبو شنب» و«تتح وتيتة رهيبة» و«صرخة نملة» و«تماسيح النيل».
وعلى عكس ما توحي به عناوين بعض هذه الأفلام من سذاجة وسطحية، جاء التكوين السينمائي للمشاهد بالغ الدقة والإبهار، كأنه التعويض التقني المُتمثل في الصورة والديكور والإضاءة والمونتاج والصوت والموسيقى عن ركاكة الموضوعات وخفتها، وهذا ما أكد موهبة سامح عبد العزيز وقُدرته كمخرج على تحويل الفسيخ إلى شربات.
كباريه والفرح
لكن ثمة تجارب سينمائية ودرامية كُبرى اعتنى المُبدع الراحل بتقديمها كي لا يوصف بأنه مخرج الأفلام الكوميدية الخفيفة فحسب. وفيلما «كباريه والفرح» هما نموذجان فارقان فنياً وإبداعياً، غير أنهما يحملان مضامين شديدة الخصوصية عن عوالم الكباريهات التحتية وما يحدث فيها، وما تشمله من شخصيات بتركيبات نفسية واجتماعية مختلفة ومتناقضة.
فالكباريه الذي تجتمع فيه أطياف الرذيلة وتتباين فيه حالات النصب والاحتيال والسُكر والبلطجة، هو نفسه المكان الذي يضم العديد من الضحايا والمهمشين والمغدور بهم والمُرغمين على ممارسة القُبح والفسق والفجور، كأنهم جزء من لوحة تشكيلية عبثية تتجاور فيها كافة العناصر المضادة، كناية عن اختلاط الحق بالباطل والتقاء الشخصيات السوية بالشخصيات المُنحرفة داخل موقع واحد يُمثل الحياة بكل قسوتها وغوايتها.. تلك كانت فلسفة مخرج الفيلم سامح عبد العزيز في فيلمه الاستثنائي المهم والأهم «كباريه».
كما مثل فيلمه الآخر «الفرح» نموذجاً واقعياً لما يحدث في الأفراح الشعبية المصرية، بتنويعاتها المُتناغمة والشاذة والخارجة عن سيطرة الحكومة والرقابة الشعبية داخل الحارة التي تضم أطيافا بشرية أصيلة ودخيلة، بعضها تم قهره بفعل الفقر والجوع وضيق ذات اليد فاحترف النصب واتخذ من الأفراح وسيلة للارتزاق، حيث جمع النقوط وعمل زفة وهمية من أجل سداد الديون.
وفي سبيل تحقيق الغاية المادية انتُهكت حُرمة الموت وأبيحت الرذائل وتمت المُقايضة على الشرف بالمال، وصار التدليس شطارة وفهلوة ووعيا زائدا يتمتع به الانتهازيون والسماسرة وتجار البضائع الرخيصة.
كثير من المعاني يُمكن استخلاصها من تفاصيل الفيلم الواقعي بامتياز، والذي صاغ أحداثه برؤية عميقة ونافذة المخرج الراحل، إذ وضع سلبيات وسلوكيات سكان العشوائيات وضواحي القاهرة المُغلقة على من فيها بين قوسين مُشيراً إلى خطورة إهمال الطبقات الفقيرة وتفاقم ظاهرة البلطجة والسطو والاعتداء على الأعراض واضطهاد الضعفاء وسلب حقوقهم المشروعة.
ويبقى الجانب المُتصل بصناعة الدراما التلفزيونية في مسيرة ومشوار سامح عبد العزيز، فقد اجتهد أيما اجتهاد في محاولة منه لتجنب الغث من الأفكار الهدامة، فابتعد عن المُستهلك والمُبتذل، باختياره للموضوعات الإيجابية، واستطاع بالفعل الغزل على منوال الفكاهة فنال ثقة جمهور المنازل بعد أن قدم لهم أعمالاً مفيدة بشروط الدراما العائلية، فكان رصيده الوفير من نوعيات مُبتكرة ومُسلية وباعثة على السعادة، كمسلسل «مبروك أبو العلمين حمودة» لمحمد هنيدي برؤية كوميدية مُغايرة للرؤية السينمائية، وبنفس الأسلوب قدم المخرج الفنان مسلسل «أرض النفاق».
وتوالت أعماله المُتميزة بمواصفاتها المختلفة، «يوتيرن» و«حرب أهلية» و«زي الشمس» و«بين السرايات» و«أنا وهي» و«خيانة عهد» و«رمضان كريم» فشكلت في مُجملها بانوراما إبداعية إنسانية شهدت له بالكفاءة والنبوغ.